جبهة الجنوب السوري… هذا ما يجري بثلاثة اتجاهات

قرار استعادة الجبهة الجنوبية السورية اتخذ في دمشق. لا عودة عنه لاعتبارات بالجملة، منها ما يتصل بالبعد السوري الداخلي وخصوصا لحماية دمشق من هجوم مسلح كان يعد له “الجيش الحر” بدعم خارجي، ومنها ما يتصل بالبعد الإقليمي المتعلق بموازين القوة بين محورين: طهران-دمشق-المقاومة في لبنان، مقابل “المعارضة السورية” وحلفائها العرب وبالطبع المصلحة الاسرائيلية.

القضية بدأت بعد فشل الرهان على إحداث أي تغيير في الوقائع الميدانية السورية خصوصا في ريف العاصمة. لم يعد يستطيع المسلحون فرض اي معادلة، بل اصبحوا في وضع الدفاع عن مناطقهم. بالكاد تعكّر الصواريخ عن بُعد مزاج العاصمة. بالمقابل كان الوضع في وسط سوريا يميل لمصلحة الجيش السوري فيما يتحكم بأقصى الشمال والشرق نسبياً تنظيم “داعش”.

كان الخيار الأنسب للعواصم الداعمة للمعارضة و”الجيش الحر” التقدم جنوباً. هذا ما حصل في الأشهر الماضية. ساهمت اسرائيل بالمساعدة.

تكشف تقارير مراقبي الأمم المتحدة في هضبة الجولان (الاندوف) عن نمط ونطاق التعاون بين إسرائيل و”الجيش الحر”. ذُكر في التقارير التي قُدمت إلى الدول الأعضاء في مجلس الأمن تفاصيل عن اللقاءات التي تجري على الحدود بين ضباط وجنود الجيش الإسرائيلي ومسلحين من المعارضة السورية.

في آذار 2013، بدأت إسرائيل بإستيعاب جرحى من المسلحين السوريين للعلاج الطبي في مستشفياتها. أقام الجيش الاسرائيلي على مقربة من الحدود مشفى ميدانيا في هضبة الجولان، ونقل جرحى سوريين للعلاج الطبي في مستشفيات ميدانية في صفد ونهاريا. في الوقت نفسه كانت اسرائيل تقصف عند الحاجة مواقع الجيش السوري، وتقوم بتغطية نارية للمسلحين كي يتقدموا للسيطرة على مراكز استراتيجية مهمة في القنيطرة.اللافت ان المواقع ذاتها كانت حاولت اسرائيل في حرب تشرين 1973 التقدم لاحتلالها وفشلت مرات عدة.

حاولت تل أبيب تسويق مشروع المنطقة الآمنة أو “الجدار الطيب”، او نقل الدروز الى تلك المناطق. ضغطت على الدروز الذين يحملون الجنسية الاسرائيلية لإقناع دروز سوريا بالإنشقاق عن النظام السوري وضمان إنتقالهم الى الحزام الحدودي وتأمين حمايتهم من “المتشددين الإسلاميين”. لم يكتب لهذا المشروع النجاح بفعل عوامل عدة ابرزها وطنية وعروبة “الموحدين الدروز”، فسقط المشروع نهائياً.

جاء اعتداء اسرائيل على موكب “حزب الله” والضابط الايراني في القنيطرة ليسرع في خطوات الإيرانيين والسوريين و”حزب الله”. أساسا لم تكن الدول الداعمة للمعارضة السورية تخفي الاخبار عن تدريب “الجيش الحر” في الأردن. الهدف بالنسبة اليها ايجاد مساحة آمنة للمعارضة في الجنوب وتحديدا في درعا تضغط فيها على دمشق بشكل دائم.

رغم كل المحاولات بقيت درعا-المدينة بيد الدولة السورية. تمدد “الجيش الحر” حتى بسط سيطرته على “تلة الحارة” لقاء ثمن مالي باهظ دفعه الى احد القادة الميدانيين في الجيش السوري-حُكي عن بضعة ملايين الدولارات، فسقطت تلك التلة الاستراتيجية التي تكشف جنوب سوريا وجزءا من فلسطين المحتلة بيد المسلحين من دون نقطة دم. (يفوق ارتفاعها 1600 متر).

في الايام الماضية تقدم الجيش السوري وحلفاؤه وأعادوا السيطرة على عدد من المناطق بهدف تأمين طريق درعا- دمشق والتدرج في القضم. بعد انجازاته في قرى ما بعد كناكر والقرى التي تصل ريف العاصمة بريف درعا، يخطط للسيطرة على كل محيط دير العدس وكفر شمس قبل التوجه الى الحارة وتحديداً التلة فيها.

يسير الجيش السوري وحلفاؤه وفق ثلاثة سُبل. الأول بإتجاه القنيطرة مباشرة للوصول الى خط “برافو” – يبعد اقل من 15 كيلومتر عن اماكن تواجد القوات السورية الآن. والثاني بإتجاه الحدود اللبنانية تحديدا الى بلدة بيت جن القريبة من شبعا، يُقدر الجيش السوري وجود اقل من اربعة الآف مقاتل تابع “للجيش الحر” فيها. سيكون على هؤلاء إما الهروب بإتجاه لبنان وهذا مكلف للمسلحين نتيجة قرار الجيش اللبناني مواجهة اي تقدم لمنعه، وإما الهروب الى فلسطين المحتلة ولا يبدو ان الجيش الاسرائيلي سيسمح لهم بالدخول ويتوقع ان يعاملهم كما جرى مع “جيش لحد” عام 2000 بإقفال بوابات الحدود. وإما مواجهة الجيش السوري أو الاستسلام امامه.

في الاتجاه نحو الحدود الإسرائيلية أقرت الصحافة في تل أبيب بتقدم السوريين و”حزب الله” والإيرانيين، وتناولت القضية تحت عنوان: الإيرانيون على حدودنا. هنا يبدو “الرد النظيف” على استهداف الموكب في القنيطرة. تلوح هنا إشارات التوافق الإيراني-الأميركي بشكل واضح.

اما الاتجاه نحو بيت جن فهو محسوم من جانب المقاومة اللبنانية لحماية منطقتي شبعا وحاصبيا والجوار. وهي المعركة الأسهل على الجيش السوري وحلفائه بسبب حصارهم للمسلحين في هذه البقعة الجغرافية.

اما الخطوات العسكرية الأكثر تعقيداً فهي في ريف درعا. الجيش أبقى الطريق آمناً من العاصمة الى الحدود الاردنية مرورا بالمدينة بعد حمايته تقاطعات أساسية وخصوصا بعد معركة قرفا وخربة غزالة منذ أيام. بعد الخربة وقرب مدينة درعا تقع بلدة النعيمة التي يسيطر عليها “الجيش الحر” وهي من أولويات الجيش السوري لاستعادتها، قربها تقع بلدة صيدا التي تتواجد فيها “جبهة النصرة”. ما بين خربة غزالة والنعيمة يتخذ الجيش السوري مركزا عسكريا ضخما كان عصيا على المسلحين وهو يسمى “القاعدة المهجورة”. يضم عددا كبيرا من العسكريين ويستعد الجيش لتحريك قواته من القاعدة الى النعيمة ثم صيدا، بإنتظار تحديد ساعة الصفر.

لن تكون المعارك سهلة. لكن المؤشرات توضح ان الجيش الاسرائيلي بات يسلّم بحقيقة فشل رهاناته التي بناها على مسافة اكثر من سنة، ولذلك يطالب بعودة انتشار “الاندوف” ما بين خطي “برافو” في الجانب السوري و “ألفا” في الجانب الاسرائيلي. بينما تقلق العواصم العربية الراعية للمعارضة من تقدم الجيش السوري وحلفائه نحو الحدود الاردنية، وكأن ايران ستصبح أيضاً على حدود المملكة الهاشمية. فهل يأتي الحديث عن نشر قوة عربية في الأردن للرد على امكانية وصول الإيرانيين الى تلك الحدود؟

هذه هي قواعد الاشتباك التي تتغير تدريجياً. فأين حدودها وآثارها السياسية؟ الأشهر القليلة المقبلة ستكشف وحدها المسارات، بعدما باتت اللعبة عالمكشوف. فلننتظر.

عباس ضاهر – النشرة

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى