المقاومة كهوية وحيدة…

الهوية بمختلف أبعادها أو اتجاهاتها تعني الوجود، سواءً كانت دينية أم ثقافية أم أيديولوجية، فهي حصيلة الشعور بالتميز والاستقلال والاستمرار عند الاحتكاك مع الآخر المغاير، احتكاكاً سلبياً إكراهياً أو استتباعياً، وهي حصيلة ممارسة القناعات الذاتية بدءاً من الرؤية الكونية وصولاً إلى السلوكيات الحياتية ومعاييرها القيمية والأخلاقية. الهوية إذن حالة انتماء للفرد ووجود للجماعة، تضمحل باضمحلالها وتضعف لضعفها، وهي محصلة ثقة بالذات الفردية والجماعية في أبعادها المعنوية والمعرفية. 

تتعرض الهوية لعوامل الصدم كالحروب الأهلية والغزوات الاستعمارية، ولعوامل الحت والتعري كالدعاية الثقافية واستخدام ما أصبح يعرف اليوم بوسائل القوة الناعمة. هذا لناحية المخاطر والمؤثرات الخارجية، أما لناحية المقومات الذاتية، فيواجه الشعور العام والمتماسك بالهوية إشكالاً بنيوياً في المجتمعات التعددية، حيث يصبح هذا الشعور مصاباً بالقلق متأثراً بنقاط فراغ ومساحات افتراق بين الشرائح المختلفة، ما يستدعي البعض للبحث عن هوية مغتربة، عن شعور بديل أكثر استقراراً وثباتاً ووضوحاً، فيلبس رداءً جديداً. 

في مستوى آخر، يؤدي فتور الشعور بالهوية الجماعية، أو عدم اكتمال دائرة عناصر الهوية أو اضطرابها، إلى تراجع الحس الجماعي الأخلاقي وقيم المسؤولية الاجتماعية، ويعيش الفرد إلى حد كبير حالة الانطواء على الذات والتصرف تبعاً للحاجات الفردية حصراً، وكذلك تؤدي إشكاليات الهوية إلى ردود فعل متطرفة، تتمظهر إما في خمول كبير يمنع انتاج شخصية مسؤولة ذات وعي عابر للذات في مختلف دوائرها، وإما في إنتاج شخصيات مدمِّرة مؤسسة على ردود فعل تعصبية تستهدف إعادة خلق هوية من خلال شطب آخرين. 

لبنان يعاني من الأزمة البنيوية ومن المؤثرات الخارجية في مستويات متقاربة الحدة، فلا مجتمعه التعددي يسهل عملية التشكل والانتماء ولا المؤثرات الخارجية تسمح له بذلك. بحاجة حتمية نحن إلى رؤيا استثنائية تقدم لنا لوناً مستقراً للحياة، ووجوداً معنوياً يتناسب مع تاريخنا ومساهماً في مستقبلنا، وتوفر لنا الإطار التأسيسي لحياة فردية تراعي النطاق الجماعي وبالعكس. رؤيا استثنائية بحاجة إلى متغير استثنائي، متغير جماعي يشكل معلماً قيمياً وفكرياً، يؤسس لشعور جماعي واثق، يحمل شعلة أمل للاستمرار والتقدم نحو المستقبل الأفضل

كشرقيين أولاً وكعرب ثانياً وكمسلمين ومسيحيين ثالثاً وقعنا تحت وطأة الاستعمار الغربي المباشر منذ ثلاثمائة عام بأشكال متفاوتة، وثم جاء المشروع الوظيفي البديل المتمثل في الكيان الصهيوني ليطأ الأراضي الفلسطينية والمصرية والسورية والأردنية وليصل أخيراً إلى الأرض اللبنانية التي مزقتها الحرب الأهلية والصراعات الكثيرة المتنوعة. 

قدم لبنان إثباتاً تدريجياً لإمكانية التفوق على عدو متفوق ينتمي إلى منظومة غربية تتحكم بمفاتيح العالم وتسيطر عليه، وأظهر في هذا الإثبات مجموعة من القيم التي أعطته الميزة على العدو المعتدي والمستخف. شكل فعل المقاومة حالة تآزر كبير حول قضية عامة، لم يصل إلى حد الإجماع إلا أنه أثبت جدارة كأهم قضية مفصلية تحقق هذا القدر من التآزر الوطني. 

ليس ثمة قضية في الوعي اللبناني تحمل هذا الحشد من الرموز الأخلاقية وهذا القدر من إثبات الوجود والنجاح والاستمرار مثل قضية المقاومة، والتي يمكن لها في ظروف معينة أن تشكل مرساة استقرار للشراع اللبناني المتعب من العاصفة، وهي بحاجة أكيدة، كمنظومة مكتظة بالرمز، إلى إتاحة مكنوناتها الفكرية والقيمية للجميع لكي تتحول إلى ثقافة حافزة تستطيع أن تخرجنا من دورة الأزمات البنيوية على كل صعيد. إن كانت حركة المقاومة تحريراً وردعاً وحماية قد شكلت مرحلة أساسية في تطور قابليات التعلم الجماعي والتي حولت لبنان من أضعف بلد عربي إلى أقواها فعالية وتأثيراً، إن كانت تلك مرحلة تأسيسية لإنتاج هوية بديلة، فإن المرحلة التالية لتطور هذه القابليات ينبغي أن تصنع من تلك التجربة الواقعية ثقافة شاملة، تصنع الحافز في المزرعة والمدرسة والمصنع والمؤسسة، وتبث قيم الإيثار والاهتمام بالآخر والمجتمع في البيت والشارع والمسجد والكنيسة، بحيث يمكن للبنان أن ينتقل من حالة الضعف في كل الأبعاد إلى دولة تليق بمجاهديها وشهدائها اجتماعاً واقتصاداً وسياسة. 

تستعيد هوية مماثلة الثقة بقيمة الإنسان الذي رفض الذل رغم ضعفه وانتصر رغم تفوق عدوه، وتعطيه الأمل بحياة حقيقية، وبهوية فردية تخرجنا من حالة اللامبالاة الاجتماعية القاتلة، وبإطار إنساني جامع وعابر للتنوع مبني علي قيم إنسانية عليا، فيها للقوة والتسامح مكان عادل لكليهما.

هادي قبيسي

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى