“الهمس واللمس” بين الفيسبوك والسعودية –تآمر على مقاييسنا

صائب خليل – في لحظة صدق نادرة له، يكتب أبو الرأسمالية آدم سميث: “قلما يجتمع أصحاب نفس التجارة معا، حتى لو كان للتمتع وتغيير الجو، إلا وانتهى الحديث إلى التآمر على المال العام أو إلى البحث عن طريقة لزيادة الأسعار”.(1)

سميث أدرك بفطنته أن هذه كانت وستبقى مصلحة هؤلاء المشتركة وأنها هدفهم الدائم ومتعتهم الثابتة.

لا تعليقعندما كنت في زيارة للإمارات العربية مؤخراً (وهي زيارة اود الكتابة عنها لاحقا) تم ابلاغي من فيسبوك بأني ممنوع من النشر لمدة 24 ساعة، وإن تكرر الأمر فمن الممكن منعي نهائيا مستقبلا، أما السبب فهو نشر صورة حسن نصر الله، وهو ما اعتبره الفيس: “لا يتناسب مع مقاييس الفيسبوك”، وهي المرة الثانية التي توجه لي هذه العبارة من الفيسبوك، ولنفس السبب.

ولكي نفهم “مقاييس الفيسبوك” الأخلاقية علينا ان نقرأ ما الذي يفعله مارك زوكربيرغ، رئيس ومؤسس شركة فيسبوك ومن هم الذين يحبهم ويعتبرهم ضمن “مقاييسه” الأخلاقية، فـ “الطيور على اشكالها تقع”. وهنا نقرأ خبرا عن اجتماع مارك مع “صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع” السعودي. ونقلت الصور مدى حميمية اللقاء وقالت انه جرى البحث حول التعاون بين فيسبوك والمملكة و “توفير بيئة ملائمة لاستثمارات فيسبوك في المملكة”.(2)

فإذا تذكرنا ان “المملكة” هي البلد الوحيد في العالم الذي تمنع فيه المرأة من قيادة السيارة، والبلد الوحيد في العالم الذي يضخ النفط ببلاهة منقطعة النظير لأكثر من قرن من الزمان، دون أن يبني حتى الآن مجتمعا حقيقياً، بل يستعمل أمواله لشراء الأسلحة للتآمر على الشعوب ويعمل كهراوة تضرب أينما وجهتها اميركا. وكان آخر تلك الجرائم الجريمة العظمى في اليمن، التيتلطخ يد هذا “الولي الولي للعهد” ووزير الدفاع، الذي يتبادل زوكربيرغ الابتسامات والملامسات الودية معه، بحصة كبيرة من دماء اليمنيين والتي كلفت البلد أكثر من 25 ألف شهيد، الكثير منهم من الأطفال والنساء. هكذا يمكننا ان نعرف ماهي “قياسات” فيسبوك التي يجب ان لا نخالفها إن أردنا البقاء فيه! إنها ببساطة القياسات التي تتيح لهؤلاء المزيد من التحكم بالبشر واستعبادهم، والهجوم على ما يعاكسها كالحريات بانواعها ومنها حرية النشر والتعبير.

أقرأ أيضاً:

زحزحة العرش آتية والقبضة الحديدية لن تجدي نفعاً

ومن المعروف ان الفيسبوك هو أداة تجسس بامتياز، من الأدوات التي تقدم لك خدماتها مقابل معلوماتك الشخصية ومتابعتك. ومع الوقت يزداد الفيسبوك وحشية في عدوانه على معلومات مستعمليه. فقد فرض مؤخراً على مستعمليه على التلفون تنزيل واستعمال تطبيق “الماسنجر”، ومنع عنهم استعمال المحادثة بدونه. ومن المعلوم ان التطبيقات تشترط اتاحتك لها الاطلاع على معلوماتك الشخصية (وأحياناً كثيرة حتى تلك التي لا تحتاجها تلك التطبيقات للقيام بخدماتها). وهكذا فقد اجبر الفيسبوك مستعمليه على تسليم معلوماتهم للماسنجر مقابل استعمالهم المحادثة. ولا تقتصر هذه السياسة على الفيسبوك، فحتى الوندوز تتجسس وتزداد عدوانية تجاه الخيارات الشخصية والمعلومات الشخصية. فمثلا مع نزول الوندوز 10 الى السوق، تم فرض استعمال التحديثات إجبارياً، وكانت قبل ذلك اختياراً تفصيلياً بكل أجزاء التحديث يترك للمستعمل أن يقرره.

عودة إلى الرجلين موضوع حديثنا، نقول ان لا غرابة ان يتفق الرجلان، فهما يريان في حرية الشعوب وأبطالها اعداءاً وإرهابيين، بينما يجد المجرمون الدوليون من أمثال نتانياهو الترحيب والتقدير عند كليهما، ولن تحصل على تحذير ابداً إن نشرت صور او أفلام داعش، فهي ضمن “قياسات الفيسبوك – السعودية”.

إنها لمسخرة محزنة أن أرى أن هذا الشاب هو من يريد أن يتحكم بمقاييسي و”يعاقبني” إن خرجت عن “طوعه”، ورفضت مقاييسه.

أتساءل: كيف تستطيع هذه القيم والمقاييس الواطئة إنسانيا أن تستمر في فرض نفسها على البشر؟ أي نظام خطير هذا الذي يحكّم أمثال زوكربيرغ وآل سعود بـ “مقاييس” البشر إلى هذه الدرجة. لقد تغيرت الرأسمالية كثيرا منذ سميث، ومع العولمة،لم تعد مجرد استغلال وسرقة لثروات الإنسان، وإنما صارت خطراً مباشراً على اخلاقيته وحريته حتى بالتفكير، بل حتى على بقائه في الوجود. أتساءل ما الذي كان سميث سيقوله لو أنه رأى اساطين الفساد الإعلامي والمالي هؤلاء مجتمعين؟ لقد بدوا “متمتعين” تماماً في بداية لقائهم فإلى أي شيء أنتهى حديثهم؟ وعلى اية مصالح غير معلنة اتفقوا؟! وإلى أية نهاية سينتهي بالبشريةهذا الطريق؟

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق