“تلكلخ .. ملاعب الطفولة”

تلكلخ .. ملاعب الطفولة

تلكلخ، المدينة الجميلة التي تنام في حضن حمص أمّ الفقراء، هي أوّل مكان يستقبل نظراتي العفويّة الفضوليّة المكحّلة بالبراءة، إنّها مسقط رأسي وملاعب طفولتي السعيدة في سنواتها الخمس الأولى، فناء بيتنا ؛الصغير مساحةً، الكبير كرماً؛ والكثير ضيوفاً ومرحاً ونقاءً؛ اِستَمعَ لصوت بكائي وأنا حزين لأنّ روحي الملتصقة برحم أمّي الدافئ الحنون بجوار قلبها الخافق عطفاً غادرته إلى الحياة.

تلكلخ هي ذلك المذياع العتيق والاختراع المذهل الذي سمعته يتكلّم ويغنّي ويُخبر، ما زلت أذكر بالتفاصيل كلّ شيء في تلك السنوات عدا السنة الأولى منها
تلكلخ هي بيت صغير استأجره أبي الطيّب بحكم عمله في البريد الذي انتقل إليه من مدينة دوما الدمشقيّة، صاحبه العجوز أبو عمر التركمانيّ الذي كان يسكن بجانبه مع زوجته وكانا رحمهما الله وحيدين بلا أولاد، وهو عبارة عن غرفة وحيدة في دار ضخم وزّعَت غرفه المتعدّدة على مُستأجرين آخرين غيرنا ،وكان لكلّ الساكنين المستأجرين حمّام واحد مشترك ومطبخ مشترك.

تلكلخ هي ذلك المذياع العتيق والاختراع المذهل الذي سمعته يتكلّم ويغنّي ويُخبر، ما زلت أذكر بالتفاصيل كلّ شيء في تلك السنوات عدا السنة الأولى منها، كان بيتنا على ربوة قليلة الارتفاع تطلّ على الخطّ العام ذلك الشارع المزدحم المسافر إلى دمشق بجانب نهر على الحدود اللبنانيّة، وأذكر أنّ سائق دراجة صدمني في وسط هذا الشارع النشيط و حملني على كتفه وأنا مضرّج بالدماء إلى بيتنا دون أن يهرب من فعلته، ما زلت أذكر القطار بدخانه الأسود والأبيض وبصوته المقيم في خاطري وأذكر الوادي الترابيّ المحفور المصطنع الذي كان يمرّ به كلّ يوم ذهاباً وإياباً ولا يبعد عن منزلنا إلّا أمتاراً قليلة، وأذكر الملاعق التي كنت أخطفها من منزلنا لأضعها على سكّة القطار كما كان يفعل أخي الأكبر ورفاقه لكي يعبر القطار عليها وتصبح ألعاباً مستوية كالسيوف…وأذكر الحادث المرعب لاصطدام الباص الضخم بذلك القطار والحرائق المشتعلة والمصابين والموتى والصراخ والأنين في ذلك الوقت لأنّني هربت من قبضة أمّي مع أطفال آخرين لنتفرّج على هول ما حدث.

ما زلت أذكر حضن أبي رحمه الله وهو يحملني ويضمّني إلى صدره الطيّب وهو ينزّهني خارج البيت ويضاحكني، ما زلت أذكر الحقول التي تلوّنت بالعشب وأنا أركض على صدرها مع رفاقي أولاد الجيران ونحن نمسك بعظام الحيوانات على شكل أسلحة نحارب بعضنا بها، وأذكر الدكاكين البسيطة الجميلة، وأذكر العصفور الدوريّ الذي نام في قبضتي على السرير وهرب منها عندما غفوت وفي الصباح حزنت وبكيت غاضباً من عدم وفائه لي.

سقى الله تلك الأيّام وسامح الله ابن عمّتي أحمد الذي سارع إلى حملي وثيابي يملؤها التراب المبلّل وأنا ألعب مع رفاقي فرِحاً في يوم شتويّ ليفتح باب الشاحنة ويجلسني بجانب سائقها وأنا أبكي ذارفاً الدموع لأنّه خطفني وأنا ألعب بالطين تلك اللعبة المفضّلة التي كنت أبني أحلامي من خلالها وقد غفوت لساعتين على طريق السفر لأستيقظ بعد ذلك في مكان جميل وسط غابة نُقلنا إليه مع أمتعتنا المتواضعة، لكنّه ليس ملعبي الأوّل الحنون تلكلخ.

بواسطة
منتجب علي سلامي
المصدر
الوكالة العربية للأخبار
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى