الولايات المتحدة وإيران.. جرعات دبلوماسية في مسرح إقليمي مُحتقن

من حيث المبدأ، يبدو واضحًا أنّ واشنطن وطهران لم يحسموا موقفهم بعد من الاتفاق النووي وماهيته الجديدة، لكن ثمة حقائق لا يُمكن لأحد أن يُنكر وجودها، تتعلق برغبة الطرفين بالعودة إلى الاتفاق،

الولايات المتحدة وإيران.. جرعات دبلوماسية في مسرح إقليمي مُحتقن
أمجد إسماعيل الآغا

ضمن مزيج من الاحتواء والردع لحلحلة القضايا الإقليمية العالقة، ثمة تساؤلات كثيرة حول نجاح المقاربة الأمريكية تُجاه تلك القضايا، لا سيما في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني، إذّ بات من الواضح أنّ استراتيجية جو بايدن حيال إيران والاتفاق النووي، تواجه تحديات حقيقية بعد رفض طهران مقترحًا أوروبيًّا بعقد اجتماع غير رسمي مع القوى الكبرى، لمناقشة سبل إحياء الاتفاق، الأمر الذي شكّل خيبة أمل لواشنطن، وعلى ضوء ذلك تبرز مُجددًا تحديات تؤطرها تساؤلات حول حقيقة وأسباب الرفض الإيراني، إضافة إلى الإجراءات التي ستتبعها إدارة بايدن للرد على ما وصفته واشنطن بـ “التعنت الإيراني”، خاصة أنّ العودة إلى الاتفاق النووي الذي انسحبت منه إدارة ترامب 2018، يُعد هدفاً أساسياً لإدارة بايدن، التي تتبنى أسلوب الدبلوماسية لتحقيق هذا الهدف؛ فقد أكدت الإدارة الأمريكية مرارًا أنها على استعداد للعودة فورًا إذا عادت إيران إلى الاتفاق أولًا، وأنها مستعدة للانخراط في محادثات مباشرة مع طهران للتفاوض بشأن اتفاق نووي جديد؛ من هنا جاء المقترح الأوروبي، ولكن إيران أعلنت رفضها التفاوض على أيّ بند في الاتفاق، وتقول إنها ستلتزم به فقط إذا رُفعت العقوبات عنها.

في عمق الرفض الإيراني للدعوة الأوروبية، ثمة خطوات لابد من الشروع بها من قبل واشنطن والاتحاد الأوروبي تُجاه إيران؛ هي خطوات تُمثل اللبنة الأولى لهندسة اتفاق جديد، لكن في مقابل ذلك، ترى إيران أنّ الظروف ليست مواتية لإجراء محادثات نووية غير رسمية مع الولايات المتحدة وقوى عالمية أُخرى، لأنه لم يطرأ أيّ تغيير على موقف الولايات المتحدة وسلوكها حتى الآن، حيث ما زالت إدارة بايدن ملتزمة بسياسة إدارة سلفه دونالد ترامب، المتمثلة في سياسة الضغوط القصوى، ولم تعلن استعدادها بعد للوفاء بالتزاماتها الإجمالية كجزء من الاتفاق النووي؛ ولهذا تطالب واشنطن بالعودة أولًا.

من حيث المبدأ، يبدو واضحًا أنّ واشنطن وطهران لم يحسموا موقفهم بعد من الاتفاق النووي وماهيته الجديدة، لكن ثمة حقائق لا يُمكن لأحد أن يُنكر وجودها، تتعلق برغبة الطرفين بالعودة إلى الاتفاق، لكن الإشكالية التي تُعد عائقًا لبلورة اتفاق جديد، تتمثل في تسلسل الخطوات التي سيتم البناء عليها لهندسة اتفاق نووي جديد، حيث يُصر كل طرف على قيام الطرف الآخر بالخطوة الأولى، ويبدو أنّ السبب وراء ذلك هو انعدام الثقة بينهما، فـ إيران تخشى عدم رفع العقوبات كاملة، ومن ثم استغلال إدارة بايدن لها فيما يتعلق بالتفاوض على ملفات أخرى مثل الأسلحة البالستية، الأمر الذي ترفضه إيران جُملة وتفصيلًا. وفي المقابل يبدو أنّ إيران تتمترس خلف موقفها الرافض لأي مبادرات أوروبية أو أمريكية، بُغية الضغط على إدارة بايدن، حيث تريد الحصول على أكبر قدر ممكن من المنافع التي تترتب على عودتها إلى الاتفاق.

الرد الإيراني يرتبط أيضًا بأمر آخر يتمثل في وضع حدٍّ للمساعي الأمريكية والأوروبية، الرامية إلى تمرير قرار ضد إيران في الاجتماع القادم للوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ حيث يُتوقع أنّ يوجه القرار انتقادًا صريحًا لطهران لتقييدها وصول المفتشين إلى المواقع النووية، ومخالفتها أيضًا البروتوكول الإضافي بحجة أنها التزمت به طواعيةً.

حقيقة الأمر، إنّ رفض إيران لجُلّ المقترحات الأوروبية والأمريكية، يضع إدارة بايدن أمام تساؤلات جمّة، تتعلق بجدوى السياسات المتبعة تُجاه إيران، خاصة أنّ مطالب إيران في هذا الإطار واضحة، الأمر الذي يعني أنّ خيارات الإدارة الأمريكية محدودة، وبالطبع لا يتوقع أنّ تكتفي واشنطن بالتعبير عن خيبة الأمل، أو تأكيد الاستعداد لإعادة الانخراط في دبلوماسية ذات مغزى لتحقيق عودة متبادلة للامتثال لالتزامات الاتفاق النووي؛ ولكن يُفترض أن تتحرك في اتجاهات أُخرى تتوافق مع ما تريده إسرائيل في هذا الإطار؛ وقد ذكرت واشنطن أنها سوف تتشاور مع شركائها في “مجموعة 5 + 1 بشأن أفضل طريقة للمضي قدمًا”، وإذا ما استمرت واشنطن برفض فكرة العودة المتزامنة التي تطالب بها طهران، من المتوقع أنّ الخطوات التي قد تقوم بها هي الطلب من الاتحاد الأوروبي الامتناع عن فرض عقوبات إضافية على إيران من خلال الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وربما أيضًا السماح لبعض الدول ومنها كوريا الجنوبية بالإفراج عن أموال لإيران لديها، مقابل أنّ تنضم إلى المحادثات وتعود إلى الالتزام بأحد بنود الاتفاق الرئيسية التي تخلت عنها خلال العامين الماضيين؛ كمخرج لحالة الجمود التي لا تبدو أنها تخدم أيًّا من الطرفين.

نتيجة لذلك، وعطفاً على التهديدات والرسائل المتضاربة ما بين طهران وواشنطن، يبدو أنّ مشهد الشرق الأوسط أكثر إرباكاً وخطورة من الوضع الذي كان عليه في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، فإسرائيل تلوح بالتصعيد، وإيران على الرغم مما أثير عن محادثات سرية ترفض التفاوض، وبينهما إدارة بايدن حائرة بين الدبلوماسية والعمل العسكري، الأمر الذي يُثير التساؤلات حول نجاح مقاربة بايدن التي ترتكز على جرعات دبلوماسية، قد لا تُحقق نجاحًا في إحداث أيّ اختراق على صعيد الملفات الشرق أوسطية، لا سيما الملف الإيراني بجُزئياته كافة.

ختامًا، الرغبات الأمريكية والأوربية في التفاوض مع إيران دخلت نفقًا مُظلمًا، خاصة بعد رفض إيران عروض الاتحاد الأوروبي لجهة استئناف المحادثات النووية، بالتزامن مع تعليق طهران عمليات التفتيش والمراقبة التي تضطلع بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبينما وصف مراقبون الخطوات الإيرانية بأنها “ورقة إيرانية للمساومة والضغط” من أجل صفقة أفضل، عبّرت الإدارة الأميركية عن خيبة أملها، وأكدت أنّ الخيار الدبلوماسي مازال مطروحاً، لكن في جانب موازٍ، فقد زاد الرفض الإيراني الغموض حول مستقبل الاتفاق النووي، لكن حالة الضبابية لم تكن وليدة المستجد الأخير، فمنذ وصول الرئيس بايدن إلى البيت الأبيض، لم توضح إدارته ما إذا كان بمقدورها احتواء مخاوف دول الشرق الأوسط، على الرغم من عودة التنسيق الأميركي – الإسرائيلي مع طرح خيار المفاوضات، وتشكيل واشنطن وتل أبيب مجموعة عمل استراتيجية خاصة بشأن إيران، فإن المشهد بعموم تفاصيله يبدو حتى اللحظة ضبابيًا مُبهم تؤطره تحديات جمّة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى