بين ليل الوطن الطويل وديمقراطية النهب

منذ انتهاء الإحتلال العثماني الذي جثم كالكابوس على صدور العراقيين لأربعمائة عام، ونشر ظلامه الطويل على كل شبر من أرض العراق. وقيام الإحتلال البريطاني على أنقاضه ، ظل الشعب العراقي يعاني من ثالوث الفقر والجهل والمرض نتيجة لعدم تحمل الحكام مسؤوليتهم الأخلاقية والوطنية نحو شعبهم. ولكن رغم أوجاعه وجراحه وشراسة أعدائه لم ولم يرضخ لبطش الغاصبين وظلمهم وسرقاتهم . ولا لحكام حكموه بالنار والحديد ، وصادروا حريته.فقام بثورات عديدة لقنتهم دروسا لاتنسى في الدفاع عن حقوقه، وضحى بآلاف الشهداء من أجل هذا الهدف النبيل. وأدرك المحتلون إن استعباد الشعوب ليس نزهة تقوم بها جيوشهم مهما أشتد قهرها وجبروتها. فترك المستعمرون العراق صاغرين لكنهم وضعوا وصايتهم غير المباشرة عليه بتنصيبهم ملكا تابعا لهم، تحت مسمى (الحكم الوطني) لتنفيذ مخططاتهم.

وظل الحال يراوح في مكانه تحت ظل النظام الملكي، لكن عزيمة الشعب لم تضعف،وساحات الكفاح لم تخلُ من تحركات الاحرار المناضلين الذين ضحوا بأرواحهم من أجل نيل الإستقلال التام الناجز. والثورات العديدة شاهدة يزخر بها تأريخ العراق الحديث. إلى أن توج الشعب نضاله بثورة الرابع عشر من تموز الوطنية التحررية المجيدة عام 1958م بقيادة الزعيم الوطني الخالد عبد الكريم قاسم الذي كان همه الأول والأخير النهوض بالعراق إلى مصاف الدول الراقية، وتحسين الحالة المعيشية لفقرائه وكادحيه، وبناء الدور السكنية لهم، وإنشاء المستشفيات والمدارس والجامعات، ومد شبكة من المواصلات الحديثة بين المدن العراقية، ورفض الهيمنة الخارجية ،والقضاء على الإقطاع الذي كان يمتص دماء الفلاحين، لكن دهاقنة الإستعمار وعملائهم في الداخل لم يرق لهم ذلك حتى تم القضاء على الثورة وقائدها في انقلاب الثامن من شباط الدموي الأسود عام 1963م حيث انقضت قوى الردة والعمالة والجريمة المتمثلة بحزب البعث الفاشي والقوى الرجعية على الثورة وقائدها انقضاضا دمويا وقتلته مع رفاقه المناضلين كشفوا فيها كل خستهم وغدرهم وحقارتهم ودفين حقدهم على ألزعيم ورفاقه الأحرار مستغلين مقولته الشهيرة (عفا الله عما الله عما سلف).

وبعد أن أستتب الأمر لحزب البعث المجرم قام أفراده بسلسلة طويلة من المجازر، وعمليات الإغتيال التي تركت آثارها الكارثية على العراق وشعبه إلى يومنا هذا.

وقد ضربت الدكتاتورية الصدامية التي حكمت الوطن لثلث قرن المثل الأسوأ في قمع الحريات، وسادت فترة مظلمة أخرى لم يشهد لها تأريخ العراق مثبلا، ونفذت مئات الآلاف من عمليات الإعدام الأخرى في سجون النظام السرية ، وطوردت القوى الوطنية وعاثت الشراذم الصدامية فسادا في العراق. واستولى رأس النظام وعائلته وعشيرته على مصادر الثروة، وتصرفوا بها وفق ماتشتهي أنفسهم ثم أعدم عددا من رفاقه القدامى في ساعات ، وأسفر عن تعطشه للحروب الخارجية فهجم على الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الثاني والعشرين من أيلول عام 1980م ودامت تلك الحرب الدموية ثمان سنوات قضت على مليون إنسان من الشعبين، وحطمت إقتصاد البلدين بتحريض من حكام أمريكا والغرب والسائرين في فلكهما من أباطرة البترول الذين ضخوا مليارات الدولارات من خزائنهم لبقاء أوار تلك الحرب العبثية مشتعلا إلى أطول مدة ممكنة لكي تحصد المزيد من أرواح البلدين، وركب الوهم شخص الدكتاتور ببناء مجد شخصي على جماجم أبناء العراق بتشجيع واسع النطاق من الإعلام العربي الديماغوئي الرخيص الذي لم يتصف يوما بأدنى صفات الموضوعية والشهامة والقيم الأخلاقية العربية الأصيلة، فأطلق صفات البطولة الفارغة على صنم القهر والإستبداد لأسباب طائفية وعنصرية لاتخفى على بال لبيب عايش تلك الفتره.

لكن سرعان ماانقلب الدكتاتور على أسياده والعملاء الذين ساندوه في حربه ضد إيران. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، وأدت إلى إفلاس العراق، وانهيار العملة الوطنية ، تصاعد الغرور الفارغ في رأس الطاغية فعالج الأمر بالتي كانت هي الداء وهذا هو شأن الحاكم المستبد. وادعى بأنه سيحرق نصف إسرائيل بالكيمياوي المزدوج في تصريحاته الدعائية البهلوانية المعروفة حين جمع مجموعة من قادة الجيش في نيسان عام 1990م ليكسب المزيد من التأييد الشعبي في الشارع الشعبي العربي المضلل. وتوج تلك التصريحات باحتلاله الكويت في الثاني من آب عام 1990م فكانت أم المهالك التي تركت آثارا كارثية أخرى لاتطاق على الملايين من العراقيين ووجدت الإمبريالية الأمريكية ضالتها في هذا الحاكم المتهور من خلال تصرفاته الهوجاء لتحقق مآربها فاحتلت العراق. وفرضت الحصار الجائر على الشعب الذي قضى على مليون طفل، وصرحت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك بأن أمريكا لاتهتم لذلك. وأشعل الحاكم المدني بريمر نيران الطائفية من خلال مجلس الحكم، ورسخ نظام المحاصصة، وأسس لديمقراطية النهب العرجاء. وشجعت على عمليات الفساد.

وفتحت قوات الإحتلال أبواب العراق على مصاريعها لقطعان الإرهاب، وتوالت على الوطن الذبيح حكومات المحاصصات المتنافرة الإتجاهات، والمعدومة الكفاءات، ودخل أفرادها في سباق محموم لإملاء جيوبهم وإتخام بطونهم بالمال الحرام متجاهلين تماما معاناة الشعب الطويلة. وتحولت المناصب الكبرى إلى حصص تجارية تباع وتشترى فيما بين أحزابها التي تنكرت لمعاناة الشعب الطويلة تحت إغراء المال الحرام، ونهشت العناصر الطفيلية كل جزء من جسم الوطن كما تنهش الضواري الجائعة جسم ضحيتها لايردعها دين ولا ضمير ولا خوف من الله ولا احتجاجات المحتجين بعد أن روجت كثيرا للإصلاح والقضاء على الفقر والبطالة والخراب والفساد، ووضع الخطط الناجعة لتطويق الإرهاب والحد من شروره ، لكن على شاشات الفضائيات فقط. وضاعت دولة المواطنة في صخب الفوضى الخلاقة .وتكالبت قوى الإرهاب، وقوت شوكتها نتيجة للدعم الخارجي المستمر من أعداء العراق، وصبغت حاراته وشوارعه بدماء مئات الآلاف من الأبرياء في ظل هذه الصراعات النفعية بين الأقطاب. ومرت الأعوام ثقيلة كثقل الجبال مرهقة كاهل المواطن البسيط ، وظل الدم العراقي البريئ يسيل ويسيل، وظلت الطبقات المسحوقة محرومة من أبسط حقوقها الإنسانية في التمتع بخيرات الوطن العراقي الذي أغدقه الله بثروات تكفي لأن يعيش أضعاف سكانه عيشا كريما.

وفي ظل هذه الصراعات المستمرة تكالب الحكام من جيران العراق صغيرهم وكبيرهم عليه،فخنقوه بحريا، واحتلوا جزءا من أراضيه، وهددوا بابتلاع بعض مدنه. وكشف (الشريك )عن وجهه البشع لـ (يرسم حدوده بالدم ) وأخذ يقوم مع إبن أخيه بزيارات مكوكية ليقدم الولاء والطاعة للسلطان العثماني المتعفرت الذي لايتوانى عن إطلاق فحيحه الطائفي المستمر نحو العراق، وشكوى دائمة من (شركاء) آخرين يطالبون بإطلاق سراح المجرمين، ويلجأون باستمرار (للأم الرؤوم) أمريكا بعد أن كانوا فرسان مقاومة ضد الإحتلال ليشتكوا في حضرة رئيسها على (شركائهم) وأخذوا يعقدون المؤتمرات تلو المؤتمرات في قطر وإستانبول وعمان يتحدثون فيها طويلاعن نظرية( الإقصاء والتهميش ) التي أصبحت لافتتهم الرئيسية بعد كل حكومة يتحاصصون عليها. وينطلق تصريح لسفير عراقي يمثل الدولة العراقية في الخارج بقوله (لايشرفني أن أكون عراقيا !!!) ونائب كردي آخر يعلن (إن وحدة العراق باتت تمثل خطرا على العالم!!!) وآخر يرفع عقيرته ليقول (إن حدود كردستان تمتد من زاخو إلى علي الغربي حسب الوثائق العثمانيه!!!)

وجميع هؤلاء يغرفون من خيرات العراق ، وتوفر لهم الحكومة العراقية حمايات وامتيازات.ورئيس الجمهورية (حامي الدستور) صامت صمت أبي الهول إزاء كل انتهاك خارجي وداخلي لسيادة العراق وكأن الأمر لايعنيه .

لقد جبت شخصيا في العديد من مدن وطني الجنوبية المنكوبة التي يسمونها آمنة بعد غربة طويلة عن الوطن وفي ذهني أن أقول للغربة وداعا وأقضي ماتبقى من عمري في وطني بعد أن بلغت من العمر عتيا. لكن الحديث ذو شجون فلم أشاهد سوى الأضداد تحت سماء هذا الوطن. فقر مدقع وثراء فاحش، بؤساء يبحثون عن لقمة العيش لم ينجدهم أحد من أصحاب الثراء والكثير منهم يتستر بالدين ويعلمون جيدا إن الله قال في محكم كتابه العزيز:

(وفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ.) الذاريات:19 .

وإن رسول الله ص قال:

(من بات ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.)

(الناس كلهم عيال الله وأحبهم لله أنفعهم لعياله.)

رأيت متنفذين في دولة النهب وقد جعلوا من العشيرة والحزب ، والمصالح الفردية الأنانية عناوين لهم لتغطية فشلهم في الحكم.

رأيت محاصصة تحولت إلى نهج ثابت في كيان الدولة وتعتبرها رؤوس الحكم من أقدس المقدسات.وجهاز إداري ينخر فيه الفساد حتى العظم ولا يوجد أثر للحكومة الألكترونية التي روج لها الإعلام الحكومي كثيرا.

رأيت فواتير الكهرباء تقصم ظهر الموظف البسيط والمتقاعد المنهك. ورواتبهم الضئيلة معرضة للقضم شهريا إلى حد الربع بحجة مساعدة الحشد الشعبي وكل من ينتمي للحشد الشعبي يقول إنه لايعرف شيئاعن هذه الأموال المستقطعة.!!!

رأيت موظفين بسطاء يشكون من فاتورة الكهرباء التي زادت قيمتها على رواتبهم المتواضعة.

رأيت متسولين ومتسولات يجوبون الشوارع والأسواق والكراجات وهم يطرقون الأبواب صباح مساء، وفيهم نسبة كبيرة من المراهقين والمراهقات ولا جهة مسؤولة تلتفت لهذه الظاهرة الإجتماعية الخطيرة لأن الجماعة لايهمهم شيئ سوى المال والجاه على حساب هؤلاء المنسيين.

رأيت البطالة المقنعة على نطاق واسع ،وشبابا تخرجوا من الكليات والمعاهد منذ سنين يعملون حمالين وبقالين وبائعين لمواد بسيطة على الأرصفة ولم يلتفت إليهم أحد.

رأيت عمالا وعاملات متعبين يتقاضون 200 ألف دينار شهريا وتستقطع ربع رواتبهم وهم لايعرفون السبب.

رأيت العشرات من الأرامل المسنات اللواتي أناخ الزمن ظهورهن،وقد حرمن من راتب الرعاية الإجتماعية البسيط.وقصص كثيرة لاتسع لها عشرات الصفحات. ولسان حالهم يقول:

إذا كان خصمي حاكمي ماسأصنعُ
لمن أشتكي بلواي أو أتوجعُ

ورأيت أيضا من يتهيأ مبكرا للدعاية الإنتخابية للفوز بالغنيمة ، وهناك من يضحي بروحه في جبهات القتال ضد الدواعش الأشرار.ولله في خلقه شؤون.

رأيت متسولين ومتسولات يجوبون الشوارع والأسواق والكراجات يطرقون الأبواب صباح مساء، وفيهم نسبة كبيرة من المراهقين والمراهقات ولا جهة مسؤولة تلتفت لهذه الظاهرة الإجتماعية الخطيرة لأن الجماعة لايهمهم شيئ سوى المال والجاه .

رأيت شبابا وفتيانا يتعاطون المخدرات عن طريق ( المعسل ) الذي يدخل البلد من كل حدب وصوب ولا مسؤول يلتفت لذلك.

رأيت مجموعات من الكلاب السائبة تتنقل بين أكوام القمامة المنتشرة في كل مكان وهي تسرح وتمرح على راحتها لأن المسؤولين عن صحة الإنسان العراقي ( رحماء )ومن دعاة (الرفق بالحيوان ) لكنهم ذووا بأس شديد بينهم على تقاسم كعكة العراق المغمسة بالدم.

لم أجد قاعدة صناعية ولا زراعة، ولا خطط تعليمية متطورة، ولا بيئة نظيفة ،ولا نظام صحي لائق بشعب العراق، ولا شوارع حديثة ولا متنزهات، ولا جهاز إداري كفوء.

والجميع يمارس لعبة الحكم والمعارضة في آن واحد فتعطلت القوانين واختلط الحابل بالنابل.

وأتساءل من المسؤول عن هذه المآسي الكبرى ؟ وأتمنى أن يجيبني أحد هؤلاء المتخمين ويكون صادقا مع نفسه ولو لمرة واحدة ويقول أليست دولة النهب في حالة تقشف بعد أن أهدرنا فيها المليارات، فلماذا تجورون عليها، وتطالبون بحقوق لاتستحقوها أيها المظلومون.؟

وأخيرا سمعت تصريحات نارية من رئيس الوزراء الحالي ضد المفسدين وهو يهددهم بتقديمهم للمحاكم وتكاد السنة الثالثة من ولايته تنتهي والجعجعة ماضية في تصاعدها دون طحين، والوطن مازال غنيمة بين لصوص ماهرين يعرفون من أين تؤكل الكتف، ونتيجة لذلك لم يعد المواطن العراقي البسيط يأمن على حياته وحياة أطفاله وعائلته في ظل هذه الدوامة الرهيبة من الفوضى مما أضطر الملايين من العراقيين إلى مغادرة وطنهم على مضض ، تاركين قلوبهم وجذورهم العميقة وذكرياتهم الغالية في وطنهم الذي أحبوه والتصقوا به لتتناهب أجسامهم أصقاع الأرض، معرضين أنفسهم لأفدح الأخطار تحدوهم الرغبة الجامحة بإيجاد ملاذ آمن لهم يحمي كرامتهم وآدميتهم. بعد أن إبتلعت أمواج البحار المئات منهم.ومن خلال مكوثهم يظلون يحلمون بالعودة بعد رحلة العذاب التي رافقتهم.لكنهم يصابون بخيبة أمل كبرى لما آل إليه وطنهم. ومادام الوضع على حاله فستظل مسيرة الإغتراب المحفوفة بالمخاطر الجمة مستمرة.

أنا أعلم إن العديد من المواقع الألكترونية التي أصيبت بداء المحاصصة تقف بالمرصاد لمقالي هذا لو بعثته إليها. لكني لم ولم أبعث بكلمة بعد اليوم إلا للمواقع التي تحترم الكلمة الحرة الصادقة حتى لو بقي واحد منها يكفيني ذلك.

وأحب أن أذكر في نهاية مقالي إن مرجل التذمر من هذه الأوضاع المزرية يغلي ويغلي وسينفجر الوضع يوما بثورة شعبية عارمة لو ظلت هذه الوجوه الكالحة تحكم الشعب لمرحلة قادمة أخرى مظلمة.

لقد ذكرت هذه الحقائق التي لمستها بنفسي دون أن تكون لي عداوة مع أحد والله شاهد على كل حرف دونته.فأنا مواطن بسيط أحب وطني ولا أحلم بشيئ سوى العيش فيه دون أن أرى فيه حيتان الفساد والطائفية والعنصرية الذين نهشوه نهشا رهيبا.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى