القُصير: نَطَق القاصرُ قصيرُ النظر- (أمين أبوراشد)

ردود فعل فريق الرابع عشر من آذار كانت متوقّعة بعد حسم معركة القصير، لأن القصير كانت ميدان معاركه الخائبة، هذا الفريق الذي اعتدنا عليه يُجيّر لنفسه ما له وما لسواه في ساحات قطف الفرص، مضروبٌ على رأسه في مواجهة حزب الله، بين موقفٍ متشدّد لرئيس كتلته النيابية يطالب المقاومة بسحب عناصرها من سوريا فوراً، مروراً  بنائبٍ لم يبلغ سن الرشد من مسيحييّ هذا الفريق، يؤكد رفض مشاركة حزب الله في أية حكومة، وانتهاء بإطلالة زعيم الفريق من منفاه أمس واتهامه حزب الله بأنه خطرٌ وجودي على الكيان اللبناني.

قد نكون نحن اللبنانيين أولى من سوانا في تقييم نتائج معركة القصير، ليس لكونها مجاورة للحدود اللبنانية ويسكنها آلاف اللبنانيين فحسب، بل لأننا نعيش منذ أكثر من سنتين أجواء الأزمة السورية، عبر فتح معركة إسقاط النظام السوري من القصير تحديداً، في حربٍ أرادها فريق “الخيبات” أن تُحقق له النصر الذي يُعيده الى الساحة السياسية الداخلية ظافراً مظفّراً.

إهانةٌ للتاريخ وللوقائع الموثّقة أن ننسى، أنه منذ سقوط حكومة الرئيس سعد الحريري في كانون الثاني من العام 2011 وتحميل حزب الله مسؤولية ما حصل، بدأت الرهانات الخاطئة للعودة الى السلطة، ومع إنطلاق ما يُسمى بالثورة السورية ومغادرة الرئيس الحريري لبنان، والتصميم على العودة إليه عبر مطار دمشق بعد السقوط الحتمي للنظام، وفق حسابات كانت من بداياتها غير محسوبة وفق الأصول، ما زال لبنان حتى اليوم يدفع ثمن الرهانات والحسابات المغلوطة والرؤية القاصرة عن الرؤية.

لم ينسَ الناس أن الملحق العسكري أو سفير النوايا الحسنة لفريق الربع عشر من آذار النائب عقاب صقر، كان مقيماً دائماً في القصير، يتنقّل وفق متطلبات الخدمات اللوجستية للمعركة ما بين القصير وأنقره، وتحت ستار تكليفه بمهمة “إنسانية وأخلاقية” من قِبَل الرئيس الحريري، فُتحت لبنانياً معركة القصير عبر توريد الأموال والمقاتلين المرتزقة والأسلحة، مع جعل عكار بإشراف بعض نوابها خزّان استيعاب وموقع تدريب ومحطة استيراد وإعادة تصدير لكل مستلزمات الموت الى سوريا.

إنتهت معركة القصير لبنانياً، والتي دخلها حزب الله بعد سنتين من وجود الفريق اللبناني الآخر في ساحات قتالها، ولم يوجّه قائد المقاومة أية دعوة مضادة للجهاد، لأنه وفق ما صرّح في آخر إطلالة له: نحن لسنا بحاجة للدعوة الى الجهاد، ورفع يُمناه وأشار بإصبعين وقال: نحن نستغني عن الدعوة للجهاد بكلمتين لو أردنا، وسترون آلاف المجاهدين يتوجهون الى سوريا، وحُسمت المعركة، بإعتراف “واشنطن بوست” نفسها، أن الإدارة الأميركية اعتبرت دخول حزب الله فيها غيّر مسار الحرب في سوريا.

نحن لسنا فقط في موضوع القصير وما بعد القصير، بل نحن نعاني من طبقة من القاصرين وقصيري النظر على مستوى من يدّعون الحرص على الوجود الكياني للبنان، ونذكّرهم بأمثلة بسيطة تؤكد إعاقتهم عن الرؤية ونعود بهم الى حرب نهر البارد.

كم من مرّة حذّرهم الرئيس العماد ميشال عون من الأسلحة والمقاتلين الذين كانوا يتدفّقون على مخيّم البارد وعلى أحياء طرابلس، وغضّوا النظر لأنها اعتبروها معركة المحرقة للجيش اللبناني و”مذهبوها”، ولا حاجة بنا للتذكير بعدد شهداء الجيش في معركة الغرباء المرتزقة الذين تسللوا الى المخيّم.

كم من مرّة حذّرهم العماد عون من السلاح المتفلت والتشكيلات الميليشوية في أزّقة طرابلس، وها هي اليوم طرابلس تفلّت زعران أزقّتها من عُقال سياسيين أغرقوهم بالسلاح، وباتوا هُم المتحكّمين بالأرض دون مرجعية على حدّ إعتراف أحد النواب المستقبليين في وصف المسلّح الطرابلسي، وردّد ببلاهة المثل القائل “لمّا اشتدّ ساعده رماني” …
وكم من مرّة حذّرهم العماد عون من التورّط في القصير على يد المرعبي والضاهر وصقر وسواهم من مشايخ طرابلس وكانت الأزمة في بداياتها، وكم من مرّة حذّرهم من خطر النزوح السوري الذي يُهدّد ديموغرافية لبنان وأمنه وإقتصاده، وانتفض يومها الوزير أبو فاعور وزايد على الجنرال وعلى الوزير باسيل وأعطاهما درساً في الأخوّة والنخوة، وها هو منذ أيام يُطلق صرخة الإستغاثة متوسّلاً المنظمات الدولية ومتسوّلاً منها.

ليس تدخّل حزب الله في القصير هو ما يهدّد الوجود يا شيخ سعد ويا كلّ زمرتك من القاصرين، بل قصرُ نظركم في تقدير الأمور قبل حلول الكوارث هو الذي يهدّد وجود الوطن، وقد تكون الكارثة الأكبر للبنانيين هي في وجود القاصرين أمثالكم في الحياة السياسية وعلى كراسي القرار….

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى