الملاعين اتخذوا آياته هزوا و دينه مطية

يعتبر الدين من اهم ادوات النظام السياسى الحاكم فى البلاد ايا كانت طبيعة هذا النظام . فمنه تستمد الانظمه شعبيتها وشرعيتها وتحصل على التأييد السياسى لانحيازاتها الطبقيه وسياساتها المحليه والاقليميه والدوليه . وهى افه قديمه قدم الاديان نفسها وتمثل اعلى درجات القهر الفكرى . وقد بدأ استخدام الدين لخدمة السياسه منذ ايام الفراعنه حيث كان كهنه الفرعون يحسبون مواعيد الكسوف والخسوف بحكم معرفتهم بدورة الساروس وكانوا يستبقون الظاهرة باعلان للشعب يفيد بان الاله الشمس (أو القمر) سوف يحتجب يوم كذا لمدة كذا احتجاجا على معاصى البشر او على ضعف الولاء للملك او اى امر يراد تسويقه .


وعندما يحدث الكسوف يهرع الناس الى الكهنه لتلقى تعليماتهم وتنفيذها بحذافيرها . واستخدام الدين لخدمة السياسه هو ما حدا بالعالم الاشتراكى السابق الى انكار الاديان جميعا واعتبارها وسيلة الحكم الراسمالى لقمع الجماهير فكريا . كما دفع العالم الغربى الديمقراطى الى الفصل بين الدين والدوله وتقديم نموذج الدوله المدنيه . وقد نسبت جميع الانظمه العربيه نفسها للدين رغم اختلافها وتباينها وتم استخدام الدين وتوظيفه فى كل العهود ولصالح كل الحكام . ولا يقتصر استخدام الدين على السلطه الحاكمه بل والمعارضه ايضا تفعل هذا وخاصة الدينيه منها. ولم يحدث ابدا ان قام احد بتفسير النصوص لصالح الشعب او الاغلبيه المهمشه بل دائما ما يأتى استخدام الدين لمصلحة الحكام والمرشحين للرئاسة .

وفى هذا الاطار فقد افتى الداعيه السلفى محمد سعيد رسلان بأن التصويت للسيسى واجبا شرعيا . وان الانتخابات نفسها تعد امرا من خارج الدين وانه يجب مبايعة السيسى بدون انتخابات تطبيقا لمبدأ الخضوع للأمير المتغلب . كما شاركت المؤسسه الدينيه الرسميه فى هذا الهزل فأفتى الدكتور / شوقى علام مفتى الديار المصريه بان من لا يدلى بصوته فى الانتخابات الرئاسيه هو اثم شرعا واكد ان الاسلام اوجب المشاركه فى ما يخص مصير الدوله . وقال المفتى ان الناخب مطالب بالذهاب الى لجنة الانتخابات والادلاء بصوته للاصلح ثم صرح المفتى بضرورة مساندة القياده السياسيه فى ظل النقد الموجه لها من المجتمع الدولى فيما يخص حقوق الانسان وطالب الشعب بالخروج للانتخابات والتصويت للرئيس السيسى . اما المفتى السابق الدكتور / على جمعه عضو هيئة كبار العلماء بالازهر فقد افتى بان التصويت فى الانتخابات هو شهاده امام الله ومن يتركها فهو اثم شرعا . وبدوره افتى الشيخ عبيد عبد الله (مدير عام بوزارة الاوقاف) بأن ” الله سبحانه وتعالى هو من اتى بـ السيسى لرئاسة مصر وقيادتها وانه لم يأت بنفسه للرئاسه ” مطالبا جميع المواطنين بالوقوف خلف السيسى صفا واحدا .

ومن جهته اكد الحاج / عباس شومان وكيل الازهر بأن جميع العلماء متفقين على شرعية الانتخابات الحاليه وافتوا بضرورة المشاركه فيها لكونها شهاده يسال عنها تاركها يوم القيامه . علما بأن الانتخابات لايمكن تصنيفها على انها شهادة فالرئيس لا يعقد زواجا ليكون بحاجة الى شهود . كما أن الشعب ليس في مركز الشاهد فهو صاحب الأمر وصاحب الدولة الذي يختار موظف من بين المرشحين لتكليفه بالخدمة لسنوات محدودة . ثم أن الأمر هنا يتصل بالسياسة وليس الدين والسياسة تحتمل الامتناع عن التصويت كموقف سياسي أما الشهادة فالامتناع غير وارد فيها وهي ليست موقفا سياسيا بل واجبا شرعيا .

وقديما استخدم الرئيس السادات الشيخ محمد متولى الشعراوى لاسباغ التأييد الدينى على معاهدة السلام مع اسرائيل 1979 فعينه وزيرا للاوقاف وأيد الشيخ المعاهده مستندا الى الايه : < ۞ وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا …> يذكر ان الشعراوى عاد ليرفض السلام مع اسرائيل وقدم تفسيرا جديدا للايه قائلا : ان معنى أن يجنحوا للسلم هو ان ياتى السعى للسلام منهم هم وليس من جانبك انت كمسلم لانك انت الاعلى واذا ذهبت انت اليهم فانك تكون قد استسلمت .

اما فى دولة جمال عبد الناصر فقد صودر الاسلام لصالح الاشتراكيه حيث تم وصف الاديان جميعا بانها ثورة وانها تحديدا ثورة اشتراكيه . وانشغلت المؤسسه الدينيه الرسميه بالدعايه للدين الجديد وربطه بالاسلام فجرى تقديم نماذج مثل عمر ابن الخطاب وعلى ابن ابى طالب وابى ذر الغفارى وعمر ابن عبد العزيز باعتبارهم يرمزون لاشتراكية الاسلام . كما تم التركيز على احاديث مثل : ” الناس شركاء فى ثلاث . الماء والكلأ والنار ” و ” الارض لمن يفلحها ” …الخ .

وعلى مدى 18 سنه تم اعتصار الازهر بعلمه وتاريخه وشيوخه لخدمة الاداء والفكر السياسى والاقتصادى للعهد الناصرى وهو ما ادى الى سقوط الازهر وانسحابه من الحياه المصريه . واستطيع القول ان الازهر قد تعرض للهدم مرتين فى العصر الحديث . الاولى عندما اقتحمه نابليون بونابرت بالخيول والثانيه عندما اقتحمه جمال عبد الناصر بالاشتراكيه الناصريه .

وتفصيل ذلك ان الازهر تورط فى خلط ودمج الاسلام بالاشتراكيه فيما كان الضباط المتقاعدين وقادة الاتحاد الاشتراكى ينهبون الثروه القوميه للبلاد . ويتحولون سرا الى طبقه كبيره اخذت الفرصه للظهور والاعتراف بعد هزيمة 1967 حيث بدأ الفكر الاشتراكى المزعوم يحتضر كتداعيات للهزيمه القاسيه . وصدر فى 1968 قانون استثمار راس المال العربى و الاجنبى وهو ابو الانفتاح الاقتصادى الذى اخذ مداه بمجرد تولى انور السادات حكم مصر . وكان لابد من اعادة توظيف الدين الاسلامى لخدمة التوجه الجديد للدوله بعد ان هزمتها اسرائيل هزيمه عسكريه سياسيه فكريه قوميه . فتم احالة الازهر الى التقاعد واستعانت البرجوازيه الكبيره (السريه) التى تسلمت الحكم فور الهزيمه بالجماعه الدينيه المحظوره وهى الاخوان المسلمون .

ولجأوا فى البدايه لمطاريد الاخوان مثل الشيخ / محمد الغزالى والشيخ / السيد سابق والشيخ / محمد متولى الشعراوى . ومن خلال هؤلاء ومن يشاكلهم اعيد انتاج الدين الاسلامى ليصبح معاديا للاشتراكيه ومتنافرا معها باعتباره دين راسمالى يسمح بالملكيه ويحميها مهما بلغت . وتم تقديم نماذج من اثرياء الاسلام مثل عثمان ابن عفان وعبد الرحمن ابن عوف وابو بكر الملقب بالصديق …الخ وطبعا كان بديهيا ان تلجأ الطبقه الجديده للمؤسسه الدينيه الموازيه ورموزها وكوادرها حيث لم يكن ممكنا للازهر الذى دمغ وصبغ الاسلام بالاشتراكيه بالامس ان يعيد صبغه بالراسماليه اليوم .

ولهذا انهت الدوله تماما عدائها لجماعة الاخوان المحظورة . بل وجرى التزاوج والتالف بينهما وتوحد طريقهما التاريخى والعقائدى ليرثا معا النظام الناصرى القتيل . و راح الازهر فى سبات عميق حتى لجأوا اليه لردع الاخوان وخلعهم من الحكم فى 30 يونيو 2013 . وبحماسه شديده تلقف كثير من الازهريين هذه الوظيفه الجديده المربحه ويقومون الان بتسخير الدين ليلائم مصالح عبد الفتاح السيسى والطبقه المتخمه التى يمثلها . وهو ما يؤدى لخروج مئات الالاف من الدين الاسلامى يجهرون بذلك على صفحات الملحدين المصريين . فهل من اجل هذا يشتغلون بالدعوة ؟ .

ولا يقتصر الأمر على السلطة الحاكمة فالمعارضة (الدينية) هي الأخرى تمتطي الدين و تسخره لأهدافها السياسية . ويبقى فى النهايه نموذج الدوله المدنيه هو الاوحد لصيانة الدين واخراجه من اللعبه السياسيه ولتهذيب السياسه ومنعها من تأليه الحاكم واستعباد البشر باسم الدين .

بواسطة
جمال عبد العظيم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى