اليمـن.. هـل بـدأ العـد العكـسي لحـرب بريـة؟

عندما قال الرئيس الأمريكي في مقابلته مع الصحافي ‘توماس فريدمان’، أن الخطر على “السعودية” هو داخلي وليس من إيران، فقد كان يشير بشكل ضمني إلى صراع الأجنحة على النفوذ داخل الأسرة الحاكمة، بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان و ولي عهد ولي العهد الأمير محمد بن نايف، لكنه في نفس الوقت أراد وضع مسافة بينه وبين ما يمكن أن يحدث من تفجير في المنطقة بين “السعودية” وإيران..

ذلك، أن الأمير محمد بن سلمان، وبسبب الحالة الصحية لوالده المصاب بالزهايمر في مرحلته المتقدمة التي أفقده التركيز والذاكرة ولم يعد قادرا حتى على توقيع القرارات والمراسيم، خطط لتعزيز سلطة الجيش الذي يرأسه على حساب قوات الأمن الداخلي الذي يتحكم فيها محمد بن نايف، من مدخل العدوان على اليمن، في محاولة للاستفراد بالقرار وتعزيز سلطته على كل مفاصل “الدولة”، الأمر الذي أثار مخاوف ولي ولي العهد وشكوكه من محاولة ولي العهد إقصائه، برغم دعم الولايات المتحدة له بسبب سياسته المناهضة للإرهاب..

وما يؤكد هذه الحقيقة، هو أن إعلان الحرب تم من قبل السفير السعودي من واشنطن حيث اتخذ القرار بعد أسابيع من المشاورات وليس من الرياض، وتم إعلام الملك سلمان به ساعات قبل بدأ العدوان على اليمن..

وهذا هو المعنى الدقيق لكلام قائد الثورة الإيرانية الإمام الخامنئي الذي قال الخميس، إن “السياسة الخارجية “السعودية” كانت تتمتع بالهدوء والوقار، لكن عدداً من الفتية السعوديين عديمي الخبرة باتوا يهيمنون على القرار ويمارسون الأعمال الوحشية”.. وهذا صحيح، لأنها المرة الأولى التي تقرر فيها “السعودية” خوض حرب مباشرة من دون تقدير دقيق لتداعياتها الكارثية على “السعودية” والمنطقة.

وتشير مصادر إيرانية أن لبريطانيا دور خبيث تلعبه من الخلف، بحكم معرفتها الدقيقة بالمنطقة، حيث يعتقد أنها هي من خططت لتتخذ الحرب على اليمن طابعا طائفيا لتخويف إيران وإبعادها عن التدخل، مخافة أن يؤدي ذلك إلى إفشال هدف “السعودية” بإعادة اليمن إلى حضيرتها، لما يمثله هذا البلد الفقير من عمق إستراتيجي خطير لأمنها القومي، بسبب مخاوفها من أن يتحول “الحوثي” إلى نموذج من حزب الله اللبناني يهدد خاصرتها الرخوة.

كما وأن تصريح كلام مساعد وزير الخارجية الإيراني السيد أمير عبد اللهيان الذي قال فيه: إن “على السعودية عدم الاعتماد على دعم واشنطن في هذه الحرب”، معناه، وفق ما نقل الزميل نضال حمادة لقناة المنار عن مصادر فرنسية عليمة، تأكيدها، أن الجانب الأمريكي أبلغ الجانب الإيراني أن واشنطن لن تتدخل عسكريا لدعم “السعودية” في اليمن، لأن إضعاف الحوثيين الذين يحاربون الإرهاب، سيحول هذا البلد الفقير إلى أكبر معقل آمن لـ”القاعدة” وحلفائها، ما يشكل خطرا على المنطقة وعلى المصالح الأمريكية فيها.

وهو ما يفسر إقدام الإدارة الأمريكية قبل أسبوع، على توجيه رسالة إلى الحكومة السعودية، تستفسر فيها عن سبب انتشار “القاعدة” بشكل غير مسبوق في الجنوب وحضر موت، جاء ذلك وفق ما أكدت المصادر الفرنسية المشار إليها أعلاه، أن المخابرات الأمريكية المتواجدة منذ عقود في اليمن، تعرف جيدا أن إضعاف الحوثيين في هذا البلد سوف ينتج عنه تعزيز قوة القاعدة ونفوذها في محافظات الجنوب الشرقي لليمن وجعل البلد ملاذا آمنا للقاعدة وفروعها، وللولايات المتحدة تاريخ من الصراع الخطير مع قاعدة اليمن تحديدا.

وكانت معلومات قد تحدثت قبل انطلاق العدوان، إلى أن الطائرات القطرية قامت بنقل أعداد هائلة من القاعدة إلى اليمن، ويلاحظ اليوم أن الطائرات السعودية بدأت بتزويد العناصر الإرهابية بالسلاح من الجو، تزامنا مع الحديث عن ما أسمته بـ”المقاومة” التابعة للعميل الفار منصور هادي، في محاولة لتصوير الأمر وكأن ما يحدث في اليمن هي حرب أهلية بين “المقاومة” و”المتمردين” الحوثيين على الشرعية، وهي المسرحية التي لم تنجح بسبب الحسم السريع الذي أنجزه الجيش اليمني واللجان الشعبية وأنصار الله في الميدان، وسقوط عدن وباب المندب ومناطق أخرى في الجنوب الشرقي كانت تسيطر عليها “القاعدة” وعصابات “الإخوان المجرمين” الداعمين للعدوان السعودي.

وكون أمريكا تصرح علنا بأنها تدعم “السعودية” لوجستيا واستخباراتيا في عدوانها على اليمن، فهذا معناه أنها تدفع الأمير المراهق محمد بن سلمان للتورط عميقا في المستنقع اليمني إلى أن ينسد الأفق أمامه، فتتدخل لفرض مشروعها المعد للحل في اليمن والسعودية معا..

لكن إيران المدركة لخطورة اللعبة، بعثت، وعلى لسان الإمام الخامنئي شخصيا، برسالة واضحة تقول، أن أمريكا ستتلقى صفعة مؤلمة في اليمن، وأن أنف السعودية سيمرغ في الوحل اليمني، وهذا معناه أن طهران لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما يحصل من إجرام وإبادة جماعية في حق الشعب اليمني، وشبهت العدوان السعودي على اليمن بالعدوان الإسرائيلي على غزة، في مقارنة معبرة عن أن غطرسة القوة لا يمكن أن تنتصر على إرادة الشعوب المقاومة.

وهو ذات التوقع الذي قال به سماحة السيد في إطلالته الأخيرة من على قناة الإخبارية السورية حين أكد، أن الهزيمة السعودية في اليمن هي من أوضح الواضحات، وسيكون لها تأثير على كل المنطقة لأنها باب فرج لمشاكلها.. وهذا يعني، وكما عودنا محور المقاومة، أن هذه الحرب التي تبدو بمثابة كارثة، وهي كذلك بالفعل، سرعان ما ستتحول إلى فرصة لتحقيق نصر إلهي كبير يعزز من قوة ومكانة ونفوذ محور المقاومة على حساب محور المؤامرة في المنطقة.

وسماحة السيد لا يطلق الكلام على عواهنه، وما كان ليؤكد ما قاله لولا توفره على معلومات دقيقة لما يرسم للمنطقة من سيناريوهات، وما حضر له محور إيران وروسيا والصين لإفشالها..

وبالتالي، فحين ذهبنا قبل أن تظهر كل هذه المعطيات للقول في مقالة “القطبية الخفية في الحرب اليمنية”، أن عدوان السعودية على اليمن هي خطة أمريكية لإنهاء نظام آل سعود منبع الإرهاب ومصدر الفكر التكفيري وتقسيم شبه الجزيرة العربية، لم نجانب الصواب..

وتشير معلومات تداولتها الصحافة الغربية، إلى أن المشروع الأمريكي القديم الجديد، يقضي باستغلال فشل السعودية المحقق في اليمن لتقسيمها إلى ثلاث مشيخات (نجد والحجاز والمنطقة الشرقية)، وتقسيم اليمن إلى يمن جنوبي ويمن شمالي، مع إلحاق الأراضي اليمنية المحتلة (نجران وعسير وجيزان) باليمن الشمالي، وهو ما يستدعي تدخلا بريا من قبل أنصار الله في هذه المناطق، من مدخل حرب التحرير، الأمر الذي لم يستبعده سماحة السيد في إطلالته الأخيرة حين قال،أن دخول “الحوثي” إلى “السعودية” أمر وارد، فهناك مطالبات باسترجاع المحافظات اليمنية الثلاث..

وإذا كانت السعودية قد فشلت في ضمان مشاركة باكستان وتركيا في عدوانها على اليمن، فهذا لا يعني أنها ستتراجع عن أهدافها، وهي التي أخذتها العزة بالإثم وقررت اللعب على حافة الهاوية، معتقدة أن فائض المال وقوة السلاح بالإضافة إلى تعهد السيسي والعاهل الأردني بالمشاركة في الحرب البرية من شأنه أن يحقق لها الانتصار..

ولسوء حظ “السعودية”، فباكستان، وبرغم أن رئيس وزرائها حليف وثيق لآل سعود وتربطه بأمراء المملكة استثمارات ضخمة بمليارات الدولارات، تراجع عن التزامه الأول حين أحال الأمر للبرلمان، والسبب وفق ما تذكر مراجع إعلامية موثوقة، هو دخول الهند والصين على خط الأزمة، فالصين التي ساعدت بلاده في صنع القنبلة النووية حذرت إسلام أباد من مغبة التورط في اليمن، أما الهند العدو الكبير لباكستان، فقد قامت بحملة ديبلوماسية سرية في الأمم المتحدة والكواليس الدولية، مطالبة بنزع سلاح باكستان النووي، لأنها دولة غير مسؤولة وهي على وشك الإقدام على مغامرة عسكرية خارج حدودها، هذا بالإضافة إلى الوضع الأمني الداخلي الهش بسبب التهديدات التي يواجهها الجيش الباكستاني من قبل القاعدة وطالبان باكستان معا، هذا بالإضافة للعامل الطائفي المخيف، حيث المكون الشيعي في هذا البلد يمثل 20 % من النسيج الاجتماعي..

كل هذه العوامل، جعلت البرلمان الباكستاني يتخذ الجمعة قرارا حاسما بعدم المشاركة في تحالف السعودية، ويقول بأن باكستان ستلعب دور الوساطة لحل الأزمة سلميا في الأمم المتحدة ومؤتمر القمة الإسلامي، إلا أن هذا القرار لم يمنع السلطات من القول، أن الشعب الباكستاني سيدافع عن “السعودية” إذا تعرض أمنها للخطر، ويوجد اليوم بالمنطقة الشمالية على الحدود مع العراق 100 ألف جندي باكستاني، بالإضافة لـ 30 ألف عنصر من الجيش الأردني، لحماية السعودية من أي ارتداد محتمل لجحافل “داعش” نحو أراضيها، بسبب الحرب التي أعلنها العراق في الأنبار ضد هذا التنظيم الإرهابي بعد تحرير تكريت وإعلان الحكومة العراقية أن الحشد الشعبي أصبح مؤسسة عراقية رسمية، لقطع الطريق على حملات التحريض الطائفي التي تستهدف البلاد.

أما تركيا، التي أعلن رئيسها في البداية دعمه للعدوان السعودي على اليمن، وحمل رسالة من الأمير محمد بن نايف إلى طهران مفادها، أن السعودية جادة في حربها ضد الحوثيين، وأن اليمن خط أحمر بالنسبة لها، وترفض تدخل إيران في الصراع، لكنها مع حل سياسي ترعاه الرياض حفاظا على أمنها القومي.. فقد انقلبت رأسا على عقب، وأعلن أردوغان خلال زيارته لطهران أنه يفضل لعب الوسيط بين “السعودية” وإيران، لأن تركيا بعيدة عن اليمن ولا علاقة لها بالصراع هناك، وترفض أن يفهم الصراع كما لو كان سنيا شيعيا قد يحرق المنطقة برمتها.

وحقيقة الأمر، أن لأردوغان أهداف انتهازية واضحة تفسر عشقه للرقص في كل الساحات وعلى مختلف التناقضات، الأول سياسي، والثاني اقتصادي..

بالنسبة للهدف الاقتصادي، وبعد أن فقد أردوغان أوراقه في العراق وسورية وشعر بالعزلة الدولية، وبدأت أوضاع تركيا الاقتصادية تتدهور بشكل ملموس، وبعد أن تيقن أن الاتفاق النووي بين المجموعة “الدولية” وإيران أصبح في حكم الناجز، قرر التقارب من إيران وتقديم بعض التنازلات السياسية مقابل ضمان مرور النفط والغاز الإيراني إلى أوروبا عبر بلاده بدل العراق وسوريا واليونان، بالإضافة لرغبته في أن تخفض طهران ثمن الغاز ليضاعف حجم مشترياته بنسبة 25 %، ناهيك عن الفرص الاستثمارية الضخمة التي تمثلها السوق الإيرانية بعد رفع العقوبات.

أما الهدف السياسي، فيتعلق بوهمه العثماني، ورغبته في أن تكون تركيا القوة الكبرى الممثلة للطائفة السنية في المنطقة، لخلق نوع من التوازن مع إيران، وهذا بالتحديد ما ترغب به واشنطن أيضا، وبالتالي، فأردوغان لا يمانع في أن تغرق “السعودية” في الوحل اليمني، بل يتمنى ذلك من كل قلبه، وهو اليوم يفرك يديه فرحا في انتظار الكارثة، خصوصا وأن تورط مصر في الحرب البرية في حال قرر السيسي المقامرة بجيشه، سيمكنه من وضع ثقل الإخوان في مزيد من التفجير بالمحروسة..

ووفق ما أوردته وكالة الأناضول التركية للأنباء نقلا عن موقع أمريكي نشر معلومات يقول أنه استقاها من مصادر مقربة من دوائر القرار بواشنطن، فإن ا”السعودية” قد اتخذت قرارا نهائيا بدخول الحرب البرية في اليمن مهما كلف الأمر، وهناك حراك الساعات الأخيرة لدفع مصر كي تحسم موقفها النهائي من المشاركة، فهي تشارك اليوم في القصف الجوي والبحري من خلال بوارجها الحربية الأربعة الرابضة قبالة عدن، وفي حال تراجع ‘السيسي’ عن تعهداته التي قطعها للرياض في هذا الشأن، فالسعودية ستنتقم منه بتفجير المحروسة بالتعاون مع قطر وتركيا، والرجل اليوم في موقف لا يحسد عليه.

إيران المتوجسة من هذا الدور، بعثت ببارجتين حربيتين إلى باب المندب لتراقب الوضع عن كثب، والمسؤولون الإيرانيون أكدوا أنهم يرفضون تدخل أي دولة في العدوان على اليمن، وأنهم لن يسمحوا بدلك أبدا، ما يوشي بأن الأمور قد تنفلت من عقالها، خصوصا وأن الخطاب الإيراني هذه المرة اعتبر الأقوى والأعنف، ما يشير إلى أن إيران جادة في تحذيرها، ويدعمها في ذلك حلفائها، وخصوصا روسيا التي تريد أن تصفي حساباتها المعلقة مع السعودية بسبب حرب النفط التي أعلنتها عليها، والصين التي ترغب في كسر أنف أمريكا في المنطقة بسبب محاولاتها المحمومة لتخريب مجالها الاقتصادي الحيوي في الشرق في إفريقيا.

وتمهيدا للحرب البرية المحتملة، كانت “السعودية” قد قامت بإزالة حوالي 90 قرية على طول الشريط الحدودي مع اليمن، وأفادت الأنباء عن نشرها الجمعة لمدفعيتها الثقيلة على مشارف صعدة وحجة، وبدأت بقصف تمهيدي لمنطقة حجة، في محاولة لرصد رد فعل أنصار الله على ذلك..

هذا في الوقت الذي تتحدث مصادر أمريكية عن أن الحديث عن تدخل البري عبر إنزال جوي لفرق كوماندوس و وحدات قتالية من البحر في عدن، هو مجرد مناورة لدفع أنصار الله والجيش اليمني واللجان الشعبية للتركيز على منطقة الجنوب، في حين أن الهجوم سيكون من الشمال، لأن الهدف هو الحوثيين وجيش “صالح” كما يسمونه..

لا نعلم أي السيناريوهات هو الذي سينفذ إن حصل هجوم بري كما تؤكد عديد المصادر، ولا نعلم متى سيبدأ، لكننا نستطيع القول أنه لن ينتهي كما ترغب “السعودية”، بل تماما كما قال سماحة السيد وبشر الإمام الخامنئي، ليدفن آل سعود اليهود ومن يدعمهم في المستنقع اليمني إلى الأبد، فينتهي شرهم، وتراح المنقطة، ويعم السلام العالم..

قد تكون الحرب طويلة، ولكن في اليمن يصنع اليوم مستقبل المنطقة العربية، ومن اليمن ستولد الأمة الإسلامية الجديدة، ليعم الأمن والسلام والرخاء..

إنه عصر الشعوب المستضعفة التي بشر به تعالى في قرآنه، وتحدثنا عن تباشير ظهوره في أكثر من مقالة..

أحمد الشرقاوي | بانوراما الشرق الاوسط

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى