تَطَوراتُ الفكرِ وَتَقَلُّباتُ المِزاج

هناك فرقٌ كبيرٌ من الناحيةِ اللُّغَوِيَّةِ ، بين التَّطَوُّرِ والتَّقَلُّبِ ، وان كانا يشتركانِ في معنى التَّغَيُّر ، ولكنَّ التَّقَلُّبَ هُوَ التَّغَيُّرُ السريعُ ، كَتَقَلُّباتِ الجَوِّ السريعةِ ، وَتَقَلُّباتِ الاسعارِ . والتَّقَلُّباتُ المِزاجِيَّةُ في علم النفس : هِيَ تَغَيُّراتٌ سَريعَةٌ أو شديدَةٌ في الحالَةِ النَّفسِيَّةِ ، وقد تلعَبُ هذهِ التّقَلُّباتُ دَوْراً ايجابِيّاً في تَعْزيزِ حَلِّ المشكلاتِ وفي تَكوينِ تخطيطِ مُسْتَقبَلِيٍّ مرنٍ ، ولكنَّها عندما تَكونُ قَويَّةً الى دَرجَةٍ مُضرَّةٍ قد تكونُ سبباً للاضطرابِ الثنائي القطب ،أو الاضطرابِ الاكتئابيِّ .التَّقَلُّباتُ المِزاجِيَّةُ اظطراباتٌ مَرَضَيَّةٌ في علم النفس . وَتَقَلُّباتُ المِزاج : هيَ الاحساسُ بمشاعر وعواطف متضادة في أوقاتٍ مُتَقاربةٍ .

  • تَقَلُّباتُ المِزاجِ والأبداعُ

التَّقَلُّباتُ المِزاجِيَّةُ يُمكِنُ أنْ تَجتَمعَ مع الابداع ، فَكثيرٌ من المبدعين والفنّانِينَ والادباء كانوا يعيشونَ تَقَلُّباتٍ مزاجيَّةٍ حادةٍ ، ولكنّهُم كانوا مُبْدعينَ ؛ فالروائيُّ والكاتبُ المَسرحيُّ السويدي (اوغست سترندبرج) ، أنتَجَ الكثيرَ من الروايات والمسرحياتِ ، ولكننا نجدُ اثارَ ازماته النفسيةِ باديةً في كتاباته. كتب سترندبرج عدداً من الرواياتِ هاجمَ فيها المرأةَ ، وأبدى منها موقفاً سلبيّاً ؛ وذلك ناجمٌ عن زواجاتهِ الفاشلةِ . والفيلسوف الالمانيُّ نيتشه ، كانَ فيلسوفاً عظيماً ولكنَّهُ كانَ حادَ المزاج ، طرح الكثيرَ من الافكار التي كانت تعبِّرُ عن ازمته الحادة ، ومزاجهِ المتقلب ، ومن هذهِ الافكارِ ، فكرةُ ( الانسان الاعلى) ، الذي قَدَمَهُ نيتشه بديلاً عن الاله بعدَ أن أعلنَ موتَهُ . التطلع الى انسان أعلى أو انسان كامل فكرة صحيحة فنحن نتطلع الى الانسان الاعلى ممثلاً بالامام المهدي ، ولكن الانسان الاعلى عند نيتشه يختلف عن الانسان الكامل عندنا . انسانُ نيتشه الاعلى ليس عنده اخلاق العبيد بل اخلاق القوة . وطرح نيتشه فكرة ( العودُ الابديُّ) ، والفكرةُ صحيحة فنحنُ راجعون الى المصدر الذي جئنا منه : ( انا لله وانا اليه راجعون) ، ولكن العود الابدي عند نيتشه هو أنَّ حياتَنا التي نعيشها الان سنعيشها ثانيةً ومراتٍ لامتناهيةٍ ، وليس هناك ايُّ جديدٍ ، فكل آلامنا وافراحنا ستتكرر معنا بنفسها ، والعودُ الابدي يشبه ( الانحسار العظيم للعالم ) الذي قال به (ستيفن هو كنغ) .نيشه طرح فلسفة متشائمة ، طرح فكرة العدميَّة . هذه التقلباتُ المزاجيّةُ المأزومةُ لايمكنُ أن تقدمَ لنا حلاً لازماتنا ومعاناتنا بل تزيدها تأزيماً.

  • القرآنُ والتَّقَلُّبُ

وردت في القران الكريم مفردة التقلب واشتقاقاتها بمعنى التغير السريع كما في الآياتِ التالِيَّةِ: { قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } ؛ البقرة: الاية: (144) ، { يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا } ؛ الاحزاب: الاية: (66).

{ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ } ؛ البقرة: الاية: (143)

{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ } ؛ آل عمران: الاية:(144)

وسمي القلب قلباً لتقلُّبِهِ .

  • التَّطَوُّرُ في القرآن الكريم

وردت في القرآنِ الكريمِ كلمةَ (أطوارا) ، والاطوار تَعْنِي المراحلَ الزمنيةَ ، فهي تغيراتٌ تأخذُ زمناً أطولَ وليست تغيراتٍ سريعةٍ كما في التَّقَلُّباتِ ، والاية التي وردت فيها الاطوار جاءت بمعنى حالاً بعدَ حالٍ .

{ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا } ؛ نوح: الاية: (14)، وقد جاءت الاطوار في القرآنِ الكريم بمعناها لابلفظها كما في الآيةِ الكريمة: { ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } ؛ المؤمنون: الاية:(14)

فالقران يفرق بين التطورات التي تستغرق زمنا اطول والتقلبات السريعة التي تستغرقُ زمناً قليلاً.

  • مَناشئُ التّقَلُّباتِ ومناشئُ التَطَوُّراتِ

تختلفُ مناشئُ التَقَلُّباتِ عن مناشئِ التَطَوُّراتِ ؛ فالتقلباتُ مناشؤها الامزجةُ المُتَقَلِبَةُ والاهواءُ والغرائزُ والرَّغباتُ أمّا التطوراتُ فمنشؤها العقل. التقلبات تغيراتٌ تتسم بالسرعة ودوافعها الامزجةُ ، أمّا التطورات فتأخذ مراحل زمنيّةً اطولَ ؛ لان الفكرة لابدَّ أن تأخذَ زمناً حتى تتبلور وتنضج ، امّا الامزجة فلا تعطينا الا اراءً غير ناضجة .

السيد الشهيد محمد باقر الصدر مرَّ بتطوراتٍ فكريةً ففي كتابه “فلسفتنا ” كان يتبنى المذهب العقلي ، ورأيُهُ في العليّة والاستقراء هو تبنٍ للمذهب العقلي ، اما في كتابه ” الاسس المنطقية للاستقراء” فقد كان له مذهبه الفلسفي الخاص في نظرية المعرفة هو ” المذهب الذاتي ” ، وتغيرت نظرته الى الاستقراء والعلية ، هذه التطورات الفكرية استقرقت ثمانية عشر عاماً ، ولم تكن تقلبات سريعة . التقلبات السريعة عيوبٌ في التفكير ، اما التطورات التي اخذت زمناً واصبحت فكرةً ناضجةً فهذه ليست عيوباً في التفكير ؛ وانما هي مزايا للتفكير العميق .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى