المواجهات الكبرى القادمة في حلب..

عمر معبوني – لم يستطع أردوغان أن يحمل الى لقائه بالرئيس الروسي بوتين ورقة قوية تمكنه من التفاوض بتكافؤ، فالمعركة الأخيرة في حلب كانت معركته وبإشراف وإدارة مخابراته سواء من غرف العمليات او المتابعة الميدانية اللصيقة.

اللقاء في سان بطرسبرغ كان مجرد كسر للجليد، وهو ما يعني اننا امام مرحلة طويلة لإعادة الأمور بين تركيا وروسيا الى سابق عهدها، وأهم ما سمعناه عن اللقاء هو البحث عن حلول مشتركة مقبولة لتسوية المشكلة في سوريا، وهذا يعني أنّ كلا الطرفين أقله لشهور قادمة سيحتفظ بنظرته وسلوكه حتى الوصول الى تفاهمات جدية، ما يعني استمرار المنهجية الحالية للطرفين في التعاطي مع الحرب وخصوصًا حلب، لمجموعة من الإعتبارات سبق وشرحناها حول اهمية حلب في كل الأبعاد.

وبواقعية شديدة، لا يستطيع أحد أن يُنكر أنّ الجماعات المسلحة حققت منجزات ميدانية وأحدثت خللًا في خرائط السيطرة لمصلحتها في جنوب مدينة حلب وغربها، لكنها لم تؤدِّ الغرض منها وهو فك الطوق عن الأحياء الشرقية وتحقيق الخرق في الأحياء الأساسية غرب حلب.

فالممر الذي أحدثته هذه الجماعات لم يمكّنها حتى اللحظة من التجرؤ على إعلانه ممرًا آمنًا ومستقرًا، رغم الإندفاعة الكبيرة التي حققتها في منطقة الكليات وأجزاء من منطقة الراموسة.

المنطقة التي سيطرت عليها الجماعات المسلحة تحولت سريعًا الى بقعة للقتل، وهو تدبير لجأت اليه القيادة العسكرية للجيش السوري لاستيعاب الصدمة الناتجة عن الهجمات الكبيرة غير المسبوقة في اعداد المهاجمين والتسليح والأنماط التي استخدمت، بحيث كانت هذه الجماعات حريصة على عدم انقطاع موجات الهجوم لتحقيق الإنهاك في القوات المدافعة وتحقيق التموضع والتثبيت الذي لم يحصل حتى اللحظة، ما يعني عسكريًا أنّ المنطقة التي سيطروا عليها لا تزال بقعة اشتباك ومنطقة عمليات مفتوحة، وهو ما يضع الجماعات المسلحة في مرحلة استنزاف لقواها المتجمعة في بقعة السيطرة ويجعلها مكشوفة لنيران المدفعية والطيران والرمايات المباشرة.

إعادة التموضع التي عمد اليها الجيش السوري لم تكن فوضوية، حيث تم درس الإحتمالات بدقة واتخذ قرار الإحتفاظ بدوار الراموسة ونقاط التموضع في العامرية شمال الكليات، وبأجزاء هامة من منطقة الراموسة وعين العصافير ومجبل الزفت جنوب الكليات.

هذا التموضع المدروس جاء بنتيجة الضغط الكبير الذي قامت به موجات الهجوم المتلاحقة للجماعات المسلحة وتم الى مواقع يستطيع الجيش السوري منها تحقيق مدافعة افضل، وتمكنه في نفس الوقت من الإشراف الناري على الممر الذي فتحته الجماعات المسلحة وهو ما أبقاه ممرًا نظريًا لعدم استخدامه، وهو في المناسبة ممر بطول 2 كلم وعرض يتراوح بين 400 الى 900 متر يمكن للأسلحة الرشاشة المتوسطة أن تتحكم في الحركة عليه، وهو ما سيؤدي قريبًا الى تخلي الجماعات المسلحة عنه مع انكفائها عن منطقة الكليات لتعذر تحقيق الربط بين نقاط سيطرتها الحالية وخطوطها الخلفية التي يشرف عليها الجيش السوري بالنار من مشروع الـ1070.

كما أنّ تعريض قوافل الإمداد بين ادلب وحلب بشكل مستمر للضربات الجوية أدّى الى اضعاف زخم العمليات الهجومية، والتي ستستمر برأيي لفترة يبقى تحديد مدتها مرتبطًا بالتقارير الميدانية اليومية سواء المرتبطة بالإستطلاع الميداني او من خلال التقارير الإستخباراتية.

في الجانب النفسي والمعنوي، لا يعتبر ما حققته الجماعات المسلحة منجزًا كبيرًا بالنظر الى عدد القتلى والجرحى الذي وصل الى 3000 بين قتيل وجريح، وهو عدد ليس بالهين وسيترك أثره على البيئة الحاضنة لهذه الجماعات وخصوصًا في ريف حلب الغربي وادلب واريافها، وهو أمر سيكون في حسابات الجيش السوري القادمة.

منطقيًا، ليس من الحكمة بمكان القول إنّ هذه الجماعات ستتوقف عن شن هجمات لاحقة، وهو أمر فيه الكثير من الإحتمالات وعلى كل الجبهات وخصوصًا في الريف الغربي عند تخوم ضاحية الأسد والمشروع 1070 وكذلك في منطقة الكاستيلو، ما يجعل المسألة تحديًا حقيقيًا للجيش السوري وحلفائه في ضرورة تثبيت خطوط المُدافعة وتحصينها وجعلها على شاكلة أنساق متتالية، لامتصاص قوة الصدمة الناتجة عن الحركة والنار التي اعتمدتها هذه الجماعات في هجماتها الأخيرة.

في الختام، ما حصل لا يجوز أن يشكل محطة سلبية تؤثر في أداء القوات المدافعة، ويجب أن يدفعها ليس فقط للقيام بالدفاع إلّا ضمن ما هو مطلوب بل أيضًا البدء بتحضير مسرح العمليات للهجمات المضادة.

فانطلاقًا من الهجمات الأخيرة، بات ضروريًا القيام بهجمات مضادة وتوسيع مساحة الجغرافيا الآمنة عن احياء حلب الغربية ونقل الإشتباك الى مناطق الجماعات المسلحة في تجمعاتها الرئيسية غرب حلب وفي الجنوب الغربي أيضًا.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى