المواجهة الإيرانية الإسرائيلية في سوريا.. استراتيجيات المُجابهة.

تحديات إقليمية ودولية جمَّة استحدثتها تداعيات الحرب على سوريا، واستحضرت معها تعقيدات أثرت وتؤثر في رسم ملامح المرحلة المُقبلة، وقد برزت مؤخراً نقاط محورية انطلقت في جزئياتها من نتائج الشأن السوري بشقيه السياسي والعسكري، فالحقائق التي تحمل معها سيناريوهات قد تكون كارثية المضمون والأهداف، انطلقت من مستقبل الصراع الإيراني الإسرائيلي في سوريا، بوصف التواجد الإيراني في الجغرافية السورية مُهددا بارزاً لمنطلقات الأمن القومي لإسرائيل؛ كل هذا يأتي في سياق الحرب على سوريا وأوزارها، فبينما تلوح في أفق الحل السوري معادلات سياسية ناظمة لخارطة طريق تؤسس لجُملة من الحلول، تبرز أخطار وتحديات مُستجدة تُترجمها الزيادة المطردة في المواجهات الإقليمية داخل الجغرافية السورية وفي محيطها.

وعليه يُمكن اعتبار المواجهات بين أركان محور المقاومة وعلى وجه التحديد إيران و حزب الله، مع اسرائيل وداعميها الإقليميون والدوليون، أهم ما يُهدد الخارطة الإقليمية، حيث أن هذه المواجهات قابلة للتمدد والاتساع، فقد ازدادت في الآونة الأخيرة الاستهدافات الاسرائيلية المُتكررة لأهداف سورية وايرانية، قابله رد على مستويات غير مسبوقة. من هنا يبقى باب التساؤلات والهواجس مفتوحاً على مصراعيه، خاصة أن احتمالات التصعيد تبقى في مستويات مرتفعة تطغى على احتمالات التهدئة، وهذا ما يقودنا مباشرة إلى التعمق في ماهية الصراع الإيراني الاسرائيلي، والذي ما زال حتى اللحظة محكوماً بظروف اقليمية ودولية، ومثلها سياسية وعسكرية لم تنضج بعد، لتُهيأ بنضوجها مسرحاً عسكرياً يمتد من طهران مروراً ببغداد ووصولاً لدمشق وحتى حزب الله.

بين هذا وذاك، يدور سؤال جوهري لدى الكثيرين، يتمحور حول اسباب التصعيد وإسقاطاته على المنطقة بشكل عام، و محور المقاومة ككل بشكل خاص، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الكيان الاسرائيلي يقوم بدراسة موازنة لكافة الاحتمالات والسيناريوهات، إنطلاقاً من بُعدين أساسيين:

  • الأول – نتائج وتداعيات وفواعل الملف السوري، خاصة أن الفشل الاستراتيجي الذي مُنيت به اسرائيل في سوريا، سيعود سلباً مؤثراً بأبعاد استراتيجية قد لا تتبلور نتائجها أو تداعيتها في المدى المنظور، لأن المرتكز الاساسي للكيان الاسرائيلي ينطلق من الدعم الأمريكي، إضافة إلى تعاطف من قبل المحيط الإقليمي لإسرائيل، مع عوامل تُهيأ بمُجملها لإعلان علاقات بصيغة كاملة مع دول الخليج. هذا الأمر قد يلجم الكيان الاسرائيلي بصورة مؤقتة، لكن عوامل الضغط التي تتولد من انتصارات محور المقاومة، وقدرة هذا المحور على التماهي والتوازن في وجه الثقل السياسي والعسكري للولايات المتحدة، قد يؤدي إلى تصدع عقيدة الطرف الاسرائيلية بوصفها عُمقاً استراتيجياً لإسرائيل.
  • الثاني – نظرية تأمين العمق الاستراتيجي لإسرائيل، فقد شهدت بدايات الخمسينيات من القرن الماضي بلورة عقيدة الأمن الإسرائيلية التي صاغها أول رئيس لحكومة الاحتلال ووزير دفاعها ديفيد بن جورين، وجاءت تلك العقيدة الأمنية لتعزيز قوة الردع وفقًا للظروف الجيوسياسية المتعلقة بضعف العمق الاستراتيجي، وتكوين شراكات مع الدول غير العربية في المنطقة مثل تركيا، إضافة إلى محاولة الوصول إلى الدول الإقليمية العربية المحيطة بالكيان، عوضًا عن استخدام الحرب الوقائية للدفاع عن أمنها القومي، ونقل المعركة إلى خارج الحدود الإسرائيلية. لكن برزت العديد من المتغيرات الإقليمية التي من شأنها اختبار العقيدة الأمنية الإسرائيلية وعلاقاتها الخارجية، بما يستدعي الوقوف عند حدود هذه العقيدة ومدى نجاحها. وبإسقاط نتائج تعاظم قوة محور المقاومة على هذه النظرية، نجد أن اسرائيل في مأزق بمستويات صادمة كارثية، وهذا ما دفع بصانع القرار العسكري في اسرائيل، إلى تبني محددات الاستراتيجية العسكرية المرتكزة على استمرار التوترات في المحيط الاقليمي، والاعتماد على ضربات تكتيكية نافذة ضد الخصم، تُحقق تفوقاً استراتيجياً رادعاً.

ضمن إطار استراتيجيات المُجابهة، فقد تطورت الاستراتيجية الإسرائيلية بطريقة تتناغم والسياق السياسي والعسكري الناظم للشأن السوري، فقد قام الكيان الإسرائيلي بجُملة من الإجراءات التي شكلت في مُجملها بُعداً استراتيجياً تكتيكياً، كل هذا بهدف إضعاف دمشق وإخراجها من محورها المقاوم وتأثيرها الإقليمي، وفي جانب أخر سعت اسرائيل إلى فك ارتباط دمشق بإيران عبر الولوج في آليات تعتمد على اللعب ضمن المصالح المُتناقضة، وتحديداً في الجُزئية المتعلقة بالمصالح الروسية الإيرانية في سوريا، فقد سعت إسرائيل إلى الترويج بحدوث خلافات بين حليفي دمشق، كنقطة ارتكاز يُمكن من خلالها جذب روسيا إلى الخطة الاسرائيلية والضغط على دمشق لإخراج إيران من سوريا، لكن بخلاف الرائج إعلامياً، اتضح أن التعاون الاستراتيجي بين روسيا واسرائيل، لا يمنع إطلاقاً التحرك السوري أو الإيراني ضد اسرائيل، وهذا يُدلل على أن التنسيق الروسي الإسرائيلي وطبيعة العلاقة بين البلدين، لا تحكمه أسقف محور المقاومة، كما أن روسيا تعي جيداً أن من أولويات محور المقاومة ترسيخ معادلات ردع مُهددة لإسرائيل، وهذا استراتيجياً لا يضر بالمصالح الروسية ضمن منظومة العلاقة مع سوريا وإيران، والتي تمتد حُكماً إلى المصالح الروسية إقليمياً ودولياً.

في جانب أخر، وبالإضافة إلى دعم اسرائيل للفصائل الإرهابية في الجنوب السوري، وفي مرحلة لاحقة سقوط الرهان على هذه الفصائل لجهة قدرتها على إحداث تغيير جُغرافي بإطار سياسي عسكري، انتقل الكيان الاسرائيلي إلى تكتيك يضمن بموجبه التعويض عن رهاناته الفاشلة، والعمل وفق مقتضيات المرحلة التي فَرضت إتباع نمطاً جديداً من الاستراتيجيات، فقد ركزت اسرائيل على جُزئية التواجد الإيراني في سوريا، والعمل بُغية إنهاء هذا التواجد بطريقة إعلامية عسكرية، فالتجييش الإعلامي ضد إيران وقواعدها في سوريا، يدخل ضمن النظريات الاستراتيجية الرامية إلى تقليص وإنهاء دور ايران ليس في سوريا فحسب، بل تحجيم وتأطير دورها ضمن المحيط الإقليمي لإسرائيل، وعطفاً على اقتراب الحرب على سوريا من نهايتها، فقد كثفت اسرائيل من اعتداءاتها على مواقع الجيش السوري ومناطق تواجد القوات الايرانية، وهذا يأتي ضمن استراتيجية اللعب في الوقت المُتعلق بالعمل على استمرارية الحرب، وقد بدا واضحاً أن انتقال اسرائيل بين الاستراتيجيات والعمل على صوغ معادلات اشتباك جديدة، إنما تسعى إلى ضمان تفوقها على الصُعد السياسية والعسكرية والأمنية، مع توظيف هذا التفوق في المسار التفاوضي ضمن أي مناسبة تسمح بالجلوس على طاولة المفاوضات، أو يمكن من خلال ذلك لواشنطن أن تستثمر التفوق الاسرائيلي في الضغط على روسيا وسوريا وإيران.

وبالتالي تُعتبر هذه الاستراتيجية الاسرائيلية نمطاً من افساح المجال للدبلوماسية، مع الإدراك الكامل بأن بنية الكيان الاسرائيلي لا يمكن لها أن تحتمل حرباً طويلة، بالإضافة إلى أن المستجدات والتطورات التي فرضها حزب الله في حرب تموز 2006، وتعاظم قوة محور المقاومة ككل انطلاقا من البوابة السورية، لم يعد لإسرائيل أي إمكانية لفرض حسم عسكري كامل، وإنما تقوم بالضغط عبر النار لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.

تحت عنوان “الاستعداد لمواجهة بين إسرائيل وإيران في سوريا”، كتب إهود يعاري في معهد واشنطن لسياسات لشرق الأدنى، ” تسير إسرائيل وإيران نحو تصادم في المستقبل القريب. وبالفعل، يبدو أن صداماً مسلحاً قد يتوسّع إلى ما هو أبعد من الأراضي السورية أمراً محتّماً تقريباً. وعلى وجه الخصوص، إن الحرس الثوري الإيراني مصمم على تحويل سوريا إلى منصة حرب مستقبلية ضد إسرائيل، التي أقسم قادتها على منع ما يصفونه غالباً بتضييق الخناق على إسرائيل”، وخلُص يعاري في نهاية مقالته إلى نتيجة مُفادها أن ” الأهم من هذا كله، ومن أجل منع اندلاع حرب شاملة بين إسرائيل وإيران، التي يمكن أن تتوسّع بسهولة لتطال لبنان وغزة، يتعين على الولايات المتحدة أن تقدم دعمها لحملة إسرائيلية مستمرة لتدمير – عند الضرورة والإمكان – المنشآت الإيرانية في سوريا ورفع تكاليف جهود الحرس الثوري الإيراني بشكل مستمر إلى الحدّ الذي يدفع بكل من طهران ودمشق إلى إعادة النظر في إمكانية تطبيق مشروع سليماني”.

في مقابل الاستراتيجيات الاسرائيلية و تشعباتها، فقد بات الشرق الأوسط يرزح تحت نظريات القوة وموازنة الحضور والتأثير سياسياً وعسكرياً، وهذا حقيقة ما تمَّسك به محور المقاومة من ايران إلى العراق مروراً بسوريا وصولا إلى حزب الله. فقد اعتمد المحور المقاوم على تفعيل منطق القوة والتأثير في مجابهة الاستراتيجيات الاسرائيلية، مع الأخذ بعين الاعتبار بأن محور واشنطن دائما ما يملك اوراق ضغط يمكن استثمارها و التلويح بها عند أي منعطف استراتيجي. وهذا ما أكده المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في ايران السيد على خامنئي، لدى لقائه الرئيس السوري بشار الاسد في طهران في وقت سابق بالقول: “”غضب الولايات المتحدة من انتصار المقاومة سيأتي بمؤامرات جديدة مشيرًا إلى دأب واشنطن إحداث منطقة عازلة كنموذج لتلك المؤامرات التي يجب رفضها والوقوف أمامها”.

وعليه فإن الحضور الايراني في سوريا، والتوافقات حياله سورياً وروسياً، يدخل في إطار تحقيق الموازنات واستراتيجيات المُجابهة، خاصة مع استمرار التواجد الأمريكي والتركي في سوريا، حيث ان هذه الاستراتيجية تُحقق قوة فاعلة ومؤثرة في مجابهة الاستراتيجيات الأمريكية الاسرائيلية التركية التي لا تنفصل إطلاقاً عن وحدة المضمون والأهداف، مع اختلاف بسيط يتم استثماره، لجهة بقاء اللاعب التركي ضمن الأهداف الاستراتيجية لروسيا، وتوظيفه في سياق الحلول السورية والإقليمية.

خلاصة القول، سوريا وروسيا وإيران تمكنوا من مجابهة الاستراتيجيات الاسرائيلية في سوريا والمنطقة، وكذا الأمريكية منها، وهذا يفتح بات التساؤلات والمواجهات معاً، إضافة إلى التكهنات والهواجس حول مستقبل هذه الاستراتيجيات، والتي لن تخلو إطلاقاً من بُعدٍ عسكري، كما أن السيناريوهات المتوقعة التي تأتي في سياق استراتيجيات المجابهة بين إيران واسرائيل، سيكون لها تداعيات إقليمية ستُرسم بموجبها ملامح المرحلة المقبلة في سوريا والمنطقة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى