العيد الوطني لكوريا الديمقراطية… دروس في التخطيط للمستقبل…

الشعب يثق بسلطة الجمهورية ثقة مطلقة ويدعمها بقلب واحد

يوافق يوم التاسع من أيلول الذكرى الثانية والسبعين لتأسيس جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، فقد استطاعت هذه الجمهورية،  أن ترسم تجربة متميزة خلال الـ 72 عاماً التي مرت منذ ولادتها في يوم التاسع من أيلول عام 1948، مرسخة استقلالية باتت سمة رئيسية لها في عالم هيمنة الكبار، مستندة إلى إرادة الشعب الكوري في بناء الدولة والمجتمع الاشتراكيين، وربط خطط الدولة وسياساتها  بالدفاع عن مصالح الشعب، وانعكس ذلك  سياسات شعبية مثل تطبيق نظام العلاج المجاني العام ونظام التعليم المجاني العام، وإلغاء الضرائب، وبناء المساكن على حساب الدولة وتقديمها للسكان دون مقابل، وتطبيق نظام الإجازة المدفوعة الأجر ونظام الاستجمام والراحة على نفقة الدولة.

لقد أدرك الشعب الكوري، من خلال تجاربه الواقعية، أن مصلحته ترتبط ببناء المجتمع الاشتراكي، الأمر الذي تجسد ثقة وترابطاً بين الشعب والقيادة. فصار يثق بسلطة الجمهورية ثقة مطلقة ويدعمها بقلب واحد وإرادة واحدة.‏ ولوجود هذه الثقة المطلقة وهذا التأييد التام من الشعب، لم تتزعزع كوريا الاشتراكية، حتى حين وقعت حادثة انهيار الاشتراكية في البلدان العديدة على التوالي في أواخر القرن الماضي، واستطاعت أن تحافظ على راية الاشتراكية بثبات، وتفتح عصراً جديداً من بناء الدولة الاشتراكية القوية والمزدهرة حتى في ذروة المحن والخطوب، حيث تركزت هجمات القوى الامبريالية المتحالفة لتدمير الاشتراكية على هذا البلد، وداهمته الكوارث الطبيعية منقطعة النظير تباعاً، كانت جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية تتكلل بالظفر الدائم في النضال المناهض للامبريالية.‏

لقد أشعلت الولايات المتحدة الأمريكية نيران الحرب الكورية 1950-1953، بغية وأد الجمهورية الفتية التي لم تمض سنتان على تأسيسها، لكن كوريا، جيشاً وشعباً، استطاعت، ولأول مرة، إنزال هزيمة نكراء بالامبرياليين الأمريكيين. وبعد الحرب أيضاً توالت نجاحات كوريا في مواجهتها الولايات المتحدة، القوة الأكبر في عالم اليوم، محققة العديد من الانتصارات، ومن أبرز الأمثلة على ذلك أسر سفينة التجسس المسلحة الأمريكية “بويبلو” بعد أن تسللت إلى المياه الاقليمية لكوريا في كانون الثاني عام 1968، وحادثة إسقاط طائرة التجسس الأمريكية الكبيرة /اي سي 121/ بعد خرقها لمجال كوريا الجوي في نيسان عام 1969، وحادثة بانمونزوم التي تلقّى فيها الجنود الأمريكيون هزيمة نكراء في آب عام 1976 بعد أن قاموا بالاعتداء على الجيش الشعبي الكوري على الخط الفاصل بين شطري كوريا، وحادثة إسقاط طائرة الهليكوبتر الأمريكية، بعد تجاوزها لخط الفصل العسكري في كانون الأول عام 1994، وحادثة فرار طائرة التجسس الأمريكية /ار سي 135/ في آذار عام 2003 التي كانت تقوم بالتجسس على مقربة من المجال الجوي لكوريا. كما نجحت كوريا، وفي الآونة الأخيرة، في إجراء تجارب نووية تحت الأرض، رداً على الأعمال العدائية للولايات المتحدة التي فرضت قرار العقوبات على مجلس الأمن الدولي بذرائع كاذبة.

لقد زعمت الولايات المتحدة أن كوريا لن تقدر على النهوض ثانية، إثر التدمير الذي لحق بها في الحرب الكورية، وأن بيونغ يانغ لن تقدر على النهوض مرة ثانية فوق الأنقاض الناجمة عن الحرب الكورية حتى بعد مرور مائة سنة، إلا أن الشعب الكوري أكمل إعادة الإعمار والبناء لما بعد الحرب في غضون السنوات الثلاث فقط، بقدرة الوحدة المتلاحمة بمتانة حول حزب العمل بقلب واحد وبعدها اندفع إلى الأمام بـ”سرعة تشوليما” “الحصان المجنح الأسطوري” حتى نفذ المهمة التاريخية للتصنيع خلال مدة لا تزيد عن 14 سنة فقط، وفي هذا الفترة حققت كوريا الديمقراطية نمواً في الناتج الصناعي بمعدل 19.1 بالمائة سنوياً ولاسيما سرعة نموه السنوي المتوسط خلال أربع سنوات ما بين عامي 1957 و1960 إلى 36.6 بالمائة.‏

وفي سبعينيات القرن الماضي تم خلق السرعة الجديدة “سرعة معركة السبعين يوماً” حتى ازداد الناتج الصناعي في البلاد بـ1.7 أضعاف خلال سبعين يوماً فقط وفي الثمانينات جرت حركة خلق “سرعة الثمانينات” بنشاط بحيث ظهرت إلى حيز الوجود الإبداعات الجبارة مثل هويس البحر الغربي، أكبر هويس في العالم، والمكبس بطاقة 10000 طن، وفرازة الأكسجين الكبيرة.‏ وفي تسعينات القرن الماضي وبعد معاناة البلاد من هجمات الامبرياليين المركزة المعادية للاشتراكية والكوارث الطبيعية المتتالية أكمل الشعب الكوري المسيرة الشاقة بالنصر، جرياً بسرعة المسيرة الحثيثة وليس هذا فحسب بل هيأ لوحة الوثب المأمونة لبناء الدولة الاشتراكية القوية والمزدهرة.‏

في السنوات الأخيرة بلغت كوريا الديمقراطية قمة التكنولوجيا الرائدة في صناعة الآلات، وعلى أساس ذلك تسرع بنشاط في تعميم التشغيل الرقمي بالكمبيوتر في كل الميادين الاقتصادية.‏ وتحولت أراضي البلاد كلها إلى حقول قياسية واسعة النطاق وتتحول المدن والقرى إلى جنة الأرض، وجدير بالذكر أن كوريا الديمقراطية نجحت تباعاً في إطلاق القمر الصناعي والتجربة النووية بقواها الذاتية وتقنياتها الخاصة مائة بالمائة، حتى دخلت إلى مصاف الدول الفضائية القوية والدول النووية القوية التي يعترف بها العالم.‏

ويحقق الشعب الكوري حالياً الأعاجيب والتجديدات يوماً بعد يوم في كل ميادين البناء الاشتراكي… ففي السنوات الأخيرة، بنيت مراكز الحياة الثقافية الجماهيرية حديثاً أو أعيد بناؤها على مستوى عالمي، مثل منتزه رونغرا للشعب، ومدينة الألعاب المائية والترفيهية في مونسو، ونادي الفروسية في ميريم، ومجمع ماسيكريونغ للتزحلق على الثلج، وقاعة ميآري للرماية، وقاعة بيونغ يانغ الرياضية، وملعب الأول من أيار، ما يضفي مزيداً من السعادة على الشعب، كما أنشئت مراكز الخدمات الطبية الجديدة مثل مستشفى أوكريو للأطفال ومستشفى ريوكيونغ للأسنان على أروع صورة. وما يجب علينا أن نضعه هنا نصب أعيننا هو أن كل هذه المباني العصرية وأحدث التجهيزات والمرافق والأدوات والمعدات التي كلفت مبالغ تفوق التصور من الاستثمارات، يستخدمها أبناء الشعب العامل العادي، وليس مليونيرات أو منتسبي الفئة الامتيازية.

جدير بالذكر أن كوريا نجحت في إطلاق القمر الصناعي وفي إجراء التجربة النووية بقواها الذاتية؛ ما يثبت المكانة المرموقة التي وصلتها كوريا، بالتفاف شعبها حول قيادته واعتماده على إمكاناته الذاتية، مسترشداً بفكرة  زوتشيه، فكرة الاستقلالية، ولذلك فإن كوريا تعمل على تطوير علاقات الصداقة مع  بلدان العالم، ساعية إلى عالم جديد يقوم على  الاستقلالية، ويخلو من العدوان والتدخل في شؤون الدول الأخرى، ومحاولة السيطرة عليها واستعبادها. وفي سبيل الحفاظ على هذا النهج الاستقلالي، تتبنى كوريا الديمقراطية خطاً استراتيجياً يعتمد على التوازي بين بناء الاقتصاد وبناء القوات المسلحة، في مواجهة التحديات  والتهديدات الأمريكية المتزايدة، معطية كل الأولوية للشؤون العسكرية، وفقاً لسياسة سونكون، التي جعلت من الجيش الشعبي الكوري قوة رئيسة للبناء والدفاع عن الاشتراكية.

في كوريا، يتمتع جميع أفراد المجتمع بالحرية السياسية والحقوق بملء إرادتهم، تركيبة نواب (برلمانيون) مجلس الشعب الأعلى وحدها كافية لمعرفة ذلك، إذ إن العمال يحتلون 12.7 بالمائة والمزارعين 11.1 بالمائة والنساء 16.3 بالمائة في نسبة تركيبة نواب مجلس الشعب الأعلى الحالي الثالث عشر، تدل هذه النسبة بوضوح على أن سياسة الدولة لا يسعها إلا أن تمارس بما يتلاءم مع إرادة أبناء الشعب العامل ومصالحهم. كما لا يفوتنا أن نشير إلى أن عبارة الشعب تطلق في كوريا على اسم الدولة أو اسم السلطة أو اسم الجيش بحيث تسمى الجمهورية الشعبية والسلطة الشعبية والجيش الشعبي، والمثقفون والرياضيون والفنانون الذين اجترحوا مآثر بارزة من أجل البلاد والشعب هم أيضاً تطلق عليهم ألقاب عالم الشعب ورياضي الشعب وممثل الشعب وغيرها، هذا وتسمى أروع الصروح المعمارية تيمناً بالشعب، مثل قصر الشعب للثقافة ودار الدراسة الشعبية الكبرى ومسرح الشعب.

خلاصة الكلام: لقد دفع الشعب الكوري ثمناً باهظاً لقاء تأسيس دولته وبرغم عداء الغرب وحصاره الظالم الجائر، استطاعت جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية أن تطوّر قدراتها العسكرية والنووية لتصبح رقماً صعباً في المعادلة الدولية وعلى الساحة السياسية، فنالت احترام الشعوب الحرة في العالم، وكانت نموذجاً رائعاً يستحق كل التقدير والاحترام. وفي نظري المتواضع أرى أنه يجب علينا الاستفادة من التجارب التي مرت من خلالها جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، إذ إنها أثارت الرعب في قلوب أعدائها خلال فترة زمنية قصيرة، حين صنعت لنفسها مجداً منقطع النظير، ومما يدهش حقاً، أنه وبرغم الحصار المفروض على كوريا، أثبتت بأنها أقوى من الحصار وأقوى من الظالمين، فغذاؤها وزراعتها وصناعتها ودواؤها وسلاحها تحقق بنتيجة جهدها واكتفائها الذاتي، فأثبتت أن نظرية زوتشيه وسونكون هما فلسفتان وطريقان منيران لها وللعالم حين يأخذ هذا العالم بها.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى