العميد م بهاء حلال: السياسة الأميركية المتأرجحة بين الإستحواذ الدائم على الثروات وإستخدام القوة

حوار خاص مع الباحث السياسي العميد الركن (بهاء حلال) إعداد وحوار ربى يوسف شاهين

بدأ العميد حلال حديثه عن العولمة بالقول “منذ عقودٍ من الزمن خلت، تموضعت فكرة العولمة بكاملها في خانة المجهول، فهي التي قامت على ركائز فكر ليبرالي حر رسم لنفسه منذ بداية ظهوره صورة زهرية واعدة لمستقبل عالمي فيه الحرية والديمقراطية والسيادة وخلق الخير العام للشعوب، فها هو القلق والاضطراب يساور كافة القوى العالمية الحية، وخاصة الاميركية منها التي كان لعقل الدولة العميقة الاميركية اليد الاساسية في بناء هذا النظام المعولم، والمعبر عنه بالقرية الكونية الكبرى.. بحيث كان لها السيطرة الكاملة في متطلبات القوة : (سياسياً واقتصادياً وثقافياً و عسكرياً) ويضيف العميد حلال ويتابع بالقول “في مراجعة نقدية عامة لجلاء ما جرى، ويجري، نلحظ انه لم يسبق لأمة في التاريخ، أنّ وصلت قدرتها في الهيمنة الى الحدود التي وصلت اليها الامبراطورية الاميركية فتلك الهيمنة التي عبّرت عن توسّع امبراطوري مفرط في عدد من الميادين والحقول، ترافقها امكانات عسكرية مَهُولة تنتشر في الفضاء واعماق المحيطات والبحار وفي العديد من المضائق الكونية، حاملات طائراتها تجوب بحار العالم والمفاصل البحرية الاستراتيجية لفرض اسس للعبة الدولية”.
الباحث السياسي العميد الركن بهاء حلال
الباحث السياسي العميد الركن بهاء حلال

في هذا الإطار، يقول العميد حلال “انتشرت الثقافة الأمريكية في أرجاء العالم بسرعة أكبر من سرعة الصوت، كانت وما زالت يترافق معها مشهد براق وعملاق في فنون التواصل والاتصال، والدعاية والاعلان والاعلام، ساهمت في ضرب عضد الشعور القومي العام لدى أكثرية شعوب العالم، وخاصة العالم العربي استُخدمت خلالها خطة واضحة وظاهرة و عملاقة قاعدتها الدمج التدريجي تارة والعشوائي تارة أخرى والممنهج للأعراق والقوميات والاثنيات، فانتشرت الانجاب وانتشرت الزيجات والزيجات بين سكان الارض قاطبة، حتى في الداخل الاميركي، متجاوزة مسائل العرق والدين او اللون او الجنس، فظهرت وكأن الليبرالية الاميركية تسعى لتعزيز انبعاث مواطن عالمي جديد، ينتمي إلى عالم تكنولوجي جديد”.

ويضيف العميد حلال “نفق العولمة الاميركية كان يرتكز بكل تجلياته على اسس واضحة لا تتردد في تأكيد سياستها العالمية والشرق اوسطية تحديدًا، فمثلا تعتبر السياسة الأميركية أنّ اسرائيل هي الركيزة الأساسية والمثلى لها، لذا لم يضلّ أي رئيس أمريكي عن التزام واشنطن بضمان أمن إسرائيل، من هاري ترومان إلى باراك أوباما، ومن ثم ترامب حيث وقف الجمهوريون والديمقراطيون في البيت الأبيض مع إسرائيل في صراعها مع العرب على مر التاريخ الحديث وصراعها مع الفلسطينيين بعد احتلالها لفلسطين، وتبعا لذلك، أخذ ترامب هذا الدعم إلى مستوى آخر، حيث خرق كل المعايير الدولية، وعكس كل السياسات التي استمرت لعقود من الزمن، وتحدى أقرب حلفائه لتقديم خدمات متتالية لحكومة بنيامين نتنياهو في إسرائيل”.

يتابع العميد حلال “وعلى مدار ثلاث سنوات في السلطة، عينت إدارة ترامب محامياً متشدداً متعصبا ومؤيدًا للمستوطنين سفيراً لـدى إسرائيل، وقطعت التمويل عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وساهمت في سحب اميركا من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وأعلنت أن المستوطنات لا تعتبر غير قانونية بالضرورة. وهذا طبعا تشريعا للمستوطنات في المقابل ربما مثّل نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس مع الاعتراف بالمدينة المقدسة عاصمة للكيان الإسرائيلي كان أكبر تحول في السياسة الأميركية”.

ينوه العميد حلال إلى أن ترامب قال خلال الخطاب الذي أعلن من خلاله أن القدس عاصمة اسرائيل هذه الخطوة في السادس من كانون الأول / ديسمبر 2017، “أخيرًا بالأمر الواضح أن القدس هي عاصمة “إسرائيل، *هذا ليس أكثر أو أقل من اعتراف بالواقع، إنه أيضًا الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله”.

يتابع العميد حلال ويقول “أثار هذا الخطاب غضبًا عالميًا، حيث أدانت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة قرار الإدارة الأمريكية الذي أيده بعض أقرب حلفاء واشنطن الأوروبيين، ومن جهته، قال ترامب في إعلانه أن هذه الخطوة لا تغير الوضع المتنازع عليه في المدينة المقدسة، حيث شعر العالم بالغموض في وقت لاحق بشأن جعل القدس غير متاحة، مشيرًا إلى أنه حل القضية لصالح إسرائيل”.

يستطرد العميد حلال قائلًا “وهنا تبرز تجليات العولمة بإسقاط انعكاسات قرار ترامب على المدى المترامي في الوطن العربي أولاً، وثانيًا على الوضع العالمي، حيث أنّ السياسة الأميركية الخارجية تعتمد على ما يسمى الاكراه المشروع عبر التدخل العسكري وفرض العقوبات الدولية، وذلك من خلال قواعد وقوانين اميركية (قانون كاتسا مثلا)، ونجدها تتدخل في أيّ دولة، من الدول فتهاجمها وتسقط انظمة فيها، تقيم بدائل، تبني القواعد العسكرية فيها، وتفرض العقوبات على أيّ دولة في العالم أو على كيانات واحزاب وشركات واشخاص فيها، فلم يسبق في كل التاريخ وبالشكل الذي تعالج فيه الولايات المتحدة هذه المسألة، أنّ تفرض دولة ما عقوبات على دولة ثانية، وتعاقب دولة ثالثة إذا ما خرقتها أو إذا اقامت دولة رابعة انشطة تعاون معينة مع الدولة المعاقبة، كل ذلك يُصنف ضمن إطار السيادة الاميركية الدولية على العالم أو الهيمنة الاميركية”.

“توضيح الاكراه المشروع، حق امتلكته كافة الدول في كافة مراحل التاريخ استناداً لمبدأ السيادة الوطنية ، لكنه لم يُعرف تاريخياً ان هذا الحق اصبح من الممكن استعماله بين دولة ودولة واخرى ، فالولايات المتحدة تستخدم حق الاكراه المشروع” ولدى سؤال العميد بهاء حلال عن تأثير السياسة الأميركية الخارجية على الدول العربية، وتداعياتها على دول المنطقة، يقول العميد حلال “تتجلى السياسة الأميركية في خلق التنظيمات الارهابية وعلى رأسها تنظيم القاعدة وتفرعاته الافقية والعامودية وصولا إلى ابنائه مثل تنظيم النصرة وداعش، ولن ننسى دعمه تنظيم الاخوان المسلمين والقيام بإطلاق فكرة مشروع الربيع العربي الذي طغى عليها شعارات ممجوجة من سيادة وحرية واستقلال وألوان من شعارات أُخرى تميز هذه الثورات الملونة عن غيرها بلون الدم، فـ نبدئ بتونس وحركة العمال فيها، ومن ثم لن ننسى العراق ومصر وليبيا وقصفها من قبل الناتو والتدخل العسكري فيها ومحاولات تقسيمها الجغرافي والمناطقي خدمة لمشروع الهيمنة للاستفادة من خيراتها النفطية الوفيرة”.

يضيف العميد حلال ” لم تكن حرب عام 2006 الاسرائيلية العدوانية على لبنان الا جزءً من هذه البراغماتية التي تعتمد على سبر اغوار الاهداف عبر تحقيق التماس معها بالنار طورا وتارة بخلق المشاكل الداخلية في داخل الدول المستهدفة، وأنّ اردنا أنّ نعدد السياسات التفتيتية التي انتهجتها اميركا لن ننتهي من توصيف الدمار والخراب وزعزعة الاستقرار من اليمن الى العراق وتونس والسودان ومصر وليبيا وسوريا ولبنان وغيرهم من الدول العربية باختلاف تموضعاتهم فمنهم من قضى نحبه تطبيعًا ومنهم من ينتظر”.

في السياق يتساءل العميد حلال عن الأسباب التي أدت إلى الواقع الحالي المضطرب، فهل سقطت القدرة الاميركية للدولة العميقة في الغموض أو الضياع، ألم يكن من الافضل لتلك الفكرة الليبرالية أنّ تحافظ على أنسنة علاقاتها الدولية منذ بداية صعودها، ألم يكن من الاجدى لها أنّ لا تظهر بأي مكان في العالم بصورة المحتل، ألم يكن افضل لصُناع القرار في واشنطن ان تتجنّب استخدام مصطلح الاحادية القطبية في قواميس علاقاتها الدولية، وأنّ تسعى منذ انهيار الاتحاد السوفياتي إلى تعميق الشراكة الدولية لتصبح اكثر واقعية وقادرة على صياغة تفاهمات اممية واضحة وحقيقية.

يقول العميد حلال “لقد وضعت الولايات المتحدة السيطرة في مسار علاقة متأرجحة بين الاستحواذ الدائم على الثروات واستخدام القوة، مما ادى إلى لا عقلانية وعشوائية سياساتها الخارجية وذلك في غياب تام لدور الاصلاحيين في الفكرة الليبرالية المؤثرة في علاقات القرار الاميركية” ويضيف العميد حلال متسائلاً “هل من دور ما للارتباطات الدينية العميقة تحت مسمى “المحافظين الجدد” بحيث ظهرت وكأنها ساهمت في خلق هذا الواقع الجديد الذي وصلت اليه العلاقات الدولية، وتكمّل مساراتها حالياً الترامبية الهجومية ولو بأشكال مختلفة، أم أن كل ما جرى هو عبارة عن فكرة ديالكتيكية بسيطة : لا بد للفكرة ان تنجب نقضيتها وتتصارع معها”.

بالعودة إلى نتائج الإنتخابات الأمريكية وتأثيراتها على الشرق الأوسط يقول لعميد حلال “أحدث الإعلان عن فوز الديمقراطيين ممثلا بجو بايدن في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، صدمة تغيرية بالشكل على الاقل في السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط ما يجعلنا نعتقد أننا على أبواب مرحلة جديدة بعد العشوائية والاندفاعات التعصبية التي غلبت على استراتيجية إدارة دونالد ترامب في المنطقة. فمن المتوقع أن يعتمد الرئيس المنتخب سياسة أكثر تقليدية، وأن يضغط للعودة الى قاعات التفاوض في كل العالم وخاصة مع ايران بشأن برنامجها النووي، وسيركز بايدن على قضايا حقوق الإنسان التي تراجعت أهميتها في عهد الملياردير الجمهوري”.

أما عن الحرب على سوريا يقول العميد بهاء حلال “الحرب الارهابية على سوريا حرب ضمن سلسلة حروب شُنت على المنطقة العربية بهدف تطويعها والغاء عضد قوتها رغبة في اعلاء كلمة العدو الاسرائيلي في المنطقة عبر التطبيع الذي عملت عليه الالة الاعلامية للكون والالة العسكرية الارهابية لكسر شوكة سوريا وبالتالي كسر شوكة محور المقاومة“.

يتابع العميد حلال ويقول “أن هذه الحرب اثرت بشكل مباشر على كل العالم وخاصة دول المنطقة العربية مثل لبنان وفلسطين حيت عبر موجات التهجير الممنهج للشعب السوري باتجاهات مختلفة مما ادى الى ازمات في لبنان للأحباء السوريين، وبالتالي أزمات اقتصادية للبنان تعمل على تأجيجها دول تقوم بعدم السماح للمهجرين قسرا بالعودة الى وطنهم بعد ابلال معظم مناطق الجمهورية العربية السورية من مرض الارهاب الذي زرعت اساساته داعش والنصرة الإرهابيتين”.

ويضيف العميد حلال قائلًا “لم تستطع الدول الغربية كسر التضامن العربي الفعلي إلا من ناحية الشكل لأن قرارات الجامعة العربية لا تؤشر الى الواقع الفعلي وطبعا هنا اذا نظرنا الى الموقف اللبناني والعراقي والمصري حتى والجزائري واليمني، والباقي هو حبر على ورق، وقد استطاعت سوريا أنّ تدحر الارهاب وتقول كلمتها :لا حرب من دون سوريا كما أنّ السلم مستحيل دون سوريا.

في جانب موازٍ وتحديدًا لجهة كارثة مرفأ بيروت يقول العميد بهاء حلال: “إن كارثة المرفأ التي حدثت في لبنان بتاريخ ٤ آب هي كارثة وطنية وانسانية وقد صنف الانفجار ثالث أقوى انفجار في العالم وهو أجهز على اخر مرفق اقتصادي للبنان يؤمن ديمومة التعافي الذي يعول عليها لبنان لقيامته الموعودة، وبالتالي فإن تداعيات الانفجار حملت في طياتها الكثير من المآسي ومن الخراب الذي دمر نصف بيروت وحولها الى مدينة منكوبة في كل المعايير”.

ويتابع العميد حلال “إن التدافع الدولي بهدف المساعدة خفت وتيرته واصبحت قاب قوسين أو أدنى معدومة لأن في بداية الهجمة للمساعدة تزاحمت الاساطيل والطائرات والقوافل الدولية لتقديم المساعدات وتقاطرات صفوف السفارات لحجز مكان لها في ارجاء الوطن لتجهيز المستشفيات الميدانية، وبالتالي كانت اشبه بالحزن الذي يصيب الانسان يبدأ كبيرًا جدًا ثم يصغر رويدًا رويدًا حتى يندثر في النهاية”.

ولجهة تحديد سبب الانفجار وكارثة مرفأ بيروت يقول العميد حلال “لا استطيع تحديد ماهية أسباب الانفجار إن كانت قصدية أم قضاء وقدر لأن الامر مناط بجهات التحقيق القضائية، لكن ما يمكن قوله أن لبنان فيه ما يكفي من الفساد الاداري والمالي ليكون هذا الانفجار اراديًا بشكل لا إرادي . واللبيب من الاشارة يفهم”.

وللحديث عن المقاومة في لبنان شجون من نمط خاص لدى العميد بهاء حلال، خاصة أن تاريخ المقاومة حافل بالانتصارات إذ يقول “تاريخ محفور في الزمن والفكر والقلب هو عام 1982. هو تاريخ انطلاق المقاومة الاسلامية في مواجهة الطغيان والاستكبار العالمي الصهيوني وما لف لفه. انطلق الجهاد وحَرر وعَلم وساعد؛ وقاتل الجهل كما وكأنه احتلال، واصبحت هذه المقاومة صنوان الحياة السياسية في لبنان وميزان للعدل في حياته السياسية الغارقة في مجاهل الفساد”.

ويضيف العميد حلال” المقاومة أصبحت اصبحت المكونات الاساسية ورأس الحربة ضد الظلم وضد المحتل الاسرائيلي” ويتابع قائلاً” في الحقيقة لم يوفر العدو أي فرصة لينقض على لبنان وعلى مقاومته الصلبة عسكريًا لكنه لم يستطع أنّ ينال على مدى من الزمن من قوة المقاومة وبقي عصيّ على هذه الهجمات، لكن العدو ومن ورائه ومن خلال البراغماتية العدوانية المتأصلة في جذور نشأتهم قاموا بشن حرب (على لبنان عامة وعلى المقاومة بشكل خاص) وفق آلية مختلفة بكل المعايير، فبعد العمل على تحييد سوريا باشغالها بالدفاع عن نفسها ضد حرب كونية تشن عليها، قاموا بتنفيذ حرب من الجيل الخامس ضد لبنان وكل مكوناته والهدف الأساسي المقاومة وأسس هذه الحرب هي عمليات تفتيت هادئ من خلال عقوبات اقتصادية وسياسية وعمليات خنق معنوية ومالية متدرجة ليصل لبنان الى حد ان يكون دولة فاشلة، ومن ثم يصل إلى حافة الإنهيار، وعندها تقوم قائمة المكونات الشعبية والسياسية على المقاومة الاسلامية وتنقلب عليها برأيهم منا يجعل المجتمع اللبناني يتآكل من الداخل” يختم العميد حلال قائلاً ” حساب الحقل لم يكن على حساب البيدر “وفق مثلنا الشعبي”، بل على العكس تمامًا لم تتأثر المقاومة ولا مجتمعها ونعني هنا قوتها الشعبية والسياسية والعسكرية حيث التدابير الوقائية التي قامت بها إزاء هكذا حرب كانت ناجعة، ومرة اخرى يظهر قول الأمين: “إن عدتم عدنا”.

المصدر
الوكالة العربية للأخبار
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى