الكرد .. وتأثيراتهم في سياق الحل السياسي السوري

فريدة هي التجربة الكردية في سياق الحرب على سوريا، حيث أن تطورات الأحداث وتداعياتها أدت إلى تقسيم الكرد إلى تيارين، الأول يُمثله المجلس الوطني الكردي الذي تبنى الاتجاه الوطني، أما الثاني فيُمثله حزب الاتحاد الديمقراطي و قوات سوريا الديمقراطية، إضافة إلى الأذرع المرتبطة به مثل مجلس سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية، لكن وضمن سياق الحرب على سوريا، والتفاعلات السياسية والعسكرية الطارئة حيناً، والمُفتعلة حيناً أخر، ظهر الانقسام واضحاً بين تياريّ الكرد، بيد الدعم الأمريكي السياسي والعسكري لـ حزب الاتحاد الديمقراطي وذراعه العسكري قوات سورية الديمقراطية، مع السعي إلى تعزيز تحالفاتهم الدولية، والدور الذي رُسم لقوات قسد في محاربة تنظيم داعش، فقد هيمن التيار الثاني على المشهد الكردي، وتم إقصاء التيار الأول عن مُعطيات المشهد السياسي في سوريا، فالسعي نحو بلورة نوع من الاعتراف الدولي بشرعية قوات سورية الديمقراطية وتفرعاتها الأمنية والسياسية والعسكرية، والإقرار بصيغة الإدارة الذاتية، بدا كفرض أمر واقع على المناطق الواقعة تحت سيطرة قسد، لكن التحركات السياسية والعسكرية للكرد، وضعف الخبرة في التعاطي مع المتغيرات الطارئة، والعجز عن قراءة المعادلات التي أنتجتها الدولة السورية على المستويين السياسي والعسكري، فضلا عن تحالفات مشبوهة مع واشنطن التي لا تزال تستثمر الكرد كأداة سياسية وعسكرية ظرفية، كل هذه المُعطيات شكلت حالةً من الإرباك في التوجهات الكردية، نتيجة لذلك، بدا واضحاً أن جُلّ التحركات الكردية بشقيها السياسي والعسكري، جاءت في إطار إيديولوجي، مع نسق تحالفات على أسس قومية لا وطنية.

الإشكالية المستجدة التي فرضت نفسها على الكرد تمثلت في المنطقة الأمنة، إذ تحاول واشنطن تفهم الهواجس التركية ومعالجتها بطرق توافقية مع الكرد، لكن المعضلة الأمريكية تكمن في كيفية صوغ معادلة تجمع تركيا مع الكرد ضمن نهج سياسي وعسكري موحد، فالعلاقة بين الطرفين صفرية بالمستويات كافة، وبالتالي فإن تركيا لن تقبل بمنطقة أمنة غير مصرح للقوات التركية الدخول إليها، كما أن تركيا لا تثق بالضمانات الأمريكية لجهة عدم تواجد الكرد في تلك المنطقة، في مقابل ذلك تسعى تركيا إلى إنهاء تام للمشروع الأمريكي الكردي في الشمال السوري، فالتكتيكات التركية ترقى إلى إحداث تصدعات جوهرية في بنية العلاقة الأمريكية الكردية، ما يُفسر النهج التركي في اعتماد رفع وتيرة التهديدات بش عمل عسكري ضد مناطق تواجد الكرد، وإجبار الأمريكي على المفاضلة بين تركيا والأداة الكردية، لكن الواضح أن هذه التهديدات تأتي في سياق سياسي ضاغط لقبول المطالب التركية المتعلقة بالمنطقة الأمنة، إذ أن تواجد القوات الأمريكية والغربية يُعزز حسابات أنقرة لجهة التريث إزاء أي تحرك عسكري وإن كان ظاهرياً فقط، خاصة أن الذاكرة التركية لا تزال تُحلل حيثيات الإرهاب الأمريكي الذي استهدف قوات سورية وروسية اقتربت من مناطق الكرد، وبالتالي وضمن المنطق السياسي والعسكري لا يمكن لـ أردوغان أن يجازف بعملية عسكرية ضد الكرد، إلا في إطار التفاهمات مع الأمريكي وإقصاء الكرد، لكن في المقابل وعلى الرغم من هذه المعطيات، فإن الكرد لا زالوا ضمن المعادلة الأمريكية التي ترى في تأخير الحل السياسي في سوريا ضرورة مُلحة، خاصة أن البيانات السياسية والعسكرية تراكمت لتُنشئ جُملة واسعة من الأهداف السورية، التي تبدأ بتحرير إدلب وصولاً إلى شرق الفرات، وعليه فإن القراءة الاستراتيجية السورية للتحركات الأمريكية التركية الكردية، تُدرك ضمناً ان هناك تفاهمات تُمرر بخلاف ما يتم إظهاره إعلامياً، حتى أن حالة العداء أو التصريحات ذات المستوى التصعيدي، تصب مباشرة في مسارح السياسة، لكن في التطبيق العملي فالأمر مختلف جوهرياً، فالبحث عن مكاسب سياسية في الشمال السوري، يبدو أنه هدف أمريكي تركي كردي مشترك، والقراءة الأولية لزيارة المبعوث الأمريكي الخاص إلى سورية جيمس جيفري إبان زيارته إلى انقرة، لا يمكن البناء عليها في سياق التجاذبات الأمريكية التركية، لان الواقع يؤكد أن هناك تفاهمات أمريكية تركية فيما يتعلق بـ شرق الفرات واجتياحه تُركياً وفق مُعطيات الامر الواقع، التي تندرج في إطار الاجتياح التدريجي، وهذا في جزئياته يُمثل تحديا جدياً للكرد، ولابد من قراءته بُمعزل عن الاغراءات الامريكية، لأن سياق التطورات يؤكد بأن واشنطن لا يمكن لها التخلي عن تركيا ولن تخسرها من أجل الكرد، وذلك وفقاً للعديد من القراءات التي تُشير صراحة إلى أن واشنطن وضمن نظرياتها الاستراتيجية، فإنها لا تزال بحاجة لتركيا في عديد الملفات الاقليمية والدولية.

في إطار التطورات السورية المتسارعة سياسياً وميدانياً، باتت عوامل الضغط على الكرد في تزايد مستمر، خاصة أن خياراتهم وهوامش مناوراتهم السياسية منها والعسكرية باتت محدودة للغاية، وبصرف النظر عن تداعيات ونتائج الانسحاب الأمريكي من سوريا، ونتائجه على الأدوات الأمريكية في المنطقة، فإن الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط ككل، تضع الكرد أمام العديد من التساؤلات المصيرية، هذا الأمر أدخل الكرد في دوامة البحث عن الحلول التي تحتاج إدراك سياسي يُفضي إلى نتائج تُجنبهم أي مصير مجهول في ضوء المتغيرات التي تشهدها سوريا والإقليم، خاصة تلك المتعلقة بجزئيات المنطقة الأمنة، ففي ضوء التفاهم الضمني بين واشنطن وأنقرة على مبدأ المنطقة الآمنة، لن يكون أمام الكرد إلا خيارين، الأول التعاون مع تركيا والانغماس في مخططاتها وهذا خيار مُستبعد نظراً للعديد من الأسباب المرتبطة بالعلاقة الدموية التاريخية بين الكرد وتركيا، والثاني العودة إلى حضن دمشق وتسليمها كافة أوراقهم وهذا الخيار يبدو أقرب إلى التعاطي، فتجارب الكرد أظهرت انّ التطورات البعيدة عن توجهاتهم، قد تضعهم في مآزق جديدة، ولعل غصن الزيتون التركي خير مثال على الألغام العسكرية التي أدت إلى كشف جزء بسيط من المعادلة الأمريكية التركية في الشمال السوري.

الكرد وعطفاً على جُملة المتغيّرات التي فرضتها الدولة السورية على مسارات الحرب المفروضة عليها، هم أحوج ما يكونوا إلى حوار مع دمشق، خاصة أنها الطرف الأقوى سياسياً وميدانياً، وذلك نتيجة العديد من المعطيات والتي من الممكن أن نُجملها في قضايا ثلاث:

  • أولاً: بالنظر إلى مناطق سيطرة الأكراد التي تحتوي شرائح متعددة، فقد برزت في الآونة الأخيرة تحركات احتجاجية ناجمة عن طريقة تعاطي الكرد مع بقية الشرائح، وبالتالي بات لزاماً عليهم أن يتعاطوا بإيجابيةٍ أكثر مع مختلف المكونات في مناطق سيطرتهم، وتغيير مسارهم عبر التوجه إلى دمشق لوضع خارطة طريق تضمن لكلّ المكونات الحصول على الخدمات الاجتماعية والادارية.
  • ثانياً: من الملاحظ أنه لا يوجد تجاوب دولي مع قضية فيدرالية الكرد، وحتى الأميركي الحليف الأبرز لهم لا يريد الضغط سياسياً تُجاه هذه القضية، لكن واشنطن وعبر مراوغتها السياسية تريد فقط أن تستخدم هذه الورقة للضغط على الدولة السورية وروسيا، بالتالي بات يدرك الكرد بأنهم ورقة ضغط بيد الأميركي، ومن المؤكد بأنه سيتمّ التخلي عنهم عاجلا أم أجلا ضمن التسويات الكبرى.
  • ثالثاً: إنّ المتابع لتطورات الشأن السوري، بات يدرك بأنّ الكرد فقدوا الثقة بحليفهم الأميركي، خاصة أنّ واشنطن خذلتهم أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة، فكيف اليوم بعد الإنجازات الاستراتيجية التي تحققها الدولة السورية في السياسة كما في الميدان، بالإضافة إلى أنّ الرغبة الدولية بالعودة إلى دمشق باتت واضحة، وبالتالي لا بدّ من انعطافة نحو الدولة السورية، فهي القادرة على ضمان حقوقهم وآمنهم، في ظلّ تجاذبات وتعقيدات لن تكون إطلاقاً في صالح الكرد إذا ما استمروا في اتباع سياسية البحث عن أوراق قوة، لاستخدامها على أيّ طاولة مفاوضات.

في المحصلة، وضمن جزئيات التطورات المتسارعة في الحرب على سوريا، على الكرد أن يدركوا أنّ مصير القوات الأميركية والتركية لن يبقى رهناً بسياسات ترامب وأردوغان، بل سيكون مصير هذه القوات رهناً بيد الدولة السورية وجيشها، وبالتالي على الكرد التفكير بعقلانية والابتعاد عن الأميركي، ليبقوا ضمن المعادلة السورية، هذه المعادلة التي فرضتها إرادة الانتصار السوري، ولا بدّ للكرد من تعميق تحالفهم مع دمشق، من أجل إحباط أيّ مخطط أميركي أو تركي يهدّد الوجود الكردي في سورية، وعليه فإن مراهنة الكرد على قدرتهم في التأثير بسياق الحل السياسي في سوريا، سيكون خاسراً جملةً وتفصيلاً، حتى أن داعميهم باتوا في مناورة الربع ساعة الأخير، وإذا ما استمر الكرد في الرهان على تبدل الوقائع شمال سورية، أو أنهم الرقم الصعب في أي حل سياسي، فإنهم بذلك قد سقطوا في معادلة الموت الأمريكية التركية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى