الفوضى العارمة التي تجتاح العراق – جيوسياسية (2)

في الجزء الاول عرفنا الوضع الديموغرافي الهش وأثره على التجربة الديموقراطية. كما ان الشعور بالغبن لدى شريحة من المكون السني رغم التوازن في توزيع السلطات دفع الكثير منهم الى الانخراط في الارهاب وتسليم مناطق شاسعة لداعش والجماعات المسلحة الاخرى المتحالفة معها فيما يبدو كان هناك اتفاق مسبق.

الملفت جداً ان الاعلام نجح في توظيف الغريزة الطائفية من خلال استخدام “المظلومية” فاطلق مسمى “ثورة شعبية” على جماعات ارتكب عناصرها “جرائم حرب” بحسب تقرير لجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة. على اية حال، هناك فرضية غريبة وعجيبة تقول “لا يتم انقاذ العراق الا بالتقسيم”. من اين جاءت هذه الفرضية؟

بغض النظر عن حجم الخيانات داخل المؤسسات الامنية ودور اثيل النجيفي واخيه اسامة النجيفي ودور العشائر في الموصل والانبار وصلاح الدين، وبغض النظر عن حجم داعش الحقيقي، ما كان المخطط لاقى اي نجاح يُذكر لولا تقاطع مصالح لدول اقليمية كالسعودية وقطر وتركيا، وكذلك الولايات المتحدة والكيان الاسرائيلي، كلٍ بحسب ما تراه ينسجم تخريب العراق وتخريب العملية السياسية مع مصالحها الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية.

المشهد السياسي معقد ويزيده تعقيداً تعدد اللاعبين الاقليميين على الساحة العراقية وتضارب المصالح في مكان وتقاطعها في مكان اخر. الملفت، رغم الصراع بين تركيا وقطر من جهة والسعودية من جهة حول الكثير من الملفات خاصة ملف الاخوان المسلمين الا ان الدول الثلاثة تقاطعت مصالحها وتقاطعت مع مصالح الولايات المتحدة و الكيان الاسرائيلي. تضاربت المصالح في مصر وتقاطعت في سوريا والعراق لدرجة انهم شكلوا جبهة واحدة. في مصر دعمت السعودية السيسي ليس حباً به ولا رجاءاً بعودة مصرية لتلعب دورها الاقليمي التاريخي، بل كرها بالاخوان المنافس لها في امتلاك القرار العربي، وتعميق الشرخ داخل المجتمع المصري، وتركيا وقفت ضد السيسي ليس كرهاً له بل حباً بالاخوان لان تركيا اليوم تقود الاخوان المسلمين في كل العالم العربي لتعوض عن رفض الاتحاد الاوربي لها.

رغم تعقيدات المشهد السياسي الناتج عن تعدد اللاعبين، من خلال المراقبة الدقيقة لمسار المعركة على الارض والاداء الاعلامي لبعض القنوات العربية في رسم صورة مغايرة للواقع وللحقائق، يمكن تحديد هوية الدول المتواطئة والداعمة والممولة ومكاسب كل واحدة منها، وانطلاقاً من هذه الدول وموقعها وطموحاتها يمكن ان نعرف دافع كل دولة في انتاج الفوضى والعمل على تقسيم العراق.

المملكة العربية السعودية: مجموعة من العوامل رفعت من منسوب الجنون السعودي كبوادر التقارب الامريكي الايراني من خلال انهاء اسطورة الملف النووي الايراني، والانتخابات السورية الناجحة والفوز الذي حققه نوري المالكي لولاية ثالثة والانتصارات الذي حققها الجيش السوري على كافة الجبهات خاصة القلمون وكسب.

من بوادر هذا الجنون السعودي ما صرح به وزير خارجية السعودية سعود الفيصل في مؤتمر صحفي  في ختام اجتماعات وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في مدينة جدة عن رفضه اتهامات الحكومة العراقية للسعودية بدعم الارهاب ونصح نوري المالكي بعدم معارضة السعودية. هذه الوقاحة السعودية تؤكد التقارير المخابراتية التي تقول بأن السعودية ضخت كميات هائلة من الاسلحة الحديثة لتنظيم داعش، وما ذاك التوسع السريع الا محاولة سعودية لقلب موازين القوى على ارض المعركة وتوسيع نطاق الاعمال الارهابية. ومن الملفت ايضا انضمام اعداد كبيرة من تنظيم جبهة النصرة الى داعش بايعاز سعودي كما اكد لنا مصدرنا الواسع الاطلاع في واشنطن قبل شهر.

اربعة اسباب تدفع السعودية لانتاج الفوضى في العراق:

  1. الديموقراطية: موقف السعودية المعادي الديموقراطية لا جدال فبه. لذا ترى ان نجاح العملية الديموقراطية في العراق تفرز تحديات داخلية يمكن ان تشكل تهديداً حقيقياً لنظام استبدادي وعنصري حاول الاستفادة من الفوضى التي اجتاحت العالم العربي، فمن الطبيعي ان تعمل على توظيف علاقاتها بالمكون السني لانتاج الفوضى في العراق، وفي نفس الوقت ترسل رسالة الى السعوديين الذين يطالبون باصلاحات تحمل في مضمونها “التغيير يؤدي الى الخراب”.
  2. العلاقات الايرانية العراقية : توصل الطرفان الى اتفاق نهائي حول الحدود وسجل عام 2013 مستويات مرتفعة من التبادل التجاري بلغ 13 مليار دولار ويطمح الطرفان الى زيادة التبادل التجاري الى 15 مليار دولار عام 2014. كما ان العراق بعد الانسحاب الامريكي بدأ ينسجم انسجاماً تاماً مع محور المقاومة وبدأ يبتعد تدريجياً عن الولايات المتحدة ما سبب هلع لدى “محور الاعتدال العربي”، ووصلت حالة الهلع هذه الى سقف عالي جدا يثير السخرية والشفقة ظهرت بوادرها على لسان سعود الفيصل “الولايات المتحدة سلمت العراق لايران على طبق من ذهب”، اي ان العراق – برأی السعودية – اصبح في مجال النفوذ الايراني وبالتالي سقطت المنطقة العازلة، واصبح تمدد النفوذ الايراني الى الحدود السعودية قادر على احتواء النفوذ السعودي ويحد من تأثيره التخريبي على دول المنطقة. إذاً تخريب العراق او تحجيم دور الشيعة يحجم من النفوذ الايراني.
  3. الهلال الشيعي: في الحقيقة ليس هناك هلالاً شيعيا كما روج الاعلام العربي، بل محور مقاومة يمتد من ايران الى الحدود الجنوبية للبنان. هذه المعادلة تقول ان عراقاً قوياً منسجم مع ايران وسوريا يعزز من القدرات الجيوسياسية لمحور المقاومة والعكس صحيح. باختصار، الحرب المعلنة على العراق هي حرب بالوكالة على محور المقاومة بشكل عام وعلى ايران بشكل خاص. الهدف السعودي ينسجم مع ما قاله نتنياهو حول اهمية اضعاف ايران والعراق وهذا غير قابل للنجاح الا بتقسيم العراق، ومن هذا المنطلق طالبت جهات مشبوهة بتقسيم العراق كحل وحيد للفوضى. المسعى السعودي الى تقسيم العراق الى ثلاث دول على اساس اثني وطائفي يلبي الرغبة الاسرائيلية في المقام الاول التي جاءت في دراسة وضعها الاستراتيجي الاسرائيلي اوديد يينون Oded Yinon عام 1982 التي تركز على تقسيم العراق وسوريا. دولة في كردستان كان نتنياهو من اول المشجعين والداعمين لها، ودولة سنية، ولو كأمر واقع، تضم اربع محافظات نينوى وصلاح الدين وديالى والانبار تمتد من شمال العراق الى جنوبه على امتداد الحدود مع سوريا والاردن والسعودية تشكل عازل – جدار – يمنع الاتصال الايراني بسوريا. هذه الدولة او شبه الدولة المغلقة – من الشمال دولة كردستان، ومن الشرق دولة شيعية، ومن الغرب سوريا والاردن والسعودية – تعيش على الدعم السعودي نظراً لافتقارها الى الثروات الطبيعية فتكون اداة سعودية لاثارة التوترات والصراعات الطائفية نيابة عن السعودية و الكيان الاسرائيلي.
  4. الثروة النفطية: تقول التقارير الغربية ان العراق يسبح على بحر من النفط، فمن الطبيعي ان يكون النفط احد اهم عوامل الدفع السعودي نحو خلق الفوضى. الاستقرار يعني عودة العراق كمصدر اساسي للنفط يحرم السعودية ورقة التحكم بالانتاج والاسعار وبالتالي تفقد الورقة الوحيدة التي تجعلها لاعب جيوستراتيجي في المنطقة. تنتج العراق اليوم حوالي ثلاثة ملايين برميل علما ان الاستقرار والشراكة الصينية العراقية سيعززان من قدرات العراق الانتاجية وبالتالي سترفع من انتاجها الى ستة ملايين برميل يومياً. كما ان رفع العقوبات عن ايران وتسابق الشركات الغربية للاستثمار في مجال الطاقة يعيدها الى وضعها السابق. السعودية ترى انه سيكون على حسابها وبالتالي عليها تخفيض انتاجها من 12 مليون برميل الى النصف تقريبا.

دولة قطر: ليس لقطر اي مكسب استراتيجي من المساهمة في خلق فوضى في العراق بقدر ما هو مكسب لحليفها التركي. رغم الصراع القائم بين الاخوان المسلمين والسلفية الداعشية الا ان العداء المشترك لايران وسوريا فرض على كافة الاطراف الانخراط في الخطة الانقلابية (المثالثة بين الشيعة والسنة والاكراد السنة لتهميش الشيعة) او التقسيم كبديل. خط امداد الغاز من ايران من حقل فارس الى سوريا عبر العراق بتكلفة عشرة مليار دولار يحول سوريا الى مركز توزيع وليس مجرد نقطة ترانزيت وبالتالي يعزز من موقعها الجيوسياسي ويلغي خط امداد قطر المزمع اقامته الذي يصل الى تركيا عبر السعودية والاردن وسوريا وصولا الى تركيا. المشروع القطري يحول تركيا الى مركز توزيع الى اوربا. الانتخابات الاخيرة في سوريا وتسليم دولي واقليمي ببقاء بشار الاسد في السلطة يصيب المشروع القطري – التركي بمقتل. تفتيت العراق الى ثلاثة دول يحيي خط الغاز قطر – تركيا مع تعديل في المسار (قطر – السعودية – دولة السنة – دهوك – تركيا).

تركيا : “تصفير المشكلات” مع الدولة الجارة سوريا التي تبنتها حكومة اردوغان سقطت مع اندلاع الازمات التي اجتاحت المنطقة وكشر التركي عن انيابه تحت عنوان “الشرق الاوسط التركي”. تصفير المشكلات منحت التركي مكاسب اقتصادية كبيرة لكنه رأى في الازمة السورية تعطيه مكاسب جيوسياسية يمكن ان تحقق حلم احمد داوود اوغلو بشرق اوسط تركي فكانت الضحية الاولى “حلب” لانها المنافس الوحيد للمنتوجات التركية وفي نفس الوقت ممراً مهما الى جانب الممر العراقي الى المنطقة العربية. لم يكن تدمير منطقة حلب صدفة ولا عشوائي بل كان مبرمجاً بدقة.

انطلاقا من الحفاظ على مكاسبها الاقتصادية عملت تركيا على توفير ممرات لدخول الاهابيين الى سوريا والعراق. تركيا تنكر هذا الدور بكل وقاحة علماً انها الممر الوحيد للسيارات رباعية الدفع والاسلحة والمقاتلين من اكثر من 80 دولة.

العلاقات التركية الكردية تعتبر مخالفة للقانون الدولي بحكم ان كردستان اقليم وليس دولة مستقلة، وتنتهك القانون الدولي من خلال السماح لكردستان تهريب النفط العراقي عبر اراضيها وتهريب نفط دير الزور عبر اراضيها ايضا. في العراق تتعامل من اقليم كانه كيان مستقل وفي سوريا تتعامل من تنظيمات ارهابية.

تشبر تقارير غربية ان كردستان تبيع النفط لتركيا بخمسين دولار للبرميل اي بأقل من نصف السعر العالمي وتشتري نفط دير الزور من الجماعات المسلحة بدولارين للبرميل الواحد. في معادلة “المكاسب – التكاليف” تعتبر حكومة اردوغان ان المكاسب اكبر بكثير من التكاليف وان العنصر الثالث في المعادلة وهو “المخاطر” يمكن تجاوزه من خلال فصل ملفي اكراد تركيا عن اكراد العراق بالاتفاق مع البرزاني. لكن اكثر ما هو ملفت بالموقف التركي الصمت المريب حول كركوك التي كانت دوما خط احمر بالنسبة لتركيا.

في الختام، من الملاحظ ان الاستراتيجية المزدوجة في العراق وسوريا تقوم على ارتكاب جرائم حرب على اساس مذهبي لزرع الكراهية بين مكونات المجتمع العراقي حتى يصبح التعايش بين مكونات المجتمع العراقي اقرب الى المستحيل. استمرار هذه الفوضى لاسابيع اخرى وارتكاب المزيد من الجرائم الجماعية ستعزز من فرضية ان الحكومة المركزية عاجزة على ضبط الاوضاع وان العراق دولة فاشلة لا حل سوى التقسيم كأمر واقع.

في الجزء الثالث سنسلط الضوء على الابعاد الاستراتيجية لمشروع التقسيم ودور المرجعية في احباط المشروع.

رضا حرب
المركز الدولي للدراسات الامنية والجيوسياسية

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى