“النفَس بالدولار”.. لارا تروي تفاصيل “رحلة الذلّ” بحثا عن أوكسيجين لجدتها!

نشر موقع “vdlnews” قصة مواطنة عاشت رحلة معاناة ليلة كاملة تبحث فيها عن بارقة حياة في بلد الموت، بحثت عن “نفس” تمنحه لجدتها حتى لا ترحل عن هذه الدنيا.

 

تروي لارا –وهو اسم مستعار لأنّ المواطنة التي عاشت القصة حقيقة بالأمس فضّلت عدم الكشف عن اسمها ما حصل معهم قائلة: “انخفض مستوى الأوكسيجين لدى جدتي فجأة نتيجة ارتفاع نسبة المياه في رئتيها، وانخفض فجأة من الـ90 الى الـ50 ولم يكن لدينا الوقت الكافي لانتظار الصليب الأحمر في المنزل فوضعناها في السيارة وانطلقنا برحلة البحث عن مستشفى ليسعفها، طبيبها يعمل في مستشفى مار يوسف – الدورة ولذلك توجهنا نحو بيروت”.

وتابعت: “كنا نعلم أن هناك مشكلة في مستشفيات بيروت وقدرتها على استيعاب المرضى لكن لم يكن لدينا حلا آخر بسبب تواجد طبيبها في المنطقة، وصلنا الى المستشفى المذكور فأفادونا بعدم وجود أماكن كذلك عدم توفر الأوكسيجين لاعطائها وطلبوا منا البحث عن مستشفى آخر، وبدأت رحلة البحث شبه المستحيلة عن فراش في مستشفى لكن أحدا لم يستقبلنا”.

“وصلنا في النهاية الى أحد المستشفيات في ساحل المتن وقلنا لهم أن جدتي تموت بين أيدينا وتوسلناهم كي يضعوا لها الأوكسيجين أو أن يسعفوها بأي طريقة ممكنة ولو بالسيارة ومن دون استقبالها حتى وكنا نحاول في الوقت عينه أن نؤمن لها الأوكسيجين من أي جهة معنية لملاقاتنا على الطريق حتى لا نفقدها خصوصا وأنه كان من المستحيل أن تبقى في المنزل لأن القصة متعلقة بضيق الوقت ومستوى الأوكسيجين مستمر بالانخفاض في جسمها”، وفق ما قالت لارا، مضيفة: “في المستشفى طردونا وأكدوا لنا أن ما بيدهم حيلة وأنه علينا الاستمرار بعملية البحث عن مستشفى آخر قبل أن تتوفى ورفضوا اسعافها كليا ولم يساعدونا حتى في اقتراح مكان آخر لاصطحابها اليه”.

بغصة حارقة تابعت لارا قصتها المؤلمة: “توجهنا بعدها الى مستشفى آخر في ساحل المتن وتكرر الأمر نفسه، فعدنا الى الأوّل لأنه كان واضحا أن ما من زحمة في قسم الطوارئ وكان المستشفى قريبا من مركز للصليب الأحمر ونحن كنا نحاول التواصل معهم لتأمين الأوكسيجين لها، وتواصلنا في الوقت عينه مع طبيبها وروينا له ما حصل على أمل أن يقترح علينا حلا ما، فقال لنا أن نفيد المستشفى أننا بحاجة لحقنة لازيكس حتى نخرج الماء من الرئتين في حال عدم توافر الأوكسيجين حتى نريحهما من الماء على الأقل، وهذا ما قمنا به، عندها قبلوا في المستشفى أن يدخلوها بعد أن أعلمونا أنهم لا يستقبلون المرضى لا على نفقة الضمان ولا على نفقة التأمين الصحي ولم يقبلوا ادخالها حتى تأكدوا من امتلاكنا للمبلغ اللازم فأدخلوها حينها الى قسم الطوارئ، واكتشفنا عندها وجود غرفة فارغة تحتوي على قنينتي أوكسيجين وهم لم يأبهوا لتركها تموت أمام باب المستشفى”.

بين الغضب والألم لم تنته قصة الجدة المريضة المترنحة، فبحسب ما نقلت لارا ان “بعد اخضاعها للفحوص اللازمة والتأكد من عدم اصابتها بكورونا أبقوا جدتي في الطوارئ ورفضوا ادخالها الى غرفة، وفي اليوم التالي قرروا عدم ابقائها في المستشفى لعلها مصابة بكورونا وهم لا يملكون غرف عناية لمرضى الفيروس التاجي، تواصلنا عندها مع الطبيب الذي نصحنا بالرحيل من المستشفى لأن جدتي لم تعد بحاجة للطوارئ وقد تحسن حالها ومن الأفضل أن تخضع للعلاج في المنزل”.

الجدة غادرت، لكن رحلة الخلاص أصبحت أكثر صعوبة، فبعد أن أنهت رحلة البحث عن سرير بنجاح، بدأت رسميا “رحلة ذلّ النفس”، في بلد حتى رئتيه لا علاج لهما من دون “الدولار الطازج” اللعين.

تابعت لارا سرد قصتها فقالت: “هنا بدأت المرحلة الأصعب، رحلة البحث عن آلة أوكسيجين، هنا نكتشف فعلا كيف أننا شعب مجرد من الانسانية والمشاعر والرأفة والضمير، نحن نلوم المسؤولين لأنهم يتصرفون معنا من دون مسؤولية أو أخلاق وانسانية لكننا نتصرف مع بعضنا ومع أنفسنا بالأسلوب نفسه، فبظروف صحية صعبة وخطيرة وبالرغم من أن الموت ينتظرنا على مداخل المستشفيات والناس يموتون للحصول على قنينة وآلة أوكسيجين، الا أننا لا نقبل الا أن نتاجر ببعضنا ونستغل هذه الظروف، والدليل أن سعر آلة الأوكسيجين أصبح في السوق اللبناني 2500$ في حين أن سعرها في الصين هو 350$، ونحن متأكدون من الموضوع لأننا نشحن آلة حاليا من هناك”.

وأضافت ان “الأسوأ هو أن الـ2500$ يجب أن تدفع اما بحسب سعر صرف السوق السوداء واما بالدولار الفريش ولا يقبلون ولو توسلنا لهم بتخفيض سعرها”.

“ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد”، فوفق لارا “بعض المؤسسات التي تدعي الانسانية وتدعي أنها تؤمن آلات أوكسيجين مجانية للناس وتطلب من الشعب التواصل معها، عندما قمنا بالتواصل معها قالت أنها تؤمن الأوكسيجين والآلات فقط لمنطقة معينة، أو تقول أنها لا تمتلك الآلات، وبعد تأمين “الواسطة” اللازمة تظهر الآلة من العدم وتصبح بحوزتها فجأة”.

“هذا ولم نتحدث بعد أن قناني الأوكسيجين التي هي أصلا مصنعة على سعر الـ1500، يمتنع تجارها عن تأجيرها بل يبيعونها بأسعار مرتفعة بحجة تصنيع غيرها على سعر الصرف الحالي ورفع سعرها في السوق، وعندها يضطر من يحتاج أن يشتري قنينة الأوكسيجين بمليونين ونصف مليون ليرة كحد أدنى لا يخفضون من سعرها أبدا”، على حد قول الراوية.

أمّا “الفضيحة الأكبر” كما سمّتها لارا، فهي خط وزارة الصحة الساخن، “فعند التواصل معهم وأنت بأمس الحاجة لهم يتركونك تنتظر ساعة ليسألوك أمورا سخيفة وأنت تنظر الى قريبك يموت أمامك ليمتنعوا عن البحث بعدها عن سرير في مستشفى أو عن حل ما”.

خلاصة الحديث، للأسف وبكل صراحة، هي التالي: “أيها اللبناني نفسك مقطوع لا محال، ولا ينتعش الا بانتعاش العملة، أما أوكسيجانك فهو للتجارة وحسب، وبمحسوبيات أيضا”.

لذلك أيها المواطن المخنوق، الذي لا نفس له ولا حال، اعلم أنك كالخروف الذي يقتادونه للذبح، توقف أرجوك عن عيش حياتك بالطول والعرض واستوعب أن الوضع أكثر من خطير، لا تتكل على انسانية أخيك المواطن لأنه مشغول باستغلال استهتارك ليصنع ثروات خضراء.

للأسف وصلنا الى هذا الحد في لبنان، الأوكسيجين ثروة لن تعرف قيمتها قبل أن تخسرها كصحتك تماما، لذلك اما استهتر وحضر عملتك الخضراء الصعبة لشراء النفس في حال توفر، واما الزم منزلك واتبع الاجراءات الوقائية حتى لا تتحول الى عدد يبثونه في نشرات الأخبار اذا احتُسب”.

 

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى