تركيا – أردوغان.. مركز الثقل في التوازنات الإقليمية والدولية.. ولكن!

مُحددات السياسية الخارجية لـ تركيا تنطلق من ضرورة لعب دور إقليمي مؤثر، يجعل منها دولة إقليمية تكون مركزًا مُشاركًا في حلحلة غالبية الملفات الشائكة في المنطقة

تركيا – أردوغان.. مركز الثقل في التوازنات الإقليمية والدولية.. ولكن!
أمجد إسماعيل الآغا

انطلاقًا من موقع تركيا الجغرافي، وما ينتج عنه من تفاعلات وشبكة سياسات قائمة على التأثر والتأثير، والتي حددت الأهمية الجيوستراتيجية لتركيا في منظور المصالح الغربية، وما نتج عن ذلك من تحالف استراتيجي تركي مع المنظومة الغربية الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الآن، وإنّ لم تخل هذه العقود الطويلة من حالات توتر كانت تطرأ على العلاقة بين الطرفين، أو ما قد يبدو من تضاؤل أهمية تركيا بنظر حليفيها؛ لكن التطورات السياسية بأبعادها الإقليمية والدولية سرعان ما تثبت مفتاحية الموقع التركي للسياسة الغربية، وتقنع الطرفين بضرورة الحفاظ على أعلى درجات التعاون بينهما.

تركيا اليوم إحدى أهم الدول الفاعلة والمؤثرة في جُل الملفات الإقليمية والدولية، ومن الواضح أنَّ تركيا تترجم سياساتها في إطار السعي للوصول إلى مكانة دولية تليق بالبعد الجغرافي وأهميته لـ تركيا، عطفًا على ذلك، فإن التحولات العميقة التي شهدتها السياسية الخارجية التركية، لم تكن نتيجة الأوضاع في سوريا وتداعيات الحرب عليها، وتأثيراتها الإقليمية والدولية، ولم تكن أيضًا جراء ما سُمي ثورات الربيع العربي، والأهم أنها لم تكن إطلاقًا نتيجة تمنيات أردوغان وحكوماته المتعاقبة، بدليل أنّ الدور التركي شهد قفزات استراتيجية سعيًا للارتقاء إلى مصاف الدول الكبرى، بدلاً من دور الدولة الوظيفية في منظومة الفكر الغربي إبان الحرب الباردة، وذلك منذ عهد ” تورغوت أوزال” في ثمانينات القرن الماضي.

مُحددات السياسية الخارجية لـ تركيا تنطلق من ضرورة لعب دور إقليمي مؤثر، يجعل منها دولة إقليمية تكون مركزًا مُشاركًا في حلحلة غالبية الملفات الشائكة في المنطقة، وتستحضر لتحقيق هذه الرؤية قواعد دولية يُغذيها الخوف الذي يُثيره صعود جيرانها الإقليمين، لا سيما إيران ومصر والسعودية وإسرائيل، بالإضافة إلى الرغبات التركية بحجز مقعد دولي ضمن صفوف الكبار، لا سيما روسيا والولايات المتحدة، خاصة أنّ الولايات المتحدة دخلت في منافسة جيوبوليتيكية جديدة مع روسيا جعلت منهم مساهمين فاعلين في صنع هذه التوازنات في المنطقة مرة أخرى.

هذه التوازنات احتلت المكان الحاسم في رسم وهندسة المسار الإقليمي، وتحديدًا مع وصول الحرب على سوريا إلى خواتيمها، حيث شكّلت هذه الحرب تحولًا مهمًا في ترسيخ هذه التوازنات، وصنع اصطفافات واضحة، قوّضت الطموح التركي الذّي رسمه مهندس السياسية الخارجية “داود أوغلو” مع بداية الأزمة السورية. كما أنّ الأطراف المنافسة لـ تركيا لا سيما إيران والسعودية، نجحوا في تحجيم التأثير التركي في الجغرافية السورية، وفي جانب آخر لم تكن مهمة تصفير المشكلات مع الجيران الإقليميّن بالمهمة السلسة، حيث قطعت تركيا العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل بعد أزمة سفينة مرمرة عام 2010، والمعضلة مع الدولة السورية منذ عام 2012، والقطيعة مع مصر عام 2013، وتعطل مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فضلًا عن التدخل القاسي في غالبية الملفات الإقليمية، الأمر الذي وضع تركيا في قالب العداء مع غالبية القوى في المنطقة.

أدركت تركيا أنّ استمرار التحديات والأزمات الإقليمية، سيجلب لها المزيد من المشاكل والأعداء، وأدركت أنها لن تنجح بتحقيق طموحاتها في غمرة منافسين إقليميين كُثر، نتيجة لذلك بدأت بسلسلة مصالحات مع اسرائيل، وتسعى إلى تعميق تحالفها مع روسيا وإيران، وتُمهد الطريق للوصول إلى مصر ولاحقا السعودية، كل ذلك تبرره تركيا لجهة الحاجة إلى استقرار إقليمي وعلاقات ودية مع الجميع بما فيهم سوريا. فالإدراك التركي حددته معطيات بُنيت على أنَّ الولايات المتحدة وكذا حلف الناتو، غير قادرين على حماية الأمن القومي التركي، كما ادركوا جيدًا أنَّ استمرار توتر العلاقات مع الروس وحلفاءهم الإيرانيين من شأنه أنّ يُبقي تركيا في حالة عزلة تضعف من قوتها على المدى المتوسط والبعيد، في الوقت الذّي يدير فيه الأوروبيون ظهورهم للأتراك بغلقهم عضوية النادي الأوروبي أمامهم. وقد يكون هذا التوجه بدايةً للوصول إلى دمشق على معادلة المصالح المشتركة وطيّ صفحة الخلافات.

تتجلى قدرة تركيا بوصفها مركز التوازن الإقليمي والدولي، في لعب دور أساسي ومؤثر في سياق الحرب على سوريا، وما لهذه الحرب من تداعيات وجسور مُدّت إلى ساحات إقليمية ودولية، تم عبرها استثمار النفوذ التركي، حيث بدت واضحة أوراق الاستثمار وكذا المقايضة في ساحات ليبيا والعراق واستفزاز الاتحاد الأوروبي بورقة اللاجئين، وصولًا إلى الفضاء الاستراتيجي الروسي، وعطفًا على ذلك، فقد تدرجت السياسة التركية في سوريا، من علاقات جيدة ومميزة مع الدولة السورية ما قبل 2011، إلى علاقات متوترة وقائمة على أساس ضرورة رحيل الرئيس الأسد، وصولاً إلى اليوم بعدم المطالبة برحيل الأسد، وهو ما يوحي أنَّ تركيا تُدرك جيداً أنَّ مصالحها هي التي تحدد علاقاتها الإقليمية والدولية، وأن الغرب قد خذلها فيما تسعى لتحقيقه من طموح ودور إقليمي، وأنَّ وجودها داخل اللعبة في ظل وجود روسي أعاد رسم الخارطة من جديد في صالح الدولة السورية، يتطلب منها الاختيار الجيد أين تقف، وأن انفتاحها على قوى المعارضة في سوريا عبر تزويدها بالسلاح والعتاد، وكذلك بسماحها للإرهابيين بالانتقال من أوروبا إلى العراق وسوريا لن ولم يحقق لها شيئاً، إلا انقلاب السحر على الساحر.

صفوة ما سبق يؤكد بأن استراتيجية التمدد التركي لم تُفلح في نيل المكاسب الجيواستراتيجية التي هندسها صانع القرار التركي، كما لم تفلح في تأمين عوائد اقتصادية من الدول التي تم التدخل بها عسكريًا، ما يعني العجز عن استمرار تمويل عشرات الآلاف من المرتزقة، ما قد يُهدد بخروج هؤلاء عن السيطرة وتحوُلهم إلى مجموعات قتالية تحت الطلب، وربما تكون تركيا في زمنٍ لاحقٍ أحد أهدافهم الانتقامية، وبالتالي فإن التمدد التركي في المنطقة خلق عدوات وصدامات مع غالبية دول الجوار، فالطموحات بالتوسع والتمدد شيء، وتطبيق هذه الإستراتيجية واقعًا شيء أخر، وفي العمق فإن مُرتكزات المشروع الإقليمي لـ تركيا – أردوغان، لا تتوازى مع مساحة الطموح التركي، الأمر الذي يشي إلى أنَّ تركيا ستكون مضطرة خلال الفترة القريبة بإعادة النظر في حدود طموحها الإقليمي، لتوازي بين ذلك وبين تأطير المخاطر المحتملة والناجمة عن زيادة الطموح الإقليمي.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى