“بومبيو قالها صراحةً”… هل “انقلبت” واشنطن على المبادرة الفرنسية؟!

يتّفق الكثير من المراقبين والمتابعين على أنّ “المبادرة الفرنسية تترنّح”، أو أنّها، بالحدّ الأدنى، قد “جُمّدت” حتى إشعارٍ آخر، باعتبار أنّ المهلة التي مُنِحت للبنانيين لتشكيل الحكومة انتهت على “عُقَدٍ” جديدة وُضِعت في وجه الرئيس المكلّف مصطفى أديب، وكأنّ شيئاً لم يكُن.


 

يستند أصحاب هذه المقولة إلى سلسلةٍ من المؤشّرات غير المطمئِنة، بالحدّ الأدنى، التي ظهرت في الساعات الأخيرة، بينها التسريبات الإعلامية التي لوّحت بـ “جدية” خيار اعتكاف الرئيس المكلّف، في “ردّ ضمني” على محاولة “محاصرته”، عبر “فرض” طريقة التشكيل التقليدية عليه، الأمر الذي كان قد رفضه منذ اليوم الأول.

 

لكنّ مؤشّراً آخر على “ترنّح” المبادرة الفرنسية ظهر في الساعات الماضية أيضاً، من خلال “الضربة المعنوية” التي تعرّضت لها من “الحليف الأميركي”، وذلك عبر تصريحات وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو، الذي حذّر صراحةً فرنسا من أنّ جهودها “قد تضيع سدى”، إذا لم يتم التعامل “على الفور” مع مسألة سلاح “حزب الله”.

 

نظرية “التكامل”

 

منذ الإعلان عن المبادرة الفرنسية لحلّ الأزمة اللبنانية، حُكي الكثير عن موقف “ملتبس” لواشنطن منها، بين من اعتبر أنّ الإدارة الأميركية “غير راضية” على أداء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في لبنان، ومن أكّد أنّ الأخير ما كان ليُطلِق أصلاً أيّ مبادرة، لو لم يحصل على “مباركة” الإدارة الأميركية، وبالتالي موافقتها.

 

استند أصحاب الرأي الأول إلى الكثير من المؤشرات، من بينها “التناقض” في الشكل قبل المضمون، بين زيارتي ماكرون ومساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد شينكر الذي اختار “مقاطعة” القوى السياسية بالمُطلَق، ولكن أيضاً إلى تعامل ماكرون مع “حزب الله” تحت عنوان “الواقعية”، والذي أدّى إلى إشراك “حزب الله” في صلب مشاوراته، ما يتناقض مع “الأجندة” الأميركية.

 

لكنّ شينكر نفسه عاد وأكد نقيض هذا الرأي، بإعلانه صراحةً في مقابلاتٍ إعلامية وجود “تنسيق” بين الولايات المتحدة وفرنسا حول المبادرة، ما عزّز وجهة النظر القائلة بـ “تكامل” بين الطرفين، في سبيل إنجاح المبادرة، ولو على طريقة “العصا والجزرة”، أو “توزيع الأدوار”، لضمان تحقيق الغايات المنشودة، في ضوء الاتفاق على أنّ هذه المبادرة تشكّل “الفرصة الأخيرة” لإخراج لبنان من “النفق”.

 

“امتعاض… وتراخٍ”

 

مع صدور العقوبات الأميركية الأخيرة على لبنان، والتي شملت الوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس، والتهويل بدفعةٍ ثانية ستشمل رجال أعمال وسياسيّين من الصفّ الأول، لم يخفّ وهج نظرية “التكامل”، بل ذهب أصحابها للحديث عن “ضغطٍ” يمارسه الأميركيّون على القوى اللبنانية، بما “يخدم” المبادرة الفرنسية ولا يتناقض معها.

 

بيد أنّ تصريحات بومبيو الأخيرة حول “نسف” جهود ماكرون، أعادت “السجال” إلى مربّعه الأول، ليعود الحديث عن “امتعاضٍ” أميركيّ، يربطه البعض بالمستجدّات على الأرض، والتي أوحت بوجود “تراخٍ” فرنسي في التعامل مع الواقع اللبنانيّ، بل ذهاب البعض لحدّ توقّع “الرضوخ” لشروط “حزب الله” من أجل تشكيل الحكومة، وكأنّ شيئاً لم يكن.

 

ويعتبر البعض أنّ الاتفاق بين الأميركيين والفرنسيين كان واضحاً من البداية، على منح المبادرة “فرصتها”، ولكن خلال مهلةٍ محدودةٍ بأسبوعيْن “غير قابليْن” للتجديد، بخلاف ما يبدو “واقعاً” اليوم، كما أنّ الدعم الأميركي للمبادرة كان “مشروطاً” بأن تؤدّي إلى إخراج “حزب الله” من الحكومة، الأمر الذي لا توحي معطيات الداخل أنه قابلٌ للتحقّق، حتى تحت ضغط سيف “العقوبات” المسلّط على الرقاب.

 

لكن، مقابل هذا الرأي، ثمّة من لا يزال ميّالاً لنظرية “التكامل والتنسيق”، بعيداً عن فرضيّة “الانقلاب”، ويضع التصريحات الأميركيّة في خانة “الضغط” على اللبنانيّين لإدراك أنّ “تضييع” الفرصة الاستثنائيّة المُتاحة اليوم، سينقل زمام المبادرة من باريس إلى واشنطن، التي تبدو “إدارتها” مستعجلة أصلاً لحسم الملفّ قبل أن تتفرّغ لانتخاباتها “المفصليّة” في مطلع تشرين الثاني المقبل.

 

بين هذا وذاك، قد يكون الأهمّ اليوم من تحليل “التكامل” أو “الانقلاب” على خطّ المبادرة الفرنسية، العمل على “الاستفادة” منها فعلاً، لأنّ “التفريط” بها لن يعيد الأمور إلى النقطة الصفر، بل سيسرّع السقوط إلى الهاوية، ولو أنّ البعض قد يفضّل هذا الخيار على “الرضوخ”، في سياقٍ “استراتيجي” قد يكون “مبرَّراً”، لكنّه يبقى “باهظ الثمن” على الجميع…

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى