جنبلاط وحسابات الربح والخسارة!

كثيرة هي حسابات رئيس الحزب “التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط التي تدفعه الى قرارات متناقضة هنا وهناك من اجل الحفاظ على توازن سياسي يراه صائباً. الاهم في تلك الحسابات أنه لم يعد راغباً في حلف اقليمي دولي لمواجهة “حزب الله” بشكل كامل، في المقابل فإنه يذهب بعيداً ليكون رأس حربة تحت هذا السقف، ليواجه العهد والحكومة ولقيادة معارضات.

في حسابات وليد جنبلاط تجد الزعامة، والوراثة التي يعاني فيها من ازمة حقيقية ادت ربما الى غياب تيمور في الاسابيع الاخيرة وتصدر والده للمشهد كاملاً مرة جديدة. هذه ازمة الأزمات من دونها سيعاني البيت الجنبلاطي من قدرة على الاستمرار في ظل تصاعد واضح للقوى المدنية في الساحة الدرزية، وهذا كان قبل ١٧ تشرين فكيف بعدها؟ كل ذلك الى جانب استثمار ايراني كبير في حزب الوزير السابق وئام وهاب، الذي كاد يحقق خرقاً في الانتخابات الماضية لولا دعم حركة “امل” الكامل لجنبلاط.

التهديد الذي تشكله صعوبة الانتقال السياسي في الحزب الاشتراكي، هو الذي دفع الحزب ليكون اول الاحزاب التي تتوجه الى المساعدات الاجتماعية. قبل كورونا بأشهر كان “الاشتراكي” يجول على بيوت فقراء الجبل لتقديم المساعدات. يعرف وليد جنبلاط كيف يلعب دور “المخلص” لجماعته، هذا ملعبه المفضل.

نجح جنبلاط ايضاً ان يكون المخلص ايضاً في قضية قبر شمون، عطل حرباً دولية كبرى عليه، عطل حكومة واستغل علاقاته بالديبلوماسيين من اجل جماعته. لكن التهديد ليس هنا، التهديد الاساسي الذي يشعر به جنبلاط هو في جبران باسيل. فرئيس “التيار الوطني الحرّ” غير المحبوب جنبلاطياً يشكل تهديداً حقيقياً من خلال توتير الوضع الدرزي – المسيحي في الجبل، وهذا له تبعات على جنبلاط اكثر من غيره. فالمسيحيون اصلاً غير موجودين بشكل وازن سكنياً في العديد من مناطق الجبل. اما الذهاب لتوتير العلاقة فيؤدي الى انهاء الاستقرار الذي عمل عليه بيك المختارة لعقود، محاولاً محو اثار الحرب الاهلية، كما يشد العصب المسيحي والعوني ضد جنبلاط ما يفتح الباب امام خروقات انتخابية، سيكون أقلها ما تحقق في الانتخابات الماضية.

جنبلاط الذي ينقل عنه زواره وعارفوه نظرته السوداوية لما هو آت في لبنان والمنطقة، يشعر أنه بحاجة للتوازن، يريد حلفاً كامل الاوصاف مع بري، وهدنة حقيقية مع “حزب الله” ومعركة ضروسا مع العهد و”التيار الوطني الحر”. يريد أن يكون معارضاً الى جانب سعد الحريري، ومشاركاً في الحكومة لضمان مشاركته واستمراريته.

على هذا الاساس كان جنبلاط شريكاً في الحكومة، وافق على توزير وزيرة الاعلام، وكان معارضاً بخجل، ينتقد بعض القشور، الى حين شعر أن هذه المشاركة في الحكومة لا تنفع، وان من يقف خلف حسان دياب لا يقبل الهدنة، ويرغب باقصاء جنبلاط تدريجياً. كل المؤشرات توحي بأن جنبلاط لن يحصل على أي من التعيينات الدرزية، اذ أنه في حال ارادت الحكومة التسوية في نيابة حاكم مصرف لبنان فستجريها على الاسم السني، ولا رئيس الشرطة القضائية الذاهب الى ضابط لا يرضى به جنبلاط. انها المعارضة اذا!

جنبلاط الآتي من الوسط قرر تزعم المعارضة، وان يكون رأس حربتها بكل ما للكلمة من معنى، حاول تخطي قلة تنسيقه مع “القوات”، وقلة اقتناعه بالتحالف الاستراتيجي مع “المستقبل” وبدأ معركته، لكن دون ذلك عقبات، الاولى أن المعركة الشرسة كما بدأها جنبلاط ستقضي على الهدنة مع “حزب الله” وستحرجه مع بري، ان لم يكن الآن فعلى المدى المتوسط، اذ أن بري الممتعض من اداء الحكومة والراغب باسقاطها لا يمكن اخراجه في النهاية من حلفه الاستراتيجي مع “حزب الله”. كل ذلك في كفة، وما بدأه العونيون من تسخين لجبهة الجبل في كفة اخرى.

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى