ثورة النّاتو قسّمت الليبيين واقتسمت ثروات ليبيا…!

من المناسب ونحن نستعيد الأجواء والتحضيرات التي رافقت غزو ليبيا الذي يصادف اليوم التاسع عشر من مارس/آذار 2011 أن نتوقف عند حملة التضليل والتحريض التي مهدت للغزو وصولا إلى احتلال ليبيا من قبل حلف الناتو، تحت ذريعة ثبت بطلانها وزيفها، ”حماية المدنيين” من بطش قوات القذافي… ! ذريعة استخدمتها دول حلف الناتو في محاولة للتغطية على غزوها ليبيا واحتلاله، متحدين المجتمع الدولي في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية وشرعة الأمم المتحدة بهدف تدميره إنسانا وأرضا وتفتيته والسطو على مقدراته وثرواته. وقد اعترف القائد العسكري الأعلى في الحلف الأطلسي ويسلي كلارك على لسان ضابط عسكري أميركي بأن واشنطن خطّطت منذ عام 2007 للاستيلاء على سبع دول في خمس سنوات وليبيا كانت ضمن هذه القائمة، ما يؤكد الأطماع الغربية- الأميركية في ليبيا قبل سنوات من الحرب عليها، وأن ذرائع التدخل الإنساني وحماية المدنيين أصبحت استهلاكاً للمحطات الإعلامية. فالحرب على ليبيا كسابقتها على العراق اعتمدت على معلومات استخباراتية مزيفة تم تنفيذها لأسباب وغايات استعمارية بعيدة تماماً عن الأمن العالمي وحماية المدنيين.

لقد دمرت ليبيا لعدم خضوع الدولة بالكامل لأهداف أميركا في أفريقيا خصوصاً بعد إنشاء قيادة أميركية عسكرية خاصة بأفريقيا: أفريكاكوماند AFRICOM والتي أنشئت رسمياً عام 2007 في عهد رامسفيلد وبوش وتشمل كل أفريقيا (عدا مصر التي تخضع للقيادة المركزية CENTCOM) والذي عارضته عدة دول أفريقية بقيادة ليبيا. أيضاً لم تثق الإدارة الأميركية في قائد ليبيا رغم تنازلاته الكبيرة فكان قرار قتله بالصورة المشينة من قبل رافعي الشعارات الإنسانية. وكانت أول عملية عسكرية قامت بها الأفريكوم هي العدوان على ليبيا بعنوان “عملية فجر أوديسا” ومن الطريف أن أهداف الأفريكوم حسب وزارة الخارجية الأميركية هي “نشر الديمقراطية والنمو الاقتصادي من خلال الاستثمار والتجارة” كما ذُكر هدف آخر وهو “الحوكمة الجيدة” وأمن أفريقيا!

الآن، ونحن ندخل العام العاشر من زمن ”فجر أوديسا” لابد من استخلاص العبر والدروس للوصول إلى خلاصات لابد منها، ودعوني أتحدث عن بعضها لتثبيت قناعات سنوات مضت. لقد تعرضت ليبيا العربية إلى مؤامرة حقيقية بهدف تقسيمها وتفتيتها والاستيلاء على ثرواتها منذ أطلقت الولايات المتحدة إشارة البدء لـ”الربيع العربي” المزعوم في مطلع 2011. ويتفق بعض المحلّلين السياسيين على أن الحراك في ليبيا لم يكن حراكاً جماهيرياً على المستوى الوطني، ولم يكن هناك دعم شعبي للإطاحة بحكومة القذافي. فقد كشف العدوان على ليبيا، أي ”الثورة المزعومة”، أن الإعلام الغربي منافق وكذاب، وأنه مجرد أداة قذرة من أدوات العدوان، وأن ما كان في ”لا وعي” كثير من النُخب والمواطنين لابد من شطبه وبخاصة أن هذه المؤسسات الإعلامية الغربية تعترف اليوم بشكل غير مباشر بسفالتها، بمعنى أنه لا حرية إعلامية في العالم كما كان يروج إنما هناك حرفية ومهنية في التذاكي، والاستغباء وتمرير الأجندات الخفية.

وللأمانة التاريخية، فليبيا بدأت الحرب عليها مبكراً جداً وقبل انطلاق هذا ”الربيع” بسنوات طويلة، فالتوجهات القومية العروبية الوحدوية لقائدها معمر القذافي لم تكن لتعجب الإمبراطورية الأمريكية الاستعمارية الفاجرة، وتمدد أدوار ليبيا في أفريقيا كان يزعج الغرب الاستعماري بشكل كبير، فكانت التهديدات والعقوبات الدولية والحصار الاقتصادي والحظر الجوي، هي سلاح أمريكا والغرب ضد ليبيا. ولتأكيد المؤكد، فقد صنّف تقرير الأمم المتحدة عن التنمية البشرية لعام 2010 أي قبل بداية الحرب على ليبيا، صنّف ليبيا في المرتبة 53 عالمياً، والبلد الأكثر تطوراً في أفريقيا، والذي تمت مقارنته بالعام 2014 وهو العام الأخير الذي توفرت فيه أرقام موثوقة، حيث انخفض متوسط دخل الفرد إلى أقل من (8) دولارات بعد أن كان يضاهي مثيله في أوروبا، وكانت ليبيا تتمتع بنسبة فقر ضئيلة جداً ورعاية صحية مجانية شاملة، إضافة للتعليم والحريات العامة. لقد كانت الحكومة الليبية في عهد الراحل معمر القذافي، تقدم لمواطنيها قروضاً من دون فائدة عن طريق بنك الدولة المركزي بموجب القانون الليبي، فالحرب الأطلسية على ليبيا كانت بسبب استقرارها وغناها الطبيعي من النفط والغاز والماء، فلدى ليبيا أضخم أنظمة الري في العالم، إضافة لمقتنيات الذهب والفضة، وقد كان حلم القذافي تحرير القارة الأفريقية بأكملها من الهيمنة الغربية من خلال تعزيز الاقتصاد الإفريقي وإصدار ما يسمى “الدينار الذهبي” كعملة أفريقية مدعومة بالذهب والتي هي بالتالي ستصبح منافساً للدولار الأميركي والنظام المصرفي الغربي. ومقابل ذلك وبعد سنوات من الحرب الناتوية على ليبيا، ذكرت منظمة حقوق الإنسان في تقاريرها، أن ليبيا تعاني من كارثة إنسانية بعد نزوح كبير داخل البلاد وخارجها، وتعطل الخدمات الأساسية وتزايد الحالات غير المشروعة كالاعتقال والخطف والقتل.

وللأسف المأسوف عليه، فقد حول حلف الناتو ليبيا إلى بلد تفوح من شوارعه رائحة الموت والخراب والدمار، وتلتهم مدنه نيران الأطلسي ويتجاهلون عمداً، بأن غيرة بلدان حلف الناتو، ليس على أبناء ليبيا وإنقاذهم من نيران قوات النظام، بل جل ما يشغل بالهم، كيف يمكن الحصول على حصة أكبر من الثروة الليبية النفطية والغاز الليبي. فقد كانت الجماهيرية الليبية هدفاً أساسياً ومطمعاً استعمارياً كبيراً للغرب الاستعماري مع وضوح مكامن الثروة الطبيعية التي تمتلكها، ودورها الإقليمي في فضح الدور الاستعماري الغربي في القارة الإفريقية.

في خريف العام الماضي 2014 تكشف أن سيناريو الحرب على ليبيا قد شهد منذ بداياته في شباط- آذار 2011 عمليات إنزال جوية بريطانية كانت بنغازي مسرحاً لها بدءاً من مطلع آذار 2011 أي قبل صدور القرار 1973 الخاص بالتدخل في ليبيا الذي صدر في 17 آذار 2011، كما قامت الاستخبارات الفرنسية الخاصة هي الأخرى بإنزالاتها في غرب البلاد وقريباً من طرابلس، وعلى مدار الأشهر الستة ما بين آذار حتى أيلول 2011 بدأت تظهر بوضوح الآثار المهمة التي تحدثها العمليات الاستخباراتية وتلك التي تنفذها قوات خاصة أميركية فرنسية بريطانية على الأرض. وكان واضحاً أن عمليات الناتو تتركز في مدينتين رئيسيتين هما رأس لانوف (تقع في خليج سرت على البحر المتوسط) والنوفلية (127 كم إلى الشرق من سرت) اللتان كانتا تشكلان مركزاً أساسياً للعمليات التي يقوم بها تنظيم القاعدة.

هدفت العمليات السابقة التي قام بها الناتو إلى التغطية على النشاط الكبير لعناصر القاعدة وخصوصاً منذ آب 2011 حيث تمكن هؤلاء من السيطرة (في ظل ذلك الغطاء) على الساحة الخضراء وسط طرابلس 21 آب 2011 ثم على باب العزيزية 40كم جنوب طرابلس في 23 آب 2011 ثم على مدينة سرت (450 كم شرق طرابلس) في 15 أيلول 2011 وصولاً إلى تمكنهم من اغتيال العقيد القذافي 20/11/2011 والإعلان عن سقوط النظام نهائياً. وإذا ما أردنا أن نحسن الظن بقوات الناتو فإننا يمكن أن نقول إن القاعدة في ليبيا كانت تعمل على مرأى من عيونها وبدعم لوجستي منها، أما إذا أردنا أن نكون حياديين، فيجب علينا القول إن القاعدة كانت تعمل تحت إشراف وتخطيط الاستخبارات الفرنسية البريطانية الأميركية، حتى إن التنسيق بين هذا الثالوث الأخير وبين تنظيم القاعدة كان يتم عبر عبد الحكيم بلحاج شخصياً والذي كان مطلوباً لجميع أضلاع المثلث السابق.

وكم كان يحز في نفس أحرار وشرفاء العالم، كيف كان يصرخ ”الثورجيون” مطالبين حلف الناتو بالتدخل البريء لإنهاء نظام القذافي، وعبروا عن فرحتهم وسعادتهم بقصف أبناء جلدتهم بصواريخ الناتو التي قتلت المئات ويذهب ضحيتها المدنيين الأبرياء، وآخرها ابن القذافي الأصغر وثلاثة من أحفاده، إن من يفرح بتدمير بلده ومقتل شعبه على أيدي الغزاة الجدد، لا يمكن أن يوصف إلا بارتكابه الخيانة الوطنية العظمى. وللأمانة التاريخية، فقد جامل مصطفى عبد الجليل وعبد الرحمن الكيب حلف ”الناتو” بدماء 50 إلى 60 ألف ليبي، بحيث هذه الدماء هي من أوصلتهما إلى كرسي السلطة… إذاً، المصلحة مشتركة، ولأنها كذلك وجب تبرئة الناتو، من جريمة قتل هؤلاء بدم بارد… ولتكون البراءة ناجزة وثقها عبد الجليل والكيب بتحقيق رسمي زعما أنهما أجرياه بعد تصاعد المطالب الروسية-الصينية بكشف جرائم الحلف في ليبيا خلال القصف الذي نفذه طول أشهر على مدنها وقراها. عبد الجليل والكيب هانت عليهما دماء الليبيين، ورخُصت فرخُص الوطن، لم يرف لهما جفن وهما يبرئان القاتل/الناتو، ولم تهتز شعرة كرامة في وجدانهما وهما يعلنان تلك البراءة، وكأنهما ينتميان إلى شعب وبلد آخر غير ليبيا، وكأن ”ثورة ثوار الناتو” التي وضعتهما على كرسي السلطة هي للوجاهة فقط.

ففي تقرير برلماني بريطاني نشره موقع “غلوبال ريسيريش”، والذي صدر عن لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، والمبني على مقابلات مع صناع قرار بريطانيين، ومن خلال استعراض الوثائق المتوفرة، كشف عن تحقيقات ميدانية متتالية تفيد بأن الحرب الأطلسية ـ الأميركية على ليبيا اعتمدت جملة أكاذيب وافتراءات ومعلومات مزيفة تروج لفكرة غير صحيحة بقيام الحكومة الليبية السابقة بقتل المتظاهرين في بنغازي، والذي اعتبره التقرير مبالغاً فيه ولا أساس له من الصحة، وهذا ما أكده الوزير الفرنسي السابق آلان جوبيه الذي تقدم بالقرار رقم 1973 لفرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا، بقوله: إن إثارة قضية كاذبة عن “قتل” المدنيين من قبل القذافي وأهمية إعادة إخضاع المدن لم تسفر إلا عن ضحايا أبرياء. إلى ذلك، لم يسجل التاريخ في سيرة الرئيس الراحل معمر القذافي انتهاكاً لحقوق الإنسان أو أي هجمات بحق المدنيين الآمنين، فقد أعلن القذافي في 17 آذار 2011 عن نيته عدم ملاحقة أي من المسلحين الراغبين بإلقاء سلاحهم واعتبارهم مواطنين يتمتعون بكامل الحقوق والواجبات. وقد كشفت التحقيقات لاحقاً أنه عندما استردت القوات الليبية منطقة أجدابيا في شباط 2011 لم تتم مهاجمة المدنيين هناك، بل سعى القذافي لاسترضاء المتظاهرين بعرض مساعدات تنموية ومشاريع حيوية. ففي تحقيقات دولية أجرتها منظمة العفو الدولية في حزيران 2011 لم تستطع إثبات ادعاءات بانتهاكات حقوق الإنسان من قبل قوات القذافي، بل كشفت الغطاء عن زيف الادعاءات وخلصت إلى (أن مستوى التهديد الذي تعرض له المدنيون تم تصويره وعرضه بشكل لا مبرر له، وتهم لا دليل لها).

في الذكرى العاشرة لبدء عملية “فجر أوديسا الملعونة” يجري الحديث اليوم بمجلس الأمن وكل مجالس الدنيا… عن حكومة الوحدة الوطنية برآسة “الدّبيبة” وضرورة الإسراع بتنفيذ الحلول الخارجية والمعلّبة، لأجل مستقبل ليبيا! ونتساءل: أين كان مجلس الأمن آنذاك عندما عملت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لتنفيذ مخططاتها وجرائمها البشعة في ليبيا؟ والأهم من ذلك، أين كان مجلس الأمن عندما حدث اختراق لقراراته، وما هي الإجراءات التي تم اتخاذها ضد الأطراف المسؤولة عن ذلك؟ إن ليبيا ما كانت لتصل إلى هذه الحالة، لو لم يتدخل كل من أوباما وكلينتون وكذلك كاميرون وساركوزي في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة. أين كان مجلس الأمن وصناع السياسة في العالم عندما انتهكت القوات الموالية لمحور تحالف الشر الثلاثي المتمثل بالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا قرارات مجلس الأمن ذاته وميثاق الأمم المتحدة متحدين بشكل سافر كل الأعراف والقوانين الدولية، وضاربين ببنودها عرض الحائط؟ ما يدعو للدهشة آنذاك، هو ذلك الصمت المطبق الذي خيم على أروقة مجلس الأمن التي تفصل الحلول كما يحلو لها، وفي الوقت الذي يناسب مصالحها وأهدافها السياسية، فمجلس الأمن لم يستطع الخروج من عباءة صمته، وبخاصة أنّ حرمته انتهكت في ليبيا، ولم يستطع أن يفعل شيئاً، أمام ارتكاب الكثير من أعمال القتل في الوقت الذي ساند فيه الغرب، والذي بدوره دعم القتلة الإرهابيين بالسلاح والمال، وتجاه خرق اتفاقيات جنيف على سبيل المثال؟

خلاصة الكلام: لا يسعني إلا أن أقول إنني أشعر بالعار والخجل من بعض الليببين الذين انخرطوا بالتآمر على بلدهم وشعبهم، ودعوا لاحتلال بلادهم من أجل شعارات كاذبة ومنافقة، ولكنني في الوقت نفسه أشعر بالفخار والعزة والكبرياء أمام أغلبية أبناء الشعب الليبي، وبخاصة الذين ضحوا واستشهدوا أو جرحوا أو تحملوا وصبروا وعانوا… وما زال لدي الإيمان والتفاؤل والتطلع لمستقبل أفضل لبناء ليبيا جديدة… وهذا يتوقف على نضال الشعب الليبي ضد كل أشكال التدخل الخارجي العدواني من الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة مثلما يتوقف على أهمية اختيار الشعب الليبي وقواه الوطنية والقومية لحلفائه الحقيقيين من أجل استقلال ليبيا وسيادتها ودورها القومي، وليس من تسخرهم واشنطن لحماية مصالحها.

كاتب صحافي من المغرب.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى