المسألة السعودية (2) : التناقض الوهابي – هادي قبيسي

تفكير بدوي صحراوي أعطى للدين اتجاهاً منحرفاً ولا إنسانياً، أعطاه اتجاهاً متطرفاً وسطحياً جداً في الفهم، حوَّل الرسالة السماوية إلى مجموعة من التعاليم السطحية والشكلية التي تشبه الطقوس الوثنية الجامدة والجوفاء، والخالية من العقلانية، وما أشبهها بتقديم الطعام للأصنام الحجرية، أو تناول أصنام التمر عند الجوع.

اجتمعت فكرة تسطيح الدين، التي تجعله قابلاً للاستعمال دون كثير احتكام لأصوله الحقيقية ومفاهيمه الكلية، مع فكرة الغزو والاغتنام التي تشكل القيمة الرئيسية في القبيلة. اجتماع هذين التيارين تم في الدرعية، المعروفة الآن بالرياض، خلال لقاء محمد بن عبد الوهاب والشيخ محمد بن سعود. اللقاء هذا هو البذرة التي تكونت منها شجرة الدولة المسماة اليوم بـ “السعودية”، والمعروفة سابقاً ببلاد الحجاز، وهي الدولة العربية الوحيدة التي تتخذ اسماً عائلياً في العصر الحاضر، ما يعكس طبيعة الإطار الفكري البالغ المحدودية الذي يقوم عليه هذا الكيان.

البذرة التي نشأت في ذلك اليوم، تتشكل من طرفين مختلفين في البنية مجتمعين في المصلحة. عائلة آل سعود لديها قطيعة مع الدين الإسلامي، سواء في التزام الأحكام الفردية، أو في العودة إلى المبادئ الإسلامية في العلاقات السياسية الخارجية.

المدرسة الوهابية من ناحية ثانية، ورغم سهولة استخدام أحكامها التكفيرية القائمة على استعمال السيف لنشر المذهب، إلا أنها ومن نفس منشأ التحجر والمحدودية التكفيرية، لا تتحمل متطلبات العائلة المالكة المفرطة في براغماتيتها السياسية، ولا تتحمل السلوك الفردي لأمراء العائلة المالكة، وحتى للملك نفسه.

التناقض المركزي في بنية النظام تم توظيفه بشكل إيجابي لصالح بقاء الكيان على قيد الحياة. تم استخدام الفكر الوهابي كأداة لتشريع العنف الدموي ضد المحيط العربي والإسلامي، ولتكوين جماعات ارهابية متطرفة من جنسيات متعددة لاستهداف أي قوة نامية سواء كانت محايدة أو معادية. ذلك أن العائلة المعزولة عن شعبها في قصورها العالية، ليس لديها أي عمق اجتماعي أو سياسي داخلي يحميها من نمو وتطور الدول المحيطة، خصوصاً على صعيد النظام السياسي والإعلام الاجتماعي، خصوصاً نمو تلك الدول التي تحمل فكراً اسلامياً حضرياً وإنسانياً.

تضخمت الحاجات الهجومية الاستباقية لدى العائلة السعودية مع تنامي حركات المقاومة في المنطقة وتسجيلها الانتصارات الهامة في الصراع مع اسرائيل، وكذلك مع بدء الربيع العربي الذي شكل حالة رعب في القصور السعودية.

استدعت هذه المتغيرات استثمار الأداة الدينية الوهابية إلى حدود قصوى، بحيث أصبحت قوة فاعلة ومؤثرة في الإقليم. من ناحية ثانية كانت الجماعات الإرهابية التي تتغذى فكرياً من ابتداعات محمد بن عبد الوهاب السطحية الوثنية، ومالياً من آبار النفط السعودي، تفتش عن ذاتها. ذاتها المنفصمة بين تزمت الوهابية الأقصى وتفلت العائلة السعودية العلمانية المتحالفة مع الغرب، العدو الكافر.

يتساءل بعض البعيدين عن الواقع الداخلي للكيان السعودي: هل ثمة صراع سعودي – سعودي في سوريا؟ هل ما يجري هناك هو حرب أهلية سعودية؟ للحقيقة إن هذا التساؤل مشروع ويعبر عن حالة حقيقية. الصراع بين القوى الوهابية على الأرض السورية، هو صراع بين القوى التي اكتشفت ذاتها واستقلت بتمويلها من خلال آبار النفط السورية، وبين القوى التي لا تزال تابعة للمال السعودي. هو نفس الصراع الذي دار إبان غزو العراق عام 1990، حيث انقسمت المدرسة الوهابية على نفسها، بين الإدارة الدينية الرسمية، وبين المشايخ المنتمين فعلاً للمذهب، على خلفية استضافة القوات الأمريكية على الأراضي الحجازية.

محاولة العائلة لإخراج المشكلة من داخل المملكة نجحت لحد الآن في منع الانفجار الداخلي، خصوصاً بعد جمود الجبهة العراقية لفترة طويلة بعد انسحاب الجيش الأمريكي، وحاجة “الجهاديين” إلى مناطق صيد وقتل، إلا أنه يبدو أن الساحة العراقية نفسها قد تكون معبراً لإعادة كرة النار إلى حيث كانت. نسمع الخليفة البغدادي يتوعد ويهدد آل سلول، معبراً عن فصامية الفكر الوهابي وتناقضاته، التي هي مشكلة ذاتية داخلية قبل أن تكون خارجية، وبنيوية فكرية قبل أن تكون سياسية مصلحية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى