تحالفات غير تقليدية.. الكيان الاسرائيلي و السعودية

لكي نفهم التغيرات الجيوسياسية في بنية الشرق الأوسط، علينا التعمق في الاستراتيجية الامريكية الثابتة حيناً، والمُتغيرة أحيان كثيرة. فالاستراتيجية الأمريكية وإن اختلف نهجها التكتيكي المُعتمد حلاً لأزمات الشرق الأوسط، إلا أن الوقائع تفرض مشهداً رسخته انجازات الميادين في سوريا والعراق واليمن، خاصة أن اعترافات المسؤولين الأمريكيين أقرّت بالفشل الاستراتيجي لـ واشنطن في الشرق الأوسط، وليست أخر الاعترافات تلك التي قالها السفير الأميركي السابق في دمشق روبرت فورد، حول فشل المخططات الأمريكية وتلاشي أحلام واشنطن. وهو نفسه الذي قال بتاريخ 20/6/2016 وفي مقابلة مع جريدة الشرق الأوسط، أن على ترامب الذي يسعى لتقليص النفوذ الإيراني أن يُدرك أن أمريكا تأخرت كثيراً واللعبة انتهت، حيث أن أوباما لم يترك لإدارة ترامب الكثير من الخيارات.


وعليه، فإن واشنطن تُدرك أن لا عودة لمجدها التاريخي في ظل طبيعة التحالفات القائمة في المنطقة، والتي أفرزت قوى إقليمية ذات تأثيرات ناظمة للخارطة الجيو سياسية في الشرق الأوسط. وبناء على الفشل الاستراتيجي لـ أمريكا في المنطقة، بات من الضروري البحث عن إصطفافات جديدة، تكون سبباً في بناء تحالفات تكتيكية، تُشكل في ماهيتها الوجه الأخر للاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. وبالتالي فإن المنطقة باتت مهيأة لاستقطابات إقليمية انطلاقاً من المصالح والأهداف المُشتركة في كل محور، الأمر الذي يشي بأن خارطة التحالفات الإقليمية ستحكمها طبيعة المصالح. مثال ذلك، قد تتقاطع المصالح الاسرائيلية و السعودية في قضية الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة، كما أن واشنطن وضمن هذه الجُزئية، ستقوم بالإشراف مباشرة على هذا التحالف التكتيكي بين الرياض وتل أبيب، بُغية تشكيل عوامل دافعة، تُحقق استمرار الهيمنة الامريكية في المنطقة، عبر تلك التحالفات.

في جانب أخر، فإن التّيه السياسي الذي تُعاني منه السعودية ، سبب لها ضياع في الرؤى الاستراتيجية، وقد ساهمت واشنطن في بناء هذه الرؤية، عبر الاعتماد على مقومات الحرب الناعمة، لجهة تحقيق نظرية ايران فوبيا، الامر الذي انتقلت على اثره السعودية إلى البحث عن تحالفات مضادة وغير تقليدية مع الكيان الاسرائيلي.

هذا الوهم الذي نجحت واشنطن في تسويقه، سيساهم في إرباك السياسية الخارجية للسعودية، ويستنزف مقدراتها الاقتصادية، ويُشتت تركيزها الاستراتيجي، دون الإدراك بأن قدمها التي وضعتها في تحالف غير تقليدي، لن يُحقق لها أي مصالح استراتيجية. فقد بات واضحاً، أن حالة الإحماء السياسي التي تُهندسه السعودية ، استعداداً لمرحلة الهرولة نحو اسرائيل، إنما هو هروباً لكن بالاتجاه المعاكس.

فالسعودية تعتقد بأن التحالف مع اسرائيل، سُيحقق لها أرضية صُلبة للهيمنة على الشرق الأوسط، وفي جانب أخر، تعتقد السعودية أن بنية هذا التحالف الغير تقليدي وماهيته، سيزيد من قوتها في وجه إيران، لكن الحقائق التي تغفل عنها الرياض، أن الهرولة نحو اسرائيل قد اسس لتربة خصبة، قامت واشنطن باستغلالها عبر عمليات الاستنزاف الامريكي لمواردها، ذلك من خلال مبيعات الأسلحة الحديثة التي ستردع ايران، والمشاريع السعودية غير الواقعية، التي تدفع فواتيرها لواشنطن، وبالمقابل تستخدم واشنطن فوائد هذه الفواتير، وذلك لتغطية تكاليف دعمها للكيان الاسرائيلي.

التحالف الجديد الذي بدأت تتضح معالمه بين الرياض وتل أبيب، سيُحدث تغييرات جيوسياسية شرق أوسطية، وستكون أولى إفرازاته تعقيد المشهد السياسي في المنطقة، وإحداث المزيد من التصدعات في بنية النظام الاقليمي. فبينما تروج اسرائيل نفسها لدى بعض الأنظمة العربية، على أنها حليف موثوق ويُمكن الاعتماد عليه، لمواجهة النفوذ الايراني في المنطقة، يشهد الصراع العربي الاسرائيلي حالة من الركود في الشرق الأوسط، وذلك بسبب عوامل داخلية مُتعددة، وعدم قُدرة جُلّ الدول العربية لحل هذا النزاع.

علاوة على ذلك، أصبحت منطقة الشرق الأوسط غارقة في الحروب، التي أدت بدورها إلى عدم تركيز الجهود من أجل دعم القضية الفلسطينية وإعادة الأراضي المحتلة. أما التطورات التي استجدت خلال السنوات الأخيرة، أكدت على غياب مبادرة حقيقية لدعم القضية الفلسطينية، وغياب التجديد في نهج وتوجهات الأطراف المنغمسة في الصراع؛ بما في ذلك الجهات الفاعلة الخارجية التي تبنت القضية الفلسطينية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، واعتبرتها في الوقت الراهن من المسائل الثانوية. عطفاً على الثمن الباهض الذي دفعته القضية الفلسطينية، جراء التحولات الدبلوماسية في مصر والأردن تُجاه اسرائيل، الأمر الذي أدى إلى تغير دراماتيكي في طبيعة الصراع مع الكيان الاسرائيلي.

في هذا الإطار، فإن طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي، والفلسطيني الإسرائيلي، قد اتخذ مساراً مُختلفاً عن جوهر الصراعات التي تدور في رقعة شطرنج الشرق الأوسط، وبعد أن تم إزاحة الصراع العربي الإسرائيلي من جدول أعمال بعض الحكومات العربية، الأمر الذي أفقد الشعوب العربية سبباً يوحدها، وفي ذات التوقيت أوجدت سبباً يُعلل العديد من التحالفات والامتيازات. من هنا فإن الشلل الذي شهده الصراع العربي الاسرائيلي، يُمكن أن يجد التقارب بين إسرائيل والسعودية ظروفاً ملائمة لتعزيزه، في سيناريو قد تمت هندسته بما يتوافق مع التهديدات المشتركة بين البلدين.

وبالتالي، العامل الأكثر حسماً للدخول في العلاقات الرسيمة بين الرياض وتل أبيب، هو امتلاك عدو مشترك بينهما. *وقد أثبت التاريخ أن هذه الحقيقة قادرة على توحيد الأفكار الأكثر عدائية والمواقف الأكثر انغلاقاً. وتجدر الإشارة هنا إلى أن السعودية قوة إقليمية فاعلة مؤثرة في العديد من الملفات الشرق أوسطية، الأمر الذي جعلها تقود صراعاً جيوسياسياً ضد إيران، خاصة أن الأخيرة تنظر إلى إسرائيل في المنطقة على أنها الجهة التي غزت الشرق الأوسط، وضمن منعطف تاريخي سيطرت على أماكن إسلامية مقدسة، إلى جانب أنها الجهة التي تعمل على ممارسة القمع ضد الفلسطينيين. وبالتالي بات واضحاً أن شكل الصراع بمشهده السياسي قد يتجلى في هيئة تحالفات محاور.

جيفري غولدبيرغ، يهودي له مسيرة في أروقة الجيش الإسرائيلي
جيفري غولدبيرغ، يهودي له مسيرة في أروقة الجيش الإسرائيلي

ومن العوامل الأخرى، *تعتبر الرياض وتل أبيب، أن الأسلحة النووية الإيرانية تُمثل تهديداً استراتيجياً بالنسبة لهما، وعاملاً يُعزز تفوقها الجيوستراتيجي في المنطقة. *وخلال سنة 2015، وقعت إيران على اتفاق نووي مع الاتحاد الأوروبي ومجموعة 5+ 1 (المملكة المتحدة، والصين، وفرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، وألمانيا). ويهدف هذا الاتفاق بالأساس إلى وضع حد لسباق تخصيب اليورانيوم مقابل رفع العقوبات المفروضة على إيران جراء نشاطها النووي، وبشكل تدريجي. وخلال المفاوضات حول هذه المسألة، رفضت المملكة العربية السعودية و”إسرائيل” رفضاً قاطعاً أي نوع من الاتفاقات مع إيران.

وفي ظل هذا الوضع، يُعد هذين السببين كافيين وبقوة، من أجل اقتراح حل مشترك بين الرياض وتل أبيب ليتم تطبيقه في مجالات نفوذهما. وفي الفترة الأخيرة لوحظت إيماءات أرسلها كلا الطرفين، السعودي والإسرائيلي، من أجل جعل هذا الاحتمال حقيقة.

في هذا الصدد، *سافر ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال شهر نيسان/ أبريل الماضي، واعترف في مقابلة مع الصحفي جيفري غولدبيرغ، وهو يهودي له مسيرة في أروقة الجيش الإسرائيلي، بحق “إسرائيل” في إقامة دولة، وهي خطوة لها رمزية غير مسبوقة من شخص في منصب بن سلمان.

وعلى الرغم من أن المسألة الإيرانية هي السبب الأولي لانفتاح العلاقات السعودية الإسرائيلية، إلا أنها يمكن أن تتحول إلى نافذة لتواصل العلاقات بين عدوي إيران ولإزاحة الستار عن بعض المواضيع غير المحسومة وتفكيك أسرارها.

وبدرجة لا تقل أهمية عما سبق، فإن الرياض وتل أبيب ينظرون إلى الواقع الامريكي في المنطقة، بعين الريبة والشك. فالإخفاق الامريكي في مواجهة محور المقاومة، ولّد شكوكاً وهواجس جمة لدي اسرائيل والسعودية، حتى أن هناك انطباع لدى البلدين، بأنه لم يعد بالإمكان الركون التام إلى السياسات الأميركية في المنطقة.

ويستندون في ذلك، إلى تصور مفاده بأن الخيارات الاستراتيجية للولايات المتحدة، بعد احتلال العراق وأفغانستان، والازمة الاقتصادية العالمية، إضافة إلى تغيير واضح في معادلات القوة في المنطقة لصالح محور المقاومة، لم تعد تتلاءم مع ما تراه كل منهما لما ينبغي أن يكون عليه الخيار الاميركي. دليل ذلك، حالة الانكفاء الامريكي عن مواجهة إيران بطرق عسكرية، والاكتفاء بالمناورات السياسية وحرب التصريحات، وهو ما اعتبراه خضوعاً للجمهورية الاسلامية الايرانية.

هذا الواقع المُستجد، دفع رئيس مجلس الامن القومي الإسرائيلي الأسبق، اللواء يعقوب عميدرور الى القول ان “السعودية وسائر الدول التقليدية تُحافظ على الوضع القائم وموجودة في منطقة لا تتوقف عن التغير، وتبحث عن مرساة من أجل تحقيق الاستقرار، واسرائيل هي المرساة“.

وبهدف القفز الى ما يجسد طموح الطرفين السعودي والاسرائيلي، دعا عميدرور إلى “بناء منظومة علاقات تمثّل مظلة مشتركة من أجل تحرك تقوم به الدول المُعتدلة واسرائيل ومن ثم يمكن ضم الفلسطينيين اليه من أجل البدء بالمفاوضات. وخلافاً للماضي، فإن تحسين العلاقات في هذا الوقت لا يقل في نظر الدول العربية أهمية عنه بالنسبة لـ”إسرائيل”، لكن العقبة الفلسطينية تُعيقهم عن ذلك، وليس واضحاً ما إذا كانت هذه الدول قادرة على التغلب على هذه العقبة على الرغم من مصلحتها في ذلك”. وشدد عميدرور على “ضرورة أن تفكر إسرائيل في كيفية تقديم المساعدة من أجل تحقيق ذلك، لأن ما يجري هو فرصة تاريخية“.

صفوة القول، وبالاستناد إلى الوقائع والمعطيات الشرق أوسطية، لجهة تعاظم قوة محور المقاومة، وما يُقابله من فتور في وتيرة الصراع العربي الاسرائيلي، وعطفاً على الانكفاء السعودي في غالبية الملفات الاقليمية، إضافة إلى تبلور قاعدة جديدة ترتكز على المصالح المشتركة والاعداء المشتركين، وإنطلاقاً من الرؤية السعودية لجهة أن اسرائيل تحولت إلى ضمانة استراتيجية في وجه ايران، وما سيُحققه التحالف بين البلدين، حيال تعديل موازين القوى الاقليمية في مواجهة محور المقاومة، ينبغي أن نتنبأ بإمكانية قفزة سعودية نوعية باتجاه تظهير وتطوير التحالف مع إسرائيل.

لكن في المقابل، على الرياض أن تعي حقيقة النوايا الامريكية الاسرائيلية تُجاهها، وأن تُدرك بأن اسرائيل تمر في حالة تصدع عسكري وانكماش سياسي، ولا رافع لها من هذا المستنقع الذي تعيش ضمن تحولاته الاستراتيجية، إلا بالوقوف على الأرضية السعودية، فمن البلاهة أن تحشر أي دولة نفسها مع أمريكا في غرفة واحدة، لان جُدران هذه الغرفة ونوافذها وأبوابها محكومة بالمُفتاح الاسرائيلي.

بواسطة
أمجد إسماعيل الآغا
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى