“القلوب الطيّبة”

القلوب الطيّبة

منتجب علي سلامي

"القلوب الطيّبة"
“القلوب الطيّبة”

اتّجهت مسافراً في فصل الخريف أوائل التسعينيّات وبعد حوالي السنة من تسريحي من خدمة العلم ،من الشيخ بدر إلى وادي العيون بسيّارة أجرة، ثمّ قلّني باص منها إلى مصياف، ثمّ باص آخر إلى حماه التي انطلقت من كراجها الحديث الراقي الذي أعجبني تنظيمه ،إلى ناحية(( كفربو)) (كفر بهم) التي تبعد عن مركز محافظة حماه تسعة كيلو مترات تقريباً باتجاه الجنوب الغربيّ.

وعلى متن الحافلة التي أقلتني إليها سألت عن بيت صديقي الذي زاملني في الجيش وقد اشتقت إليه (جرجس حنتوش) فكان الجواب من أكثر من مسافر في الباص الكبير (الهوب هوب) فكلّ من جلس على مقاعده المتواضعة يعرفه ،فهم جميعا تقريباً من كفربو ذاتها، وتبرّع أحدهم سعيداً بمرافقتي إلى منزله بعد الوصول إلى وسط البلدة ،وقد أبى السائق اللطيف أن يأخذ الأجرة منّي مردّدا كلمة(ياعيب الشوم..أنت ضيفنا أهلا وسهلا بك).

وصلت إلى بيت أهل صديقي جرجس بمساعدة ذلك الرجل الشهم الذي دعاني ببشاشة محيّاه متوسّلا أن أزوره في منزله في شمال الناحية.

استقبلتني أمّ ستينيّة الطيّبة بمحياها الباسم وهي أمّ جرجس وكانت ترتدي الزيّ النسائي الريفيّ المحتشم المعروف في ذلك المكان، وابنتها الطالبة الجامعيّة بكلّ ترحيب وسعادة، وقد جعلاني أشعر وكأنّني في بيت قريب لي دون أن أُحِسّ ولو للحظة بالإحراج أو دون أن يشعرا هما به، على الرغم من أنّ صديقي كان في عمله بعيدا عن المنزل في أمور تخصّ البناء والحجر المشهورة تلك الأرض به وبنشره وبيعه وغير ذلك وسيعود بعد ساعات…وقد علمت منهما بأنّ كلّ القادرين على العمل في ذلك البلد الجميل من الذكور يغادرون منازلهم في الصباح الباكر ولايعودون إليها إلّا حوالي الساعة الرابعة…وقسماً بأنّني شعرت وبعد وقت قصير أنّني في بيتي وبين أهلي من مبالغتهم بالحفاوة والترحيب بي من حيث ابتسامات الطيبة على وجوههم وايادي الكرم المفتوحة حُبّاًوإصرارهم على بقائي لأيّام في ديارهم العامرة بالخير والوفاء….تجوّلت برفقة جرجس صديقي الرائع خفيف الدم وصاحب العينين الجميلتين اللتين تشبهان السماء الصافية في لونهما وهو الشابّ الوسيم الأشقر قويّ البنية الذي كان رياضيّاً في الجيش.

تجوّلنا مسرورين في كلّ أنحاء الناحية الواسعة ،وقد تعرّفت معالمها واهتمام سكّانها بزراعة القطن بمساحات واسعة والقطار الذي يمرّ وسطها… وزرنا صديقي الثاني الذي زاملني أيضاً في قطعتي العسكريّة واشتقت إليه وهو ابن عمّ الأوّل اسمه(مخلص حنتوش) وكم كانت سعادته بقدومي إلى منزله الكريم ،وكم أظهر وأهله من ترحيب وكرمِ ضيافةٍ.قضيتُ يومين عامرين بالنشاط والسرور.

تحيّة احترام ومحبّة لصديقَيّ (جرجس ومخلص حنتوش )وأسرتيهما ولكلّ أهالي كفربو الطيّبين الوطنيّن الكرماء.

بواسطة
منتجب علي سلامي
المصدر
الوكالة العربية للأخبار
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى