الفلسفة المعادلاتية و تحليل الحرية

تُعرِّف الفلسفة المعادلاتية الحرية على أنها معادلة رياضية على النحو التالي : الحرية = كل السلوكيات الأخلاقية الممكنة ÷ السلوكيات اللاأخلاقية. هذا يعني أنَّ الحرية تساوي كل السلوكيات الأخلاقية الممكنة مقسومة رياضياً على السلوكيات اللاأخلاقية. تملك هذه المعادلة فضائل عديدة منها أنها تنجح في التعبير عن أنَّ البشر أحرار رغم أنَّ الكون محكوم بالعلاقات السببية و القوانين الطبيعية.

إحدى المشاكل الفلسفية الأساسية هي : كيف من الممكن لنا أن نكون أحراراً رغم أنَّ الكون بكل ظواهره محكوم بالعلاقات السببية و القوانين الطبيعية؟ فإن كان الكون محكوماً بالقوانين الطبيعية كقوانين الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا و بالعلاقات السببية بحيث الأسباب تُحتِّم نتائجها و يستحيل أن توجد ظاهرة بلا سبب يُسبِّبها فحينئذٍ أفعالنا أيضاً محكومة بالعلاقات السببية والقوانين الطبيعية ما يدلّ على أننا لسنا أحراراً. لكن، من جهة أخرى، لدينا اعتقاد راسخ بأننا أحرار و إن لم نكن أحراراً فلن نكون مسؤولين عما نفعل لكننا مسؤولون عما نفعل. هكذا نقع في معضلة فلسفية كبرى فثمة أدلة على أننا لسنا أحراراً و ثمة أدلة أخرى على أننا أحرار كدليل أننا أحرار و إلا لم نكن مسؤولين عن أفعالنا. المشكلة الفلسفية هي : كيف من الممكن الجمع بين حقيقة أنَّ الكون محكوم بالقوانين الطبيعية والعلاقات السببية من جهة و أننا أحرار بالفعل من جهة أخرى؟

تحلّ معادلة الحرية هذه المشكلة الفلسفية على النحو التالي : بما أنَّ الحرية تساوي كل السلوكيات الأخلاقية الممكنة مقسومة على السلوكيات اللاأخلاقية ، و علماً بأننا نتمكّن من فعل السلوكيات الأخلاقية الممكنة و إن كنا محكومين بالعلاقات السببية والقوانين الطبيعية لكونها سلوكيات ممكنة ضمن القوانين الطبيعية والعلاقات السببية ، إذن نحن أحرار. وبذلك لا يوجد تعارض بين حقيقة أنَّ الكون محكوم بالقوانين الطبيعية والعلاقات السببية من جهة و حقيقة أننا أحرار من جهة أخرى. فالسلوكيات الأخلاقية متاحة لنا بينما الحرية ليست سوى القيام بتلك السلوكيات الأخلاقية و لذلك نملك الحرية بالفعل رغم محكومية الكون بالقوانين الطبيعية والعلاقات السببية. بكلامٍ آخر ، بما أنَّ الحرية تساوي كل السلوكيات الأخلاقية الممكنة مقسومة على السلوكيات اللاأخلاقية ، إذن الحرية كامنة في ممارسة الأخلاق والسلوكيات الأخلاقية. و من الممكن لنا ممارسة الأخلاق والقيام بالسلوكيات الأخلاقية. وبذلك نحن أحرار. هكذا تنجح معادلة الحرية في حلّ المشكلة الفلسفية السابقة ما يشير بقوة إلى مقبوليتها و صدقها بفضل نجاحها.

تنجح معادلة الحرية في التعبير عن أنَّ الحرية لا توجد خارج حقل الأخلاق و احترام حقوق الآخرين فلا حرية بلا أخلاق و ممارسة للسلوكيات الأخلاقية. فبما أنَّ الحرية تساوي كل السلوكيات الأخلاقية الممكنة مقسومة على السلوكيات اللاأخلاقية، إذن على الفرد أن يكون أخلاقياً لكي يكون حُرّاً. وبذلك من دون ممارسة السلوكيات الأخلاقية يخسر الفرد حريته الحقيقية فالحرية لا توجد سوى ضمن الأخلاق و ممارسة السلوكيات الأخلاقية ما يضمن احترام حقوق الآخرين و عدم الاعتداء عليهم. من هنا الإنسان حُرّ فيما يفعل شرط احترام حقوق الآخرين و عدم الاعتداء عليهم. وبذلك تنجح معادلة الحرية في التعبير عن أنَّ الحرية مشروطة باحترام حقوق الآخرين ما يُمكِّنها من اكتساب هذه الفضيلة.

كما بما أنَّ الحرية تساوي كل السلوكيات الأخلاقية الممكنة مقسومة على السلوكيات اللاأخلاقية ، و علماً بأنه من الممكن للسلوكيات الأخلاقية أن تتطوّر ، إذن من الممكن للحرية أن تتطوّر. بكلامٍ آخر ، إن كانت الحرية تساوي كل السلوكيات الأخلاقية الممكنة مقسومة على السلوكيات اللاأخلاقية فحينئذٍ الحرية قابلة للتطوّر من خلال تطوير الأخلاق. هكذا تنجح معادلة الحرية أيضاً في التعبير عن أنَّ الحرية قابلة للتطوّر ما يجعلها تكتسب هذه الفضيلة الأخرى.

ليست الحرية قابلة للتطوّر فقط بل الحرية أيضاً كامنة في التطوّر. فبما أنَّ الحرية تساوي كل السلوكيات الأخلاقية الممكنة مقسومة على السلوكيات اللاأخلاقية، و من السلوكيات الأخلاقية اكتساب العِلم والمعرفة والتفكير العلمي والعقلاني والتصرّف على ضوء المعلومات العلمية والموضوعية والمنطقية الصادقة والمفيدة نظرياً و عملياً التي تُحتِّم تطوّر الفرد اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً ، إذن الحرية كامنة أيضاً في تطوّر كل فرد اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً. هكذا تنجح معادلة الحرية في التعبير عن أنَّ الحرية قائمة على التطوّر وتتضمن بالضرورة التطوّر ما يشير إلى نجاح هذه المعادلة و تفوّقها. فالذي لا يتطوّر سجين ما هو عليه و لذلك لا حرية بلا تطوّر ما يستلزم تعريف الحرية على أنها تطوّر الأفراد اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً. و هذا ما تنجح معادلة الحرية في القيام به لكونها تتضمن أنَّ الحرية هي أيضاً التطوّر. و لذا الشعوب المتطوّرة اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً تتمتع بحرية أكبر بينما الشعوب غير المتطوّرة باقتصادها ومجتمعها وثقافتها فاقدة للحرية أو تمتلك حريات أقل.

بالإضافة إلى ذلك ، تنجح معادلة الحرية في التعبير عن أنَّ الحرية تتضمن بالضرورة المسؤولية. فبما أنَّ الحرية تساوي كل السلوكيات الأخلاقية الممكنة مقسومة على السلوكيات اللاأخلاقية ، إذن الحرية كامنة في امتلاك الأخلاق و ممارسة السلوكيات الأخلاقية. وبذلك تكمن الحرية في المسؤولية الأخلاقية تجاه ذواتنا و الآخرين. هكذا تتضمن معادلة الحرية أنَّ الحرية كامنة في المسؤولية الأخلاقية التي تلزمنا بممارسة السلوك الأخلاقي تجاه ذواتنا و الآخرين. من هنا تنجح معادلة الحرية في التعبير عن أنَّ الحرية تتضمن بالضرورة المسؤولية ما يجعلها تكتسب هذه الفضيلة الإضافية.

تنجح معادلة الحرية أيضاً في التعبير عن أنَّ الحرية كامنة في فعل ما نريد على ضوء معتقداتنا شرط أن لا نعتدي على حقوق الآخرين و حرياتهم. فبما أنَّ معادلة الحرية تتضمن أنَّ الحرية ممارسة للسلوكيات الأخلاقية ، و السبيل الوحيد لممارسة السلوكيات الأخلاقية هو التصرّف على ضوء معتقداتنا و قِيَمنا الأخلاقية بلا اعتداء على الآخرين ، إذن الحرية كامنة في التصرّف على أساس قِيَمنا و معتقداتنا الأخلاقية شرط عدم الاعتداء على الآخر. لكن يستحيل التصرّف على أساس قِيَمنا و معتقداتنا بلا فعل ما نشاء على أساس تلك القِيَم و المعتقدات. وبذلك تكمن الحرية في فعل ما نشاء على ضوء معتقداتنا و قِيَمنا الأخلاقية و أن لا نعتدي على الآخرين. هكذا تنجح معادلة الحرية في التعبير عن أنَّ الحرية هي فعل ما نريد على أساس قِيَمنا و معتقداتنا شرط عدم الاعتداء على الآخر. و كل هذا النجاح دلالة على صدق معادلة الحرية و مقبوليتها.

الحرية مسألة درجات فمن الممكن امتلاك حرية أكثر أو أقل. لذا النظرية الصادقة حيال تحليل الحرية لا بدّ أن تنجح في التعبير عن أنَّ الحرية قد تزداد أو تتناقص. و معادلة الحرية ناجحة في التعبير عن أنَّ الحرية مسألة درجات ما يدلّ على صدقها. فبما أنَّ ، بالنسبة إلى معادلة الحرية ، الحرية تساوي كل السلوكيات الأخلاقية الممكنة مقسومة على السلوكيات اللاأخلاقية ، إذن تزداد الحرية بازدياد السلوكيات الأخلاقية و تناقص السلوكيات اللاأخلاقية و تتناقص الحرية بتناقص السلوكيات الأخلاقية و ازدياد السلوكيات اللاأخلاقية. وبذلك الحرية مسألة درجات. هكذا تتمكّن معادلة الحرية من التعبير عن أنَّ الحرية مسألة درجات ما يدعم صدقها.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى