الهلـع السعـودي من ســلاح نصــر الله..

في خضم الحرب الإعلامية الطاحنة التي فرضت على المواطن العربي في زمن الخسة والنذالة، وعصر العهر السياسي والتضليل المفاهيمي، حيث أصبحت أمريكا و”إسرائيل” هما المدافعتان عن الأمن القومي العربي، ويشنان حرب إبادة خلف مملكة الدواعش وحلفائها الأنجاس، ضد شعب عربي شريف مؤمن ومجاهد، منه تفرع كل العرب، وبفضله وصل الإسلام إلى أقاصي الأرض في آسيا..

وفي ظل هذا الجو الموبوء بعواصف الفتـن التي لم يشهد لها تاريخ الأمة نظيرا، كانت الحقيقة هي أول الضحايا، في ما اللغة العربية جاءت في المرتبة الثانية، حيث تعرضت إلى مجازر من قبل قادة جهلة، لا يملكون من سمات القيادة لا الكاريزما، ولا الرؤية، ولا الشرف، ولا الأخلاق، ولا فن الخطابة، بدليل ما تعرضت له لغة الضاد في القمة العبريـة الأخيرة التي أجازت “عاصفة الإجرام” من إهانة ما بعدها إهانة..

وبسبب صراع الإرادات القائم بين الحق والباطل، الخير والشر، النور والظلام.. يتحول الخطاب الصادق إلى سلاح حاسم، أكثر تدميرا من عاصفة الدجل وكل عواصف القتل والدمار الأمريكي – الصهيوني – السعودي..

والفرق بين خطاب سماحة السيد نصر الله وخطاب إعلام الزيت، هو كالفرق بين الثريا والثرى، ذلك أن الأول ينطلق من عقيدة دينية جهادية، تعتبر قول الحق واجب إيماني لا تستقيم دنيا الناس من دونه، لأن في قوله جلب لمصلحة أو دفع لمفسدة، سواء تعلق الأمر بتحصيل حق لله عز وجل أو حق لعباده أو هما معا..

فيما الخطاب الثاني، ينطلق من عقيدة دنيوية انتهازية فاسدة، تعتبر أن قول الحق فيه حتف لصاحبه، لأنه يعريه، ويظهره على حقيقته، ويكشف للناس زيف ادعائه.. لذالك تجده يعمل ما بوسعه، وبكل السبل والوسائل لإخفاء الحقيقة في محاولة يائسة وبئيسة لينتصر الباطل على الحق..

وإذا كان الأول لا يحتاج لبذل مجهود خارق، ولا لصرف أموال طائلة للدفاع عن كلمته، فلأن الله الحق يتكفل من علاه بإظهار الحق ولو بعد حين، فتأتي الوقائع لتؤكد صدق الخطاب ومصداقية قائله، فتزول الغشاوة عن أعين الناس، ويدركون صدق صاحبه، فيصدقونه في كل ما يقول بعد ذلك إلى أن يثبت العكس..

أما الثاني، فهو يعرف أن ما يدعيه هو عين الكذب، وأن لا سبيل لتسويقه إلا بشراء الذمم واستئجار الأبواق والوسائل، ويحاول في كل مرة ينكشف فيها زيف ادعائه ويفتضح أمره، أن يمعن في الكذب والتضليل، اعتقادا منه أنه إذا كذب، وكذب، ثم كذب.. سيصدقه الناس في النهاية، وأن الوقت كفيل بطمس الحقائق..

ومشكلة الكذب، أنه ليس حالة مرضية يكشفها التشخيص الطبي، لأنه يصدر عن إنسان عاقل، أو جهة رسمية مسؤولة يفترض أنها تتعامل مع من تدعي خدمتهم بعقلانية،غير أن المعضلة لا تكمن في صاحب الخطاب بقدر ما تكمن في الناس، لأنه بقدر ما يكون المجتمع متعلما ومنفتحا يكون من الصعوبة بمكان تمرير الكذب عليه لأكثر من مرة، لكن عندما يتعلق الأمر بمجتمع أمي، مسحور، بعيد عن الواقع وغائب عن الوعي، يكون من السهل ممارسة الكذب والدجل والتضليل عليه، لأنه مجتمع مشلول الإرادة، بعقل معطل لا يفكر، عبارة عن مكب للنفايات يتقبل كل ما يقال له، خصوصا إلى كان من يسوقون الخطاب من مستوى رجال الدين أو إعلاميين مشهورين أو ساسة مرموقين..

وبهذا المعنى، فما فعله سماحة السيد خلال خطابه الأخير وما قبل الأخير، أنه عرى آل سعود على حقيقتهم، وأسقط القناع عن وجوههم، وجردهم من ورقة التوت التي كانت تغطي عورتهم، وكشف تاريخهم الأسود، وفضح زيف مزاعمهم، وفند كذب ادعاءاتهم، وأثبت للناس خطورتهم على العروبة والإسلام، وأوضح حقيقة أهدافهم التي تصب في خدمة أمريكا و”إسرائيل”..

فأعاد بذلك البوصلة إلى قضية الأمة التي يراد لها أن تتوارى وراء صراعات مفتعلة وأعداء وهميين، ففتح بذلك الأفق أمام الشعب العربي والإسلامي نحو معركة الوجود والمصير التي أريد حرفه عنها، وسط التعتيم الإعلامي وغبار القصف الإرهابي الذي يطال مختلف مكونات الأمة من تونس إلى اليمن، مرورا بليبيا ومصر ولبنان وسورية والعراق، بل وانعطافا إلى الصومال ونيجريا وكينيا وأفغانستان وغيرها..

لأنه حين يتحدث فارس الخطاب سماحة السيد زمن الحرب، يتابعه أزيد من 350 مليون مشاهد على مستوى العالم، ويترجم خطابه إلى 11 لغة، أولها العبرية وآخرها الصينية، وتصدقه الشعوب على امتداد جغرافية الأرض بمن فيها الشعب الإسرائيلي الذي يحترمه كعدو ويثق في كلامه أكثر مما يثق في كلام قادته..

أمام عملاق من هذا الحجم، يخجل الزعماء من مواجهته، ويتواضع العلماء عن محاججته، ويعجز المفكرون عن مجادلته، ويعترف الخبراء الإستراتيجيون ودبابات الفكر الغربي بعمق نظرته وحسن توصيفه وصوابية تحليله، فيتحول ما يقوله السيد إلى معيار يقاس عليه صدق خطاب الخصوم من عدمه، لأن التجربة أثبت للجميع في أكثر من محطة ومناسبة، أن ما يقوله السيد هو المصداق العملي الذي لم يكذب الواقع يوما توقعاته، أو لنقل نبوءاته التي يستمد إشراقاتها المنيرة من فيض السماء..

ميزة حديث سماحته، بالإضافة لبساطته، وسلاسته، وبلاغته، أنه يخاطب العقل والقلب معا، فيقدم للأول الحجج والدلائل والمؤشرات والقرائن، ثم يتحداه أن يفندها بأدوات العقل ومنهج المنطق، ويقدم للثاني زبدة ما توصل إليه من خلاصات ونتائج، تتناغم مع الفطرة والحس السليم، وتتساوق مع القيم والأخلاق، فيقبلها العقل ويرتاح لها القلب..

ومن حيث تدري أو لا تدري، تتوقع أو لا تتوقع، تحتسب أو لا تحتسب، تشعر فجأة أن ما تسمعه يوقظك من دوختك، يحرك فيك الهمة، يحيي فيك الروح العلية، ينقلك من حالة السبات العميق إلى حالة من اليقظة النشطة، فتشعر أنك كنت غافلا فنبهك، وكنت تائها فردك إلى جادة الطريق، وميتا فأحيا فيك الشعور الذي به أنت إنسان، وحين يشاء سماحته، يهيج في دمك بأصبع من يده، كل خيول العزم والحزم الأصيلة، لا الهجينة..

كلام سماحة السيد كلام واقعي، من نوع السهل الممتنع، الذي يخاطب كل المستويات باختلاف اللغات والثقافات والعقليات، يقدم الحجج والدلائل والمؤشرات والقرائن بمنهج علمي موضوعي وأسلوب نظيف راق، ويطالب الخصم بأن يفند أطروحته إن استطاع إلى ذلك سبيلا..

وحيث أن إعلام الزيت الناطق الرسمي باسم أمريكا و”إسرائيل” لا يملك الحجة ليصدقه الناس، تراه يستعين بسلاح الضعفاء لمخاطبة العقول المظلمة، واستثارة النفوس الضالة.. وبالتالي، فلا عجب أن يخرج علينا اليوم من يتهم حزب الله بالطائفية والإرهاب ويصوره على أنه أداة إيران في المنطقة وغيرها من التهم الواهية التي لا يسندها دليل من واقع ولا حجة من عقل، وكل ذلك بفضل حملات الإعلام التضليلية والأقلام الرخيصة التي تستأجر كعاهرة تبيع شرفها مقابل دولارات معدودة.

حزب الله لا يحتاج لشهادة من أحد حول صدق عروبته وإخلاصه في إيمانه، لأن مواقفه وإنجازاته والتزامه بخطه العربي القومي والإسلامي المقاوم… كلها شواهد من نور تدعم موقفه وتضفي على خطاباته المصداقية، وهذا فضل من الله يأتيه لأوليائه المخلصين..

ومهما حاول آل سعود وأنفقوا من جهد ومال، واستعانوا بخبراء في الإعلام وعلم النفس التحليلي من أمريكا و”إسرائيل”، وجندوا شيوخ النفاق المتأسلمين، ودعاة الفتنة المهووسين، وسماسرة الإعلام المنحطين، ومنعدمي الضمير من أشباه المثقفين، فلن يطفؤوا نور الله، ولن يبدلوا شيئا من مشيئته وإرادته، لأن الله سبحانه هو الفاعل الوحيد المأثر والموجه وصانع التاريخ، يجريه على يد رجاله المجاهدين في سبيله.

لذلك، فلو وقف المؤمن، مسلم أو مسيحي أو غيره، أمام ما قاله سماحة السيد في مقدم خطابه الأخير، من أن كلامه هو شهادة، لا للتاريخ ولا للجغرافيا، بل لله يوم القيامة، لا تأخذه في ذلك لومة لائم .. لارتعدت فرائصه وهو يستحضر في خشوع المشهد العظيم وهو واقف بين يدي ربه يوم الدين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وقدم شهادته أمامه، وأثبت أنه كان مجاهدا في سبيله، وأعظم الجهاد وفق حديث رسوله الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، هو قول كلمة حق في وجه سلطان جائر..

أما إعلام الزيت، فهو بطبيعته إعلام منافق، دعائي وترويجي، يكذب بلا حدود، ويزيف الشواهد بلا قيود، ويفبرك الوقائع ليخفي الحقائق، يمارس التعتيم والتضليل، ويدعي بطولات لا مصداق لها على أرض الواقع..

وقد أثبتت أحداث اليمن، أن الإعلام الخليجي إعلام منحط، وأن الإعلام السعودي إعلام مجرم عطن، تفوح منه رائحة الزيت الكريهة، ويطفح بالحقد والضغينة والغطرسة والتعالي، لا يقبل بغير الزيف بديلا، ويكره الرأي الآخر كرهه للعرب والمسلمين، وهذه طبيعة عنصرية مريضة تكشف عن حقيقته الصهيونية الدفينة..

هذا الإعلام الحقير الوضيع المجرم، يتطاول على شرفاء الأمة اليوم، و يخاطب العرب من برج عال، معتد بالمظلة الأمريكية وبتحالفه المشبوه مع “إسرائيل” التي قدم لها خلال السنتين والنصف الأخيرة مبلغ 16 مليار دولار، وفق ما كشفه ‘روبرت باري’ رئيس تحرير موقع “كونسورتيوم نيوز” الأمريكي للتحقيقات الصحفية المستقلة، وذلك لتمويل اللوبي الصهيوني في واشنطن من أجل الدفاع عن القضايا المشتركة بين آل سعود اليهود وإخوانهم اليهود في تل أبيب، وخصوصا ضد ما يسمى بالهلال الشيعي في المنطقة، مع التركيز على إسقاط الرئيس الأسد لأنه يعتبر في نظرهم أكبر خطر على أمنهم القومي من “القاعدة” و”داعش” وكل التنظيمات الإرهابية التي فرختها السعودية، وفي نفس الوقت الضغط على إدارة أوباما لتعويم الانقلاب العسكري الذي قامت به السعودية و”إسرائيل” ضد الديمقراطية في مصر، وأوصلت بالمال الحرام وإعلام الدجل والتضليل الديكتاتور السيسي لتسقط مطالب ثورة 25 يناير الشعبية..

هكذا تحمي مملكة آل سعود الإسلام بمعية “إسرائيل”، وهكذا تدافع عن العروبة، من مدخل تدمير آخر معاقلها في سورية بعد أن أجهضتها في المحروسة زمن ناصر.. وللإشارة، فقد نقل ذات الموقع المذكور عن مصادر في الاستخبارات الأمريكية أن 16 مليار دولار أنفقها ‘النتن ياهو’ في بناء المستوطنات في الضفة الغربية، لأنه لا يحتاج لشراء اللوبي الصهيوني في واشنطن، ما دام هذا الأخير هو من يخدم “إسرائيل” ويدفع لها المال الذي تريد..

فلاحظ أيها العربي الشريف، أنه وبرغم مليارات الدولارات التي ينفقونها على إمبراطوريات إعلامهم لإخفاء وجههم القبيح، إلا أن الله يفضحهم، ويكفي ما تم كشفه حتى الآن عن حقيقتهم من قبل سماحة السيد وشرفاء الأمة، ليدمر كل ما بنوه من صورة زائفة عن عروبتهم وإسلامهم..

وهو ما يطرح ضرورة إسقاط هذا النظام الخبيث العفن الذي لا يختلف في حقده وإجرامه ضد العرب والمسلمين عن النظام الصهيوني في فلسطين المحتلة، ويؤكد بما لا يدع مجالا للشك صحة الخيار الذي ذهبنا إليه في أكثر من مناسبة ومقالة، ومفاده، أن تحرير القدس لا يمكن أن يتم بتوفيق من الله إلا إذا تحرر الحجاز..

لأن آل سعود اليهود هم أخطر على العرب والمسلمين من الصهاينة اليهود، ولأن جهاد المنافق في الداخل مقدم على جهاد العدو المحتل، الذي أثبت سماحة السيد أنه أهون من بيت العنكبوت..

أحمد الشرقاوي | بانوراما الشرق الوسط

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى