تقديمات الأسر الأكثر فقراً “للأموات والمتقاعدين والمتمولين”

التضخم ليس بسبب القرض بل بالسياسة النقدية المتبعة من قبل المصرف وقرار القرض يهدف لعدم وصول لبنان الى انهيار اجتماعي

قررت الحكومة اللبنانية تقديم مساعدة بـ400 ألف ليرة للعائلات الأكثر حاجة، لكنها ذهبت للأموات والمتقاعدين والمتمولين، فهذه المساعدات دونها إشكاليات، وخاصة أن العائلات المُحتاجة في ظل كورونا لا يُمكن حصرها بالقوائم الموجودة لدى وزارة الشؤون الاجتماعية.

 أزمة تلوى أزمة

منذ عام وأزمة الدولار تتعاظم في لبنان، والحكومة تحرّكت بطيئاً مع المعنيين بالشأن المالي البحث عن إيجاد الحلول للخروج من الأزمة، لكن دون جدوى، فاستمر الإنهيار، واستنزاف ما تبقّى من أموال بالعملات الصعبة، حتى وصلنا اليوم على مشارف رفع الدعم عن المواد الأساسية التي يحتاجها اللبناني للإستمرار، فهل يكون الحلّ بترشيد الدعم كما يدّعون؟.

تطورات جائحة كورونا المواكب لأزمة طلاب المدارس الرسمية والخاصة، حفّز الحكومة والوزارات المعنية إلى عقد اجتماع تربوي ـ صحي في السراي الحكومي برئاسة رئيس حكومة تصريف الاعمال، الاجتماع خصص للبحث في الازمة الاقتصادية التي يعاني منها ذوو الطلاب في القطاعين الرسمي والخاص.

مقررات والتباس

خلال الاجتماع الذي حضره الوزراء المعنيون وحاكم مصرف لبنان، اتفق على اعطاء مساعدة مالية لتلامذة القطاعين الرسمي والخاص والمعاهد من صفوف الروضة حتى صف البكالوريا لشراء الكتب والقرطاسية كدعم يساعد في تخفيف الاعباء في ظل الازمة الاقتصادية.

حينها تلا الوزير المجذوب مقررات الإجتماع وفيها نقطة بقية موضع التباس بل بقيت في الأدراج كالمعتاد وتنص على: “حولنا 8 ملايين دولار إلى مصرف لبنان لصناديق المدارس والمتوسطات الرسمية، وسيسلم المبلغ على سعر المنصة، وسنحول قريباً مبلغ 8 ملايين دولار لكل المدارس والثانويات الرسمية”، وحتى اليوم فلا المحول وصل ولا القريب آتٍ، وبقي القديم على قدمه، في أدراج ووعودٍ ميرفونية.

مصير الاموال؟

وعود تبخرّت كما تبخر غيرها من قراراتٍ حكومية نزلت على الطلاب يأساً وعلى والأهل ألماً ووبال، ومسؤولون يتلهون بجنس ملائكة القرارات والتشريعات، إلى أن جاء العرض الجديد والمخصص للطلاب ثانيةً، 400 ألف ليرة لكل طالب في المرحلتين المتوسطة والإبتدائية مستثنين المرحلة الثانوية في المدارس الرسمية، كما استثني الطلاب في المدارس الخاصة، استثناء جعل الأهل يتذمرون من قراراتٍ حكومية وصفوها “نوع من التمايز والغبن”.

موافقة وزني

تكررت الإجتماعات الوزارية المعنية، وعقد اجتماع في السراي الحكومي، وخلال الإجتماع حصل اتصال بوزير المالية غازي وزنة لعرض الموضوع لتأمين الإعتماد المالي اللازم، حيث وافق وزني على الصيغة التي طرحها حاكم مصرف لبنان والتي تقوم على أن يودع ولأمر التلميذ مبلغ 600 ألف ليرة في حسابه في المصرف، على أن يحول الأخير المبلغ إلى الدولار وفق السعر الرسمي 1515 ليرة ما يوازي 400 دولار ومن ثم تصرف وفق سعر المنصة أي 3950ليرة.

بُشرى المجذوب

هذه الآلية كان يُفترض اعتمادها وتدخل حيّز التنفيذ، ووزير التربية طارق المجذوب في حكومة تصريف الأعمال غرّد مبشراً في اليوم اليوم التالي، “تمّ تأمين الإعتماد المالي لتلامذة المدارس والمعاهد، الرسمية والخاصة، لشراء القرطاسية والكتب، علّنا نُخفّف ولو قليلاً، عن كاهل الأهل، في ظل الضروف الإقتصادية الصعبة”.

رفض المالية

الأمر الذي لم يحصل، فكانت محاولة بالإستعاضة عنها بفتح اعتماد لتأمين هذه المساعدات، الأمر الذي رفضته وزارة المال من خلال بيان صادر عن مكتب الوزير وفيه: “رداً على الجدل القائم حول اقتراح وزير التربية في حكومة تصريف الأعمال طارق المجذوب تخصيص مبلغ مليون ليرة لتلامذة القطاع الرسمي والخاص والمعاهد”، موضحاً البيان: “أن الحكومة الحالية هي حكومة تصريف أعمال وبالتالي نطاق مهماتها القانونية ضيق ولا يمكن أن يُرتّب عليها أي أعباء مالية جديدة”.

جدال وصلاحيات

وتابع البيان “إن تقديم المساعدات الطلابية التي تبلغ ما يُقارب الألف مليار ليرة لبنانية يحتاج إلى قانون يقرّه مجلس النواب بفتح اعتماد إضافي لهذا المبلغ”، مضيفاً، “إن موافقة الوزير وزني على المساعدات الطلابية أتت نتيجة اللقاء الذي عقده رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، بناء على طرح الحاكم بتنفيذ آلية الدعم من خلال المصرف المركزي”.

تعطيل وتقاذف المسؤولية

آلية إذاً تعطلت قبل أن تُنفّذ، حيث كشفت مصادر مطلعة “أنه اتفق خلال الإجتماع على أن يعطي وزير المال موافقته لمصرف لبنان على صرف الأموال المطلوبة لدعم الطلاب من أموال الخزينة”، موافقة “لم تصل” حتى اليوم الى المصرف المركزي بحسب المصادر، ولا يبدو أنها ستأتي في ظل “تقاذف المسؤوليات” بين هذه المرجعية وتلك.

البرنامج الوطني

على أثر حرب تموز 2006 تمّ عقد عدة مؤتمرات للدول المانحة ومنها مؤتمر باريس 3/2007، تلقت الحكومة اللبنانية هبة من البنك الدولي، الحكومة الكندية والحكومة الإيطالية لتمويل مشروع دعم تطبيق شبكة الحماية الإجتماعية الطارئة  (ESPISII).

إنبثقت “شبكة الحماية الإجتماعية الوطنية” تحت بند “القطاع الإجتماعي”، فولد “البرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقراً”، وكان مشروع “حلا” المنبثق عن وزارة الشؤون الاجتماعية، الذي أطلق في 17 تشرين الأول 2011، البنك الدولي موّل جزءاً من إدارته، أما خدماته فموّلته الحكومة اللبنانية، وفريق عمله يعمل من خلال “مراكز الخدمات الإنمائية” التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية، فكان البرنامج الأكثر مدخلاً للمحسوبية الوظائفية التراكمية السياسية والحزبية، في تلك الفترة، وبالتالي الإستفادة والهدر في آن، فالفقراء استمر معدّل ارتفاعهم والمستفيدين انخفض.

تقدمت نحو 470 ألف عائلة فقيرة بطلب الحصول على المساعدة

1.5 مليون لبناني فقير ومعدوم والعدد إلى ازدياد ليس فقط بفعل جائحة كورونا المستجدة، إنما بفعل السياسات الإقتصادية المتعاقبة منذ العام 1992 وحتى اليوم، فكانت الأزمات المالية والاقتصادية تتسارع بشكل كبير، كما حال الدول “الفاشلة” في العالم، لكن فقراء لبنان يتميزون أنهم منسيون من دولتهم، فلا ينالهم منها سوى الوعود الفارغة، باستثناء بعض الفتات للمعوزين المحضيين المحسوبين “أمواتاً وأغنياء وموظفون في القطاعين العام والخاص”.

أزمة اقتصادية ومالية واقعة في لبنان، تزايد في انهيار العملة الوطنية، رافقها إفلاسات وخروج استثمارات، وانتشار مستجد لجائحة كوفيد 19، عوامل رفعت أعداد العاطلين من العمل في لبنان إلى مستويات قياسية، قدّرها البعض بمئات الآلاف، الأمر الذي وسّع دائرة الفقراء والعاجزين عن تأمين قوتهم اليومي، وأدخل فئات اجتماعية برمتها في عداد الفقراء.

الفقراء الجدد

نسب فقر وبطالة تزداد يوماً بعد يوم في لبنان، ودراسات قام بها البنك الدولي، بالتعاون مع منظمات دولية أخرى (قبل العام 2019)، عن بلوغ عدد الفقراء في لبنان نحو مليون مواطن لبناني، يعيشون على أقل من 4 دولارات يومياً، والمقصود هنا بالأربعة دولارات وفق سعر الصرف 1500 ليرة، أي 6000 ليرة فقط يومياً، ما يعني أن هؤلاء يعيشون اليوم على أقل من دولار واحد يومياً، نظراً لبلوغ سعر الصرف نحو 9000 ليرة للدولار، وتفيد الدراسة عينها بأن نحو 360 ألف لبناني يعيشون بأقل من 2.5 دولار يومياً أي نحو 3750 ليرة يومياً، أو ما يعادل أقل من نصف دولار حالياً، ما يعني أن تلك الأرقام تضاعفت في العام 2020 ويحملها تزايداً العام 2021، ومع بداية وصول جائحة كورونا إلى لبنان الذي رافقها من حجر وإقفال عام متقطع (قابل للتمديد)، تزداد بكثرة أعداد الفقراء في لبنان متخطياً عتبة الـ50 في المئة من الشعب اللبناني، والدولة تتلهى بدراسة القوانين وتُلهي شعبها بقراراتٍ مورفينية قاتلة، سيما في صفوف الشباب والمتعلّمين، بات أمراً معيباً، مع تصاعد الأعداد وتفاقم أزمة الفقر من جهة، وضآلة التقديمات والمساعدات الاجتماعية من جهة أخرى.

تقديمات الأسر الأكثر فقراً للأموات والمتقاعدين والمتمولين

يكاد يكون البرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقراً “حلا” البرنامج “اليتيم” لدعم الفقراء في لبنان، إلى جانب مبادرة الحكومة إلى تقديم مساعدات مالية بقيمة 400 ألف ليرة للأسرة الواحدة (نحو 44 دولاراً) بصورة شهرية في المرحلة الأخيرة، هذه المبادرة (التقديمات) دونها عثرات وعقبات مع غياب تحقيق شفاف في مستحقيها، فنجد أن كُثر من حصل عليها منذ إقرارها توزعت على محضيين من “الأموات ومتمولين ومغتربين وأصحاب إمكاناتٍ ميسورة وموظفون متقاعدون في وقت أن من هم أكثر حاجةً لم يحصلوا عليها”، وهذا ما حصل في كثير من مناطق البقاع الغربي وفق ما تردد على لسان العديد م تلك المناطق، بالرغم من ان هذا البرنامج (حلا) مدعوم ومغطى من مانحين دوليين ومن برنامج الأغذية العالمي وليس من الدولة اللبنانية.

مساعدات الدولة

ومع إطلاق مشروع تقديم المساعدات المالية، وتشكيل لجنة لهذه الغاية من وزارتي الشؤون الاجتماعية والداخلية، تقدّمت نحو 470 ألف عائلة فقيرة بطلب الحصول على المساعدة، أي ما يقارب 1.5 مليون شخص بين فقير ومعدوم، شملت المساعدات فئات اجتماعية منها السائقين العموميين، وعدداً من أهالي طلاب المدارس الرسمية (المرحلتين الإبتدائية والمتوسطة)، وذوي الاحتياجات الخاصة، ومتطوعي الدفاع المدني، أضيف لهم (متطوعي الصليب الأحمر اللبناني وجرحى الجيش)، إضافة إلى أسماء تم إضافتها من قبل الجيش اللبناني في المناطق، مقابل شطب أسماء أخرى تم إدراجها من قبل البلديات، وهي غير مستحقة وفق مصدر متابع لعمل اللجنة، ومنها يعود لـ”كبار الموظفين ولميسورين”.

مصرف لبنان سبب التضخم

246 مليون دولار اميركي لـ147 ألف عائلة غير مسجلة بعد، وزارة المال ممثلة الحكومة ومن خلفها مصرف لبنان كانت قد “أصرّت خلال المحادثات مع ممثلي البنك الدولي على الاستحواذ على الدولار الاميركي وصرف الاموال للمستفيدين بالليرة اللبنانية على سعر 6240 ليرة لبنانية مقابل الدولار الواحد”.

بمعزل على صحة الخطوة بحد ذاتها اي “استدانة دولة مفلسة وغارقة في الدين أساساً”، وبمعزل عن الاجابة على سؤال: هل تكون محض الديون والتدفقات حلاً لازمة بلد كانت التدفقات وسوء ادارتها احد اسبابها الاساسية؟.

وبمعزل عن نيات البنك الدولي وصوابية خطواتها وفعالياتها الان وتاريخيا عامل استجد على العقد الذي كان شبه مبرماً وموقعاً من وزارة المال في انتظار المسار القانوني.

ووفق خبراء اقتصاد وخبراء مال فان الموافقة على “القرض”، فان دول كبرى وقوية معنية بينها “اميركا والمانيا والامم المتحدة”، “وافقوا على منح لبنان القرض بالدولار الاميركي”.

التضخّم والمصرف

فالتضخم الحاصل في لبنان ليس بسبب القرض الدولي المستجد، بل بسبب “السياسة النقدية المتبعة من قبل مصرف لبنان والزيادة في الكلفة النقدية”، وبالتالي فان قرار البنك الدولي اقراض لبنان في ضل “دولة مفلسة ومنهارة” يهدف الى “عدم وصول لبنان الى انهيار اجتماعي” شريطة وصول المبلغ المالي 246مليون دولار الى اصحابها، اي الطبقة الفقيرة التي تخطت عتبة الـ50 في المئة وفق تقرير البنك الدولي.

تمثيلية الـ400 ألف

يبدو ان القرض آتٍ لا محالة، وللاسف، النقاش الذي يخاض اليوم ليس لجهة صوابية الخطوة من اساسها، بل، حول كيفية منع “سرق” اموال الناس وودائعهم واغرق الدولة بمزيدٍ من الديون على حساب الفقراء من اعادة كرّته، فلعبة المساعدات قائمة ليس لمساعدت فقراء لبنان بل لامتصاص غضب الشارع واستمرار القيمين في مسارهم القاتم نحو إغراق لبنان وشعبه في آتون الجوع والفقر المدقع، وانتظار المواطن الـ400 ألف ليرة شهرياً ليحصل عليها كل ثلاثة أشهر، الفقراء يسألون عن باقي حقوقهم المهدورة بعد أن طارت حقوقهم وجنى عمرهم من ودائعهم في المصارف “ولا تغيب ودائع الله عنهم”.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى