تركيا وفك الارتباط بأدواتها الجهادية في سوريا.. بداية التحولات

خاص الوكالة العربية للأخبار – الأرض المتحركة التي يقف عليها رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان، حولت حساباته تُجاه سوريا إلى أرقام صفرية، حتى باتت كل ملامح الاتفاقات حبراً على ورق، والمصافحات الدبلوماسية باتت لا تُجدي نفعاً مع دمشق، فلا الهدنات المتلاحقة ولا أبواب الحل السياسي، أفضت إلى نتائج ترضاها الاستراتيجية السورية.

فالجدّية السياسة والعسكرية التي رسمت مشهد سياسات سوريا وحلفاؤها، لم تُصِب مكمن السلام الحقيقي الذي يحاول أردوغان تشويه ملامحه، حيث أن معركة المعادلات الإقليمية والدولية التي حاول توظيفها في ملف شمال شرق سوريا، باتت معادلات خارج الحسابات السورية، خاصة أن مسار التطورات المتعلقة بجغرافية الشمال السوري، والحشود العسكرية ذات الزخم الهجومي، أربك الخيارات السياسية والعسكرية لأردوغان، فالمشهد السوري وما يحتويه من تحوّلات عسكرية مُتسارِعة أفضت إلى تغيّر في ملامح جغرافية الحرب، فقد جسّدت هذه التحوّلات واقعاً أجبرت الفاعلين في الشأن السوري على البحث عن مخرجات سياسية، تُحقّق لهم أدنى المكاسب المُرتبطة بجملة الأهداف التي سارعوا إلى تحقيقها في سوريا. لكن مع تبدّل الصورة النمطية التي سادت عقب بداية الحرب على سوريا، والتي كانت تتمحور حول الرهانات الإقليمية والدولية بقرب إسقاط الدولة السورية، وما تبع ذلك من تغييرات وتعقيدات على مستوى التحالفات السياسية منها والعسكرية، تمايزت مطامع القوى الدولية التائِهة بين المُنجزات التي حقّقتها الدولة السورية، وبين حلفاء أقوياء وثابتين إزاء مواقفهم تجاه سوريا.

"أجناد القوقاز" سحق تحت أقدام الجيش السوري

  • الإصرار الروسي والإيراني على التسويات السياسية، المبني أصلاً على الرؤية الاستراتيجية للدولة السورية، والنابع من قوّة الموقف السوري، مهَّد الطريق لإعادة صوغ التحالفات التي تُجنِّب أعداء الأمس موجات سياسية وعسكرية مرتبطة بالتداعيات التي حُقِّقت سورياً.

وبالتالي باتت المُصطلحات على شاكِلة احتدام الصراع للاستفراد بمكامِن القوى، تحسّباً لأيّ تصدّع في صيغة التفاهمات التي كانت سائدة مع بداية الحرب على سوريا، باتت من الماضي، إذ أن الدولة السورية باتت في عُهدتها مسارات الحل السياسي والعسكري. في هذا الإطار، لا شك بأن خارطة العمليات العسكرية التي فرضها الجيش السوري، قد أسَّست لتفاهُماتٍ وتسوياتٍ في مشهد الشمال السوري. هي تفاهمات وتسويات تفرض معها معادلات عسكرية ستُنتج حلولاً سياسية، كما أن جميع القوى الإقليمية والدولية الفاعِلة والمؤثّرة في الشأن السوري، تُدرِك بأن المِفصل الذي سيُغيّر التوازنات الإقليمية والدولية، وسيُنشئ معادلات جديدة تكون الدولة السورية عرَّابتها، هو إدلب. وبالتالي فإن معركة إدلب وما بعدها، كما تحرير حلب وما بعده، حيث أن تحرير إدلب وعودتها إلى الدولة السورية، سيؤسّس لمرحلةٍ جديدةٍ في التعاطي السياسي والعسكري حيال جُلّ الملفات المرتبطة بالشأن السوري، وسيكون محور أعداء سوريا في حالٍ من التخبّط والتقهقر، مع البحث والسعي وراء معادلات سياسية تجنباً للسيناريو السوري الناظِم لكافة التحوّلات على الصعيدين السياسي والعسكري.

من هنا وضمن هذا الواقع، فرضت الدولة السورية رؤيتها الاستراتيجية لملفيّ إدلب وغرب حلب، مع الأخذ بعين الاعتبار أيّ سيناريو أميركي تركي قد يُعرقل السيناريو السوري، لكن وبعد مراكمة البيانات السياسية والعسكرية التي هندَستها الدولة السورية وجيشها، ستكون دمشق أكثر تحرّراً من الضغوط وقدرة على الحركة وفرض الوقائع والمُعطيات، وهذا ما يُترجِم الصمت التركي حيال مشهد العمليات العسكرية السورية مؤخراً، ولا يمكن إطلاقاً ترجمة الصمت التركي اتفاقاً أو تفاهماً روسياً تركياً، بل على العكس، فالصمت التركي هو ترجمة للعجز عن الإحاطة بمفاهيم التطوّرات التي فرضتها دمشق وحلفاؤها، كما أن تركيا قد استنفذت قُدرتها على المناورة السياسية والالتفاف على أيّ تفاهم سياسي مع روسيا بتوجيهاتٍ أميركية، كما أن تركيا باتت في مأزق استراتيجي جراء دعمها للفصائل الجهادية في سوريا، وترغب بفك الارتباط معها عبر طرق متعددة. هذا الأمر عززته سياسات روسيا وإيران، اللتان حسمتا خياراتهما ووجهتا رؤاهما الاستراتيجية للمواجهات الفاصلة، ومن ثم الاستحواذ على أوراق قوّة ميدانية تتم إعادة تفعيلها سياسياً.

من الواضح أن الظروف السياسية والعسكرية المواكبة للعمليات العسكرية في ريف حلب وإدلب، تتجاوز في جُزئيّاتها معادلات سوتشي وتفاهمات أستانا، حيث أن تطبيق بنود الاتفاق الروسي التركي لم تعد تقتصر على تسيير الدوريات الروسية التركية، أو فتح الطرق الدولية، أو سحب الأسلحة الثقيلة من أيدي الفصائل الإرهابية، وإنما تسعى دمشق وحلفاؤها إلى تأمين عمق استراتيجي، يُزلزل سياسياً وعسكرياً أرضية الخطط الأمريكية التركية تُجاه جغرافية الشمال السوري، خاصة أن خصوم سوريا وروسيا وإيران، يعملون على صوغ معادلة قوامها تفكيك ما تمّ إنجازه سورياً، ومحاولة بناء مناطق عسكرية بعناوين إنسانية يحتمون خلفها، بُغية تحقيق مكاسب سياسية على رأسها وفي مقدمها قَضْم مناطق حيوية من الجغرافية السورية، فضلاً عن الرهان المُعتمد على إطالة أمد الحرب على سوريا، عبر مُشاغبات مُفتعلة سياسية وعسكرية، من هنا جاءت تأكيدات الارتباط العضوي بين مُجمل مناطق الشمال السوري، لجهة النوايا والخُطط الأميركية التركية، فالتعقيدات بشقّيها السياسي والعسكري لا زالت تُفرض على سوريا وحلفائها ترتيبات عسكرية لأوراق الشمال السوري، لتغدو قوّة ما سيتم تحقيقه على بناء معادلة ستفرض نمطاً في طريقة التعاطي السياسي مع المُنجزات السورية في إدلب.

بات واضحاً أن معركة إدلب وريف حلب وتجليّاتهما الإقليمية والدولية، تفرض تأثيراً سياسياً ضمن الهوامش العسكرية التي يُهندسها الجيش السوري، مع منع أية محاولة للفصائل الإرهابية وداعميها من التقاط أنفاسهم أو تجميع قواهم، والعبَث مُجدَّداً بأية مُنجزات بُغية كَسْب نقاط قوّة سياسية. وعليه ستكون دمشق عرَّابة لجُملةٍ واسعةٍ من الحلول وصوغ التفاهمات، مع الأخذ بعين الاعتبار أن محور أعداء سوريا يعتاش على خلق التناقضات والتعقيدات، وصوغ المصالح المتضارِبة واللعب سياسياً عبر مناورات سياسية باتت مكشوفة للدولة السورية وحلفائها، لكن مع ذلك، ستبقى دمشق وحدها قادرة على فكّ طلاسم جغرافية الشمال السوري، والدخول إليها منتصِرة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى