الفلسفة المعادلاتية والأخلاق والعقلانية

بالنسبة إلى الفلسفة المعادلاتية ، الأخلاق معادلة رياضية مُعرَّفة من خلال كل السلوكيات العقلانية الممكنة المُتضمِنة لاتباع المبادىء العالمية و إفادة الذات والآخرين. معادلة الأخلاق هي التالية: الأخلاق = كل السلوكيات العقلانية الممكنة ÷ السلوكيات اللاعقلانية (أي الأخلاق تساوي كل السلوكيات العقلانية الممكنة مقسومة رياضياً على السلوكيات اللاعقلانية) ما يتضمن أنَّ الأخلاق = إفادة الذات × إفادة الآخرين × اتباع المبادىء العالمية (أي الأخلاق تساوي إفادة الذات مضروبة رياضياً بإفادة الآخرين المضروبة رياضياً باتباع المبادىء العالمية). تملك معادلة الأخلاق فضائل عديدة منها التوحيد بين المذاهب الأخلاقية المختلفة والمتنافسة و حلّ الخلاف فيما بينها.

إن كانت الأخلاق = كل السلوكيات العقلانية الممكنة ÷ السلوكيات اللاعقلانية ، و علماً بأنه من العقلاني أن نفيد أنفسنا والآخرين و أن نتبع المبادىء العالمية المُتفَق عليها من قِبَل جميع البشر كأن لا تقتل و لا تسرق (و إلا كانت أفعالنا بلا فوائد فبلا مُبرِّر لوجودها فغير عقلانية) ، إذن الأخلاق = إفادة الذات × إفادة الآخرين × اتباع المبادىء العالمية. من هنا ، تشكِّل هاتان المعادلتان الأولى والثانية معادلة واحدة لا تتجزأ.

ثمة مذاهب أخلاقية مختلفة ومتصارعة منها المذهب القائل بأنَّ الأخلاق كامنة في إفادة الذات فقط فإن استفاد الفرد استفاد كل المجتمع و منها أنَّ الأخلاق كامنة في إفادة الآخرين فقط فإن لم يستفد الآخر كان الفرد أنانياً فغير أخلاقي و منها أنَّ الأخلاق قائمة فقط على اتباع المبادىء العالمية المشتركة بين الجميع كأن لا تقتل و لا تسرق لأنه مُجمَع عالمياً على أخلاقيتها كما لا نريد من أحد أن يقتلنا أو يسرقنا. لكن معادلة الأخلاق تتضمن هذه المذاهب الأخلاقية المختلفة والمتنافسة لأنها تعتبر أنَّ الأخلاق = إفادة الذات × إفادة الآخرين × اتباع المبادىء العالمية. وبذلك تُوحِّد معادلة الأخلاق بين هذه المذاهب الأخلاقية فتحلّ الخلاف فيما بينها ما يجعلها تكتسب هذه الفضيلة الكبرى و ما يدلّ بدوره على صدق هذه المعادلة و تفوّقها.

إن كانت الأخلاق كامنة فقط في إفادة الذات فحينها سوف يعمل كل فرد على تحقيق مصالحه دون مصالح الآخرين أو دون مصالح المجتمع وبذلك نفقد الأخلاق. و إن كانت الأخلاق كامنة فقط في إفادة الآخرين فحينها قد لا نفيد ذواتنا و هذا غير أخلاقي أو قد نضحِّي حينها بفردٍ إن كان هذا يفيد معظم الآخرين و هذا لا أخلاقي أيضاً. و إن كانت الأخلاق قائمة فقط على اتباع المبادىء العالمية المُتفَق عليها فمن الممكن أن يُسبِّب ذلك عدم إفادة الذات أو الآخرين أو الذات والآخرين معاً (فاتباع المبادىء العالمية فقط كأن لا تقتل و لا تسرق لا يفيد بالضرورة الفقراء أو المشرّدين أو الجاهلين إلخ فلا يتطوّر المجتمع) و هذا لا أخلاقي أيضاً فالأخلاق تكمن في تطوير الفرد والمجتمع (فإن لم توجد آليات تطوير الأفراد والمجتمعات لتمّ سجن الفرد والمجتمع فيما هما عليه في الحاضر أو الماضي و هذا غير أخلاقي بالطبع). من هنا ، لا بدّ من تحليل الأخلاق من خلال إفادة الذات والآخرين و اتباع المبادىء العالمية في آن تماماً كما تفعل معادلة الأخلاق القائلة بأنَّ الأخلاق = إفادة الذات × إفادة الآخرين × اتباع المبادىء العالمية ما يدلّ على نجاح هذه المعادلة فصدقها.

تنجح معادلة الأخلاق أيضاً في التعبير عن أنَّ الأخلاق مسألة درجات كما تنجح في ضمان تطوير الأخلاق. فبما أنَّ الأخلاق = كل السلوكيات العقلانية الممكنة ÷ السلوكيات اللاعقلانية وبذلك الأخلاق = إفادة الذات × إفادة الآخرين × اتباع المبادىء العالمية ، و علماً بأنه من الممكن للسلوكيات العقلانية أن تزداد أو تتناقص كما من الممكن لاتباع المبادىء العالمية و إفادة الذات والآخرين أن تزداد أو تتناقص، إذن من الممكن أيضاً أن تزداد أخلاق الفرد أو تتناقص. هكذا تنجح معادلة الأخلاق في التعبير عن أنَّ الأخلاق مسألة درجات. كما بما أنه من الممكن دوماً تطوير إفادة الذات والآخرين وتطوير المبادىء العالمية ، إذن ، بالنسبة إلى معادلة الأخلاق ، من الممكن تطوير الأخلاق باستمرار لأنَّ الأخلاق ليست سوى كل السلوكيات العقلانية الممكنة الكامنة في إفادة الذات والآخرين واتباع المبادىء العالمية. من هنا ، تنجح معادلة الأخلاق في التعبير عن إمكانية تطوير الأخلاق و تضمن تطويرها بتطوير السلوكيات العقلانية وتطوير إفادة الذات والآخرين والمبادىء العالمية من خلال تطوير مضامينها و إنتاج سلوكيات عقلانية و مبادىء عالمية جديدة.

من جهة أخرى ، بما أنَّ الأخلاق = كل السلوكيات العقلانية الممكنة ÷ السلوكيات اللاعقلانية ، و من السلوكيات العقلانية اكتساب المعارف والعلوم والمشاركة في إنتاجها ، إذن من الأخلاقي أن نحصل على المعارف والعلوم و نشارك في إنتاجها. من هنا ، تنجح معادلة الأخلاق في التعبير عن ضرورة اكتساب العلوم والمعارف والمشاركة في بنائها لكي نكون أخلاقيين. و في هذا النجاح فضيلة أساسية أخرى لمعادلة الأخلاق. بلا حصول على معارف وعلوم والمشاركة في صياغتها لا نتطوّر ولا يتطوّر الآخرون و بهذا نخسر الأخلاق الكامنة بالضرورة في تطوير أنفسنا والآخرين. فالذي لا يتطوّر سجين الحاضر والماضي و هذا غير أخلاقي. و لا نتطوّر سوى بالمشاركة في الميادين المعرفية والفنية والثقافية كافة من خلال الإنتاج المعرفي والفني والثقافي. وبذلك لا نكون أخلاقيين سوى بالحصول على المعارف والمشاركة في الإبداع المعرفي أو العلمي أو الثقافي و الاستمتاع بالفنون و إنتاجها إن أمكن.

من المنطلق نفسه ، إن كانت الأخلاق = كل السلوكيات العقلانية الممكنة ÷ السلوكيات اللاعقلانية ، و علماً بأنَّ سيادة العدالة و ما تتضمن من احترام للمساواة والحريات والحقوق الإنسانية من السلوكيات العقلانية الجوهرية فبلا عدالة تَسُود الاضطرابات والفِتَن والحروب و في هذا لا عقلانية واضحة ، فحينئذٍ لا بدّ من تحقيق العدالة المتمثلة باحترام الحقوق الإنسانية كالحريات والمساواة بين الجميع لكي نكون أخلاقيين. هكذا تنجح معادلة الأخلاق في التعبير عن ضرورة وجود العدالة (كاحترامٍ للحقوق الإنسانية والحريات والمساواة) لكي تتحقق الأخلاق. و هذا النجاح دليل على صدق معادلة الأخلاق و مصداقيتها.

أما العقلانية فهي معادلة رياضية أيضاً ألا و هي التالية : العقلانية = الانسجام و اتباع مبادىء المنطق × الإفادة النظرية و العملية. فإن كانت معتقداتنا غير منسجمة فيما بينها فحينئذٍ نصبح غير عقلانيين من جراء تناقض معتقداتنا. و إن كنا لا نتبع مبادىء المنطق و التفكير السليم كأن نقع في الدور المرفوض منطقياً كتحليل الماء بالماء فحينئذٍ أيضاً نمسي غير عقلانيين لأنَّ معارضة مبادىء المنطق تؤدي لا محالة إلى امتلاكنا لمعتقدات فارغة من محتوى أو كاذبة. من هنا ، لا بدّ من تحليل العقلانية من خلال انسجام معتقداتنا و اتباع مبادىء المنطق المتضمنة لمبادىء التفكير السليم تماماً كما تفعل معادلة العقلانية بقولها إنَّ العقلانية = الانسجام واتباع مبادىء المنطق × الإفادة النظرية و العملية. وبذلك تكتسب معادلة العقلانية فضيلة التعبير عن ضرورة وجود الانسجام الفكري واتباع مبادىء المنطق والتفكير السليم لكي تتحقق العقلانية ما يدلّ على صدقها.

بالإضافة إلى ذلك ، إن لم تكن معتقداتنا و أفعالنا مفيدة لنا و للآخرين نظرياً و عملياً (كأن تكون معتقداتنا ناجحة في وصف وتفسير الظواهر و حلّ الإشكاليات الفكرية النظرية والعملية و كأن تكون معتقداتنا و أفعالنا ناجحة في إبقائنا أحياء و ناجحين اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً و ناجحة في تطويرنا وتطوير الآخرين) فلن نكون عقلانيين لأنَّ حينها لا فائدة لمعتقداتنا و أفعالنا فلا داع ٍ و لا ضرورة لوجودها. من هنا ، لا بدّ من تحليل العقلانية أيضاً من خلال الإفادة النظرية و العملية تماماً كما تفعل معادلة العقلانية بقولها إنَّ العقلانية = الانسجام واتباع مبادىء المنطق × الإفادة النظرية و العملية. وبذلك تكتسب معادلة العقلانية هذه الفضيلة الأخرى الكامنة في التعبير عن ضرورة وجود الإفادة النظرية و العملية لكي تتحقق العقلانية ما يشير إلى صدق معادلة العقلانية و مقبوليتها.

كما تنجح معادلة العقلانية في التعبير عن أنَّ العقلانية مسألة درجات ما يمكّننا من تطويرها باستمرار وبذلك تكتسب هذه المعادلة هذه الفضيلة الكبرى. فبما أنَّ العقلانية = الانسجام واتباع مبادىء المنطق × الإفادة النظرية و العملية ، و علماً بأنه من الممكن أن يزداد أو يتناقص الانسجام الفكري واتباع مبادىء المنطق كما من الممكن أن تزداد أو تتناقص الإفادة النظرية و العملية ، إذن من الممكن أن تزداد أو تتناقص العقلانية. هكذا تتمكّن معادلة العقلانية من التعبير عن أنَّ العقلانية مسألة درجات قد تزداد أو تتناقص. و بما أنَّ العقلانية مسألة درجات ، إذن من الممكن دوماً تطويرها بتطوير اتباع المنطق والتفكير السليم وتطوير الإفادة النظرية و العملية. من هنا ، تنجح أيضاً معادلة العقلانية في التعبير عن إمكانية تطوير العقلانية و تضمنها.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى