الفوضى العارمة التي تجتاح العراق– جيوسياسية (ا)

كل التقارير حول احداث العراق تؤكد ان المشهد دموي ورقعة الاقتتال تتسع ويمكن ان تأخذ منحى اخر غير المنحى الانقلابي – الخطة أ – الذي خططت له دول اقليمية.

لكن، لا يمكن بأي حال من الاحوال استباق التطورات الممكنة وتسليط الضوء على معالم المرحلة القادمة من غير فهم التراكمات التاريخية بكل موضوعية وبلا تحيز لنكشف عن مخاطرها على الشعب العراقي وعلى وحدة الاراضي العراقية وعلى الامن القومي لكل دول الجوار.

ومن الملفت ان هذه التراكمات التاريخية بالاخص “المظلومية” ارتبطت بكل مكونات الشعب العراقي الثلاثة الرئيسية – الكردي والشيعي والسني – حتى صارت جزءاً من كيانه وتوجهاته الدينية والسياسية، ومفاهيمه وخطابه وتحركاته فعمقّت من “خطوط الخلل” واسست لبنية ديموغرافية هشة تهدد الكيان العراقي. كما ومن المهم ان نحدد الدول الاقليمية ونعّرف الدور الذي تلعبه في تفجير الوضع العراقي حتى يتضح المشهد الاقليمي.

التوزيع الديموغرافي والجغرافي

يضم العراق ثلاثة مكونات رئيسية يشكلون معاً حوالي 95% من الديموغرافية العراقية وكل واحد منهم يحمل “مظلومية” يستخدمها للحصول على مكاسب اضافية ليست من حقه، بل على حساب الاخر. يشكل الشيعة 60-65% من اجمالي عدد سكان العراق ويتواجدون بكثافة في المحافظات الجنوبية على الحدود الجنوبية الغربية لايران. ويشكل الاكراد نسبة 15-20% ويتواجدون بكثافة في الشمال على الحدود مع تركيا وسوريا وايران، منطقة مغلقة. ويشكل العرب السنة حوالى 13-15% من اجمالي الشعب العراقي ويشكلون الاكثرية الساحقة في ثلاث محافظات، صلاح الدين في الوسط ومحافظتي نينوى والانبار على طول الحدود مع السعودية والاردن وسوريا. بينما الطوائف والقوميات الاخرى كالاشوريين والازيدية والتركمان والصابئة تشكل نسبة 5%. تحول هذا التنوع الجميل من نعمة الى نقمة على يد جماعات ارهابية ودول ارتبط اسمها عضوياً بالارهاب.

رغم صلة القرابة بين العشائر السنية والشيعية الا ان الشعور بالغبن – المظلومية – الى جانب تحريض خليجي وقح وفجور لا حدود له عمّق الهوة بين المكونين الشيعي والسني وزَرَع ثقافة “الكراهية المذهبية”.

الاكراد

عاش اكراد العراق في ظل انظمة مركزية قمعية سلبتهم ابسط حقوقهم الانسانية والوطنية خاصة في ظل حكم صدام الذي لم يردعه شيء عن استخدام السلاح الكيماوي ضد المكون الكردي في اكثر من منطقة لكن “حلبجة” كانت الاشهر نظراً لحجم الجريمة. واكثر ما اساء للقضية الكردية علاقة الملا البرزاني باسرائيل. استمعت الى شريط مسجل لعلي حسن المجيد الملقب بـ “علي الكيماوي” يعترف فيه ان جلال الطالباني اتصل به يطلب البحث عن حلول سياسية فيقول علي الكيماوي “رديت على ابن …… بالكيماوي المزدوج.” شريط التسجيل موجود لدى الامم المتحدة.

بحسب دستور 2005 يتمتع اقليم كردستان بحكم ذاتي ضمن دولة فيدرالية ومن المعروف ان مسعود البرزاني رئيس الاقليم وحليفه اللدود جلال الطالباني رئيس الدولة، الا ان السياسة المتبعة في الاقليم اقرب الى الدولة المستقلة منها الى اقليم. لدى الاقليم جيش مستقل – البشمركة مجهز بأحدث انواع الاسلحة الحديثة والمتطورة – وتقوم حكومة كردستان ببيع النفط عبر تركيا بنصف السعر العالمي فمن الطبيعي ان تكون تركيا المستفيد الاول من تمرد البرزاني، ومن الطبيعي ايضا ان تعمل على تخريب العملية السياسية كي تحافظ على مكاسبها. دور طارق الهاشمي رئيس البرلمان السابق كان يندرج في ذلك السياق.

منذ اندلاع الازمة الاخيرة على يد داعش والبعثيين وجيش الطريقة النقشبندية وغيرهم من جيوش الارهاب اتسعت رقعة كردستان العراق بنحو 40% لتضم مناطق متنازع عليها مع الحكومة المركزية اهمها كركوك الغنية بالنفط. هذا، وجاء على لسان وزير النفط العراقي بأن استعادة الحكومة المركزية السيطرة على كركوك من الاكراد صعب لمعرفته سوء نوايا البرزاني وقد استدعى الاخير كل عناصر البشمركة المتقاعدين الانضمام الى وحدات البشمركة. في ظل التحالف المريب بين كردستان وتركيا والعلاقات الحميمة مع اسرائيل، لا يمكن اعتبار التعبئة العامة لمواجهة داعش بل لحماية كردستان والحفاظ على الوضع الكردستاني الحالي.

الشيعة

مع انهم اشعلوا الثورة الكبرى المعروفة بثورة العشرين ورغم انهم يشكلون الاغلبية الا انهم حُرموا من المشاركة في ادارة شئون البلاد، واحتكر السُنة الحكم لاكثر من سبعة عقود عانى خلالها الشيعة. كانت فترة حكم صدام حسين الاكثر دموية في تاريخ العراق من حيث القتل والقمع والتعذيب والتهجير، وكلها جرائم ضد الانسانية. اليوم اختلف الوضع، صار هذا المكون شريك فعلي وفي يده صلاحيات تجعله يتحكم بالقرارات السياسية الكبرى نتيجة نظام “المحاصصة”. اضف الى ذلك، نتيجة للشعور بالمظلومية التاريخية غير مستعد للتنازل عن اي من تلك الصلاحيات خوفاً من العودة الى الوضع السابق.

الحملة على نوري المالكي تحت شعارات وهمية واتهامه بـ “تهميش السنة” او اتباع “السياسات الطائفية والاقصائية” على حد تعبير سعود الفيصل والتكرار الممل على محطات تلفزيونية خليجية لشحن العصبية المذهبية لدى المكون السني يستدعي فهم الواقع السياسي وتوزيع السلطات لدحض الاتهامات من دول كالسعودية – دولة الكراهية وعدوة الديموقراطية في المنطقة وفي العالم. بعد إسقاط نظام صدام واستبداله بنظام ديموقراطي، مارس العراقيون بكل مكوناتهم حقهم الطبيعي في اختيار من يمثلهم في البرلمان وعلى مستوى الادارات المحلية. للتوضيح، محافظ الموصل (حاكم الموصل) على سبيل المثال اثيل النجيفي من ابناء الموصل اختاره اهل الموصل واختاروا الادارة المحلية التي تدير شئون مدينة الموصل ولكل محافظة حصة من الميزانية العامة للدولة، فأين التهميش؟ رئيس البرلمان العراقي اسامة النجيفي سُني اختاره السُنة، اي ان ممثلي كل مكون من اختيار المكون نفسه فكيف يحصل التهميش او الاقصاء؟

اقصاء المالكي يعني اقصاء من اختاره الشيعة وهذا يتعارض مع حق الاختيار وحق كل مكون اختيار من يمثله وستكون لها تداعيات على مستقبل الشيعة والعراق لانه سيعيد عقارب الساعة الى الوراء – الاقلية تتحكم بمصير الاكثرية. المطلب السني يضع الشيعة امام خياران احلاهما مر، الاذعان لمطالب السنة من خلال عملية تبدو في الظاهر ديموقراطية وفي الباطن استباحة سعودية للقرار الشيعي او تفعيل الخطة ب – تقسيم العراق الى ثلاثة دول تكون “دولة السنة” خنجر بيد السعودية ودول خليجية ووقود لحروبهم.

السنة

هيمنت هذه الاقلية على الحكم في العراق الحديث لمدة سبعة عقود وكانت مرحلة حكم البعث هي الاسوأ والاقسى على الشيعة والاكراد وحتى على السنة الذين اختلفوا في الرأي مع صدام. بعد اسقاط النظام عام 2003 على يد القوات الامريكية والدول المتحالفة معها واقامة نظام ديموقراطي يتمتع فيها كافة المواطنين بنفس الحقوق والحق بالمشاركة السياسية، فمن الطبيعي ان يشعر السُنة بالغبن وقد فقدوا كل الامتيازات التي كانت تقريبا حصريا لهم والفتات لغيرهم. كان الحكم بالمطلق للسُنة رغم ان حزب البعث حزباً علمانياً. تمتع صدام بخصلتين لا خلاف حولهما؛ الخصلة الاولى عنصريته، كان يؤمن بتفوق العنصر العربي على القوميات الاخرى (نازي بلباس عربي) وكان يكن كراهية مطلقة لايران باعتبار انها دولة فارسية. والخصلة الثانية طائفيته، مارس سياسة الاقصاء لمكون اساسي. اليوم صار هذا المكون الاساسي شريك في الحكم وفي ادارة شئون البلاد، وهذا من الصعب تقبله لذا من الطبيعي ان يشعر السُنة بالغبن. الحقيقة ان هناك شريحة من السنة ما زالت ترفض المشاركة الشيعية في الحكم (على لسان الشيخ خالد الملا رئيس جماعة علماء العراق – السنة).

الشعارات التي رفعها المنتفضون في انتفاضة الانبار الاخيرة كانت تتمحور حول الامور الخدماتية والمعيشية مع العلم ان المعاناة تشمل كل مكونات الشعب العراقي بسبب الفساد المستشري والانقسامات السياسية وعدم قدرة الحكومة على ايجاد حلول سريعة تطمئن الشريك السني، لكن الملفت في الامر هو اعطاء انتفاضتهم البعد المذهبي فكان له الاثر السلبي على مطالبهم المحقة واثار مخاوف الشريك الاخر الذي يعاني ايضاً.

نجح الاعلام الخليجي باقناع السُني بأن ما يجري هي “ثورة شعبية” حتى صار وقود وضحية حروب بعض دول الخليج (الفارسي) على الشيعة بشكل عام وعلى ايران بشكل خاص انتقاماً لهزائمهم في سوريا وورقة ضغط لأي مفاوضات ايرانية-سعودية (الجزء الثاني).

رضا حرب
المركز الدولي للدراسات الامنية والجيوسياسية

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى