جولة الحرب الأخيرة بين حركة الجهاد الاسلامي والكيان الصهيوني

الجولة الأخيرة من المواجهات المحتدمة في قطاع غزة الحبيب، على أثر استهداف القائد البارز والقيادي الكبير في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، الشهيد بهاء أبو العطا وزوجته في بيته شرق غزة، كان إشارات واضحة ودلالات ساطعة وبينات قطعية، وثقة كبيرة وأخلاقيات النضال ضد المحتل، وقرار حاسم أن سرايا القدس ليس بوسعها الا أن ترد، وأنها لن تستطيع أن تمتص الضربة، أو أن تتجاوزها أو أن تقوم بتأجيلها لبعض الوقت، أو أن تُأجلها الى قادم الأيام أو قادم المواجهات في المستقبل، سيما أن هذا الاحتلال الصهيوني لن يتردد في تكرار فعلته الغادرة، إذا لم يتلقى الضربة سريعاً، خاصة أنه وفي الآونة الاخيرة يقوم بضرباته على المنطقة، إن كان في غزة أو مناطق عربية مثل العراق وسوريا ولبنان، لترميم صورته وتعزيز الردع كلما سنحت له صورة الاستعراض المتفوقة أمام جمهوره الصهيوني الموغل في تطرفه الأرعن، والمُستقوى بأحدث الطائرات والآلة العسكرية المجنونة، والمدعومة أمريكيا وكل قوى الشر العالمي، وليس أخرها طائرات اف 35 الأمريكية، ومنظومة اعتراض الصواريخ فيما يسمى القبة الحديدية وغيرها من المنظومات، ومن ناحية أخرى محاولة الاحتلال الصهيوني البغيض اخافة المنطقة العربية والإسلامية دولاً وفصائل وتنظيمات، ومجاميع مختلفة من مغبة التفكير بمقاومته او الاستهانة به وبقدراته القتالية والعسكرية. وبالتالي قدرته على حماية نُظم مستبدة في المنطقة اذا ما خشيت على عروشها، والتي أصبحت واضحة في علاقتها مع الاحتلال، ومدى خطورة التنسيق فيما بينهم، تحت مُسمى التصدي للخطر الإيراني وحلفاؤهم، وبالتالي إمكانية الرهان عليه في حفظ استقرار هذه الأنظمة الخائفة، والتي ستؤمن المال الوفير لهذا الكيان المحتل بفاتورة ربما أقل مما يفرضه عليهم الأرعن ترامب، عبر جزية مبالغ فيها، وابتزاز غير مسبوق، وعبر السيطرة الأمنية والاقتصادية.

ومن دواعي الضربة العسكرية أيضاً الهروب إلى الأمام من قبل نتنياهو رئيس وزراء العدو، للهروب من مسألة محاصرته بملفات الفساد وسرقة الأموال والرشاوي، التي تُدينه بشكل دامغ، ومحاولة بلورة اتجاه أو نسق فكري لجهة أنه المخلص والشخصية الوحيدة القادرة على الدفاع عن الكيان الصهيوني، أمام التحديات، وبالتالي ضمان نجاحه إذا ما تعقدت مسألة تشكيل ائتلاف حاكم في دولة الكيان، وأُحيل الموضوع إلى إعادة ثالثة للانتخابات الصهيونية، بما يضمن تفوقه في الانتخابات، خاصة أنه يعيش حالة هوس نفسيه أنه قاد دولة الكيان 13 سنة متقطعة.

وقد كان رئيس دولة الكيان الأول بن غوريون أطول وقت حُكماً لدولة الكيان على الاطلاق، وهنا يريد أن يُحقق أطول فترة حكم متواصلة في الحكم منذ مغادرة أولمرت الحكم، وهناك هوس آخر وهو آلة الردع والسيطرة الأمنية لدولة الكيان على المنطقة، في انجازه وضع أمني خاص وهو عدم قدرة الخصم المقابل على الرد استناداً الي فهم خاطئ او تقديرات واهمة، ان الجهاد الإسلامي لن يرد خوفاً من حرب شاملة أو تحت وطأة ترتيبات غرفة العمليات المشتركة، أو التزامات مع مصر أو مراعاة لإرهاصات الانتخابات التي يتم الحديث عنها في الساحة الفلسطينية أو امتدادات الاغتيالات لتشمل قيادات الحركة في الخارج أو الداخل، ولكن الحركة خيبت ظنهم، فقد وقفت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وقفة جادة ومسؤولة وموحدة ومتكاملة على قلب رجل واحد، ولقد اُتخذ قراراً تنظيمياً مركزياً بضرورة الرد بعد بضعة دقائق، من حادثة الاغتيال الجبانة في قطاع غزة، والمتزامنة مع استهداف منزل القيادي الكبير في حركة الجهاد الإسلامي في دمشق وعضو المكتب السياسي للحركة ورئيس الدائرة العسكرية للحركة الأخ المجاهد الكبير أكرم العجوري في المزة الغربية أحد أحياء مدينة دمشق العاصمة السورية، والذي يهدف الى شل الحركة على الرد واقحامها في حالة إرباك، ولكن جهوزية الحركة للمواجهة بشكل دائم وامكانية حدوث مواجهة في أي لحظة، والاستعداد دائماً للدفاع عن قيادة الحركة أو مجاميع الشعب الفلسطيني بكل فئاته ومكوناته، جعل أبناء السرايا يتخذون مواقع متقدمة وسريعة، ولكن في ذات الوقت غير متسرعة وغير منفعلة، بما يتناسب مع حجم الحدث الذي ارتكب في غزة ودمشق العروبة، وبما يشف صدور قوم مؤمنين، وبما يردع العدو الصهيوني الغاشم و المعتدي والغادر، وبما لا يصل لمستوى حرب شاملة، وبما يضمن سرعة التحرك قبل الوساطات الاقليمية والدولية، وبما يوسع دائرة الرد لتشمل كل غلاف غزة ومدن الجنوب والوسط في دولة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين المحتلة، وشل الحياة وإغلاق المؤسسات والمدارس والدوائر الحيوية، وجعل مدن الكيان الغاصب في الجنوب والوسط مدن أشباح فارغة من سكانها، وإدخال ما يزيد عن المليونين من الغاصبين إلى الملاجئ المُحصنة، والخسائر المادية الهائلة، ووقف عملية التعليم، والهجرة إلى مدن الشمال.

جولة الحرب الأخيرة بين حركة الجهاد الاسلامي والكيان الصهيوني

إن الانتصارات في أي معركة لا تُقاس بمدى الخسائر البشرية عند أي طرف كان، انما بالقدرة على شلّ الحياة وردع الخصم عن المواصلة في المواجهة، وإخافته وردعه، وإلزامه في تقديم تنازلات مجانية بل مفروضة على إرادته السياسية، وقدرته على العمل العسكري والميداني وشلّ قدرته الهجومية والدفاعية، وصولاً إلى عدم القدرة على الدفاع عن أركان حزبه. ومن الناحية الاستراتيجية والمنهجية والبنيوية، ليس المهم ما يملك التنظيم أو الفصيل من قوة وأسلحة أو استراتيجيتها أو قوتها التدميرية، بل المهم هو توافر القدرة النفسية لاستخدامها أو الإرادة السياسية لاستعمالها او الجرأة في إطلاقها، وعدم الدخول في مسألة الحسابات المتقاعسة والمستغرقة في حسابات البراغماتية.

ان الأسلحة في حال عدم استخدامها مع امتلاكها تصبح عبئاً إضافياً استراتيجياً أو تخريبياً، الا إذا أحجم القائد عن عدم استخدامها تكتيكياً، أو لضرورات تقديرات الموقف ميداني، هكذا تُحسم نتائج اية حرب، وتعيين النجاحات طالما لم تُفرض اية شروط استسلامية، و لم تُفرض قواعد اشتباك جديدة، ولم تُرفع الضحية الراية البيضاء.

في المواجهة الأخيرة من الصدام المسلح على ارض غزة هاشم، لم يُسلم الجهاد الإسلامي وسراياه المظفرة، وقيادته المبدئية والعميقة في إدارة الصراع بتغيير قواعد الاشتباك، ولم تتردد في الدفاع عن شعبها بل وفرض على الاحتلال شروطها الثلاث، والمُتمثلة في وقف الاغتيالات ووقف الاعتداءات على المتظاهرين السلميين على طول الحدود الشرقية لقطاع غزة، والعودة إلى التعهدات السابقة المتعلقة بالحصار المفروض على غزة، ووقف الخروقات والتمادي في تجويع أهلنا في غزة.

لقد كانت جولة من التصعيد العسكري أدارتها سرايا القدس وقيادة الجهاد الإسلامي، وعلى رأسها الأستاذ زياد النخالة أبو طارق الأمين العام للحركة بنجاح مُنقطع النظير، وكانت مُنظمة بإمتياز ومدروسة بشكل دقيق، ولعل انفرادها في المواجهة وحدها وسهل عليها إدارة المعركة بتفوق رائع وريادي، و لقد شهد القاصي و الداني بقدرة الجهاد الإسلامي على لجم عدوان هذا العدو اللئيم، الذي خاض حربه وعمليته العسكرية والتي أسماها عملية الحزام الاسود، وأسماها أبناء الجهاد الإسلامي صيحة الفجر. خاضها هذا الاحتلال بأوامر من قبل نتنياهو الذي أُهين منذ اسابيع قليلة، ونزل بشكل مُخزٍ عن منصة خطابه مرتبكاً ومقصوفاً أمام أنظار العالم أجمع، وهو الذي يتبجح ليلاً نهاراً عن أمن الكيان وقدرته على الضرب في أي مكان دون حساب أو عقاب، وأعطى الاوامر بعد أن ركّعه الشهيد بهاء ابو العطا أمام كاميرات التلفاز، حيث أراد نتنياهو الانتقام لشخصه ولكرامته المهدورة أمام الجمهور من خلال هذه العملية، ولم يستطع أن يفرض شرطاً واحداً أراده، بينما فرض الجهاد الإسلامي كامل شروطه الثلاث، وليتبجح الاحتلال وليقل ما يشاء حول عدم إعطائه أي ضمانات او شروط للسرايا، ولكن ما يُكذب روايتهم هو الميدان، وشهادة الجانب المصري الوسيط.

هذه المعركة التي أقرّت بقبول الاحتلال الصهيوني بشروط الجهاد الإسلامي، للدخول في تهدئة لن يقبل فيها الجهاد الإسلامي بمبدأ إطالة عمر التهدئة، على قاعدة الهدوء مقابل الهدوء، وأي خروقات تُجاه أي متظاهر، ستنطلق صواريخ الجهاد الإسلامي مُجدداً لتدك عمق الاحتلال الصهيوني، وكما كان الشهيد أبو العطا وفياً وحارساً وأميناً ومدافعاً عن ابناء شعبنا، على طول حدود غزة هاشم. وما حادثة قنص الجندي الصهيوني الذي أطلق النار على المتظاهرين في خوذته العسكرية منا ببعيد، وسيبقى أبناء السرايا أوفياء على خُطى الشهيد القائد بهاء، وبتوجيهات الأستاذ زياد النخالة ورفيقه أكرم العجوري، وهذا عهدنا بمبدئية واصرار ووفاء هذا التنظيم الجهادي والريادي والطليعي والصادق مع نفسه وشعبه، وهذا ما جعل أبناء شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة يطالبون باستمرار المواجهة مهما كانت التضحيات، ومهما تعاظمت الخسائر ومهما طالت أيام الحرب، حيث أن الاحتلال الصهيوني لا يستطيع الاستمرار ولا مواصلة الحرب، حيث أن نتنياهو توجه بعد ساعة فقط للمصريين طالباً وقف اطلاق النار، وعدم المطالبة بفرض قواعد اشتباك جديدة والعودة إلى سابق يوم اغتيال الشهيد ابو العطا، ولكن جماهيرنا الفلسطينية، بقيت صامدة وطالبت كل الفلسطينيين بالرد المزلزل، واستاءت جداً من استفراد الاحتلال الصهيوني بالجهاد الإسلامي فقط دون سواه، وهذا ما عبرت عنه صراحة دون مواربة في مسيراتها ومنصات هذا الشعب العظيم، الذي يُدرك جدياً خطورة استفراد العدو بحزب أو فصيل او بقعة جغرافية من أرض فلسطين، فبادلت الجهاد الإسلامي حباً بحب واحتراماً باحترام ووفاءً بوفاء.

هذا الحب والاحترام والوفاء الذي ابداه الشهيد القائد بهاء أبو العطا، ابتداء منه لشعبه ودفاعاً عنه. حيث كانت الجماهير الفلسطينية والعربية والإسلامية، ملتحمة معه، مبادله له كل الحب والوفاء والاحترام، بيعةً واستفتاءً والتفافاً، على شخصه وخياره ومقامه، فكان اسمه يتردد في المنطقة العربية والإسلامية والعالم أجمع، وتفوق في استفتاء أجرته وسائل الإعلام فكان اسمه مشهوراً بنسبة 64 بالمئة، مع عدد من الأسماء التي حازت على باقي النسبة.

لقد ذاع صيت الشهيد بهاء أبو العطا في كل أركان الدنيا وجهات العالم الأربع، ومن ورائه حركة الجهاد الإسلامي وسرايا المقاومة، وما كان ذلك ليحدث لولا أن تأكد الجميع ممن يحبون فلسطين، أن هذه الحركة ورجالها أوفياء لشعبهم ولقضيتهم ولقضايا المسلمين والعرب، والقضية المركزية لأحرار العالم أجمع.

ولقد حظى الشهيد أبو العطا بإعجاب وتقدير وامتنان جميع الكُتاب والمؤلفين والمسؤولين، ومجاميع الشعب الفلسطيني والعربي والإسلامي، مما عكس اجماعاً حول موقف الجهاد الإسلامي ورضي عن أدائه، واقتداءً بمبادئه وانسجاما مع ثورته، والتحاما مع خياراته، ودعماً معنوياً كبيراً في رد الإساءة عنه من بعض من لم يرق لهم هذا الظهور الكبير للحركة وسراياها، بين أوساط شعبها وحبهم لها والالتفاف حول خياراتها في المواجهة مع الكيان الصهيوني، وبعد ما أدهشهم وأزعجهم موقف الالتفاف الشعبي الكبير حول الجهاد في موقف المدافع عن حقوق ومصالح ابناء الشعب الفلسطيني، وعن حياته ومستقبله ومصيره، ولربما لهذا السبب لم يوسع الجهاد الإسلامي رقعة وحجم الرد رأفة بأنباء شعبه. بينما قام برد كبير في ذات الوقت، ولكن بما يتناسب مع حجم الجريمة، وبما لا يصل لمستوى حرب شاملة، وبسرعة قصوى قبل تدخل الوساطات، و بما لا يجعل العدو يفرح بتحقيق انتصارات، او تغير بشروط الاشتباك، و بما لا ينتقص من شروط الجهاد الإسلامي الثلاثة، وبما يحفظ أرواح ابناء شعبنا الفلسطيني، هذه الرقة والرأفة والحفاظ من قبل الجهاد الإسلامي تجاه ابناء شعبنا هي التي جعلته يحتضن ويخرج من مسيرة الشهيد أبو العطا وكأنه في استفتاء وتأييد لخيارات لجهاد الإسلامي وكذلك الأمر في وداع شهداء دمشق “الشهداء معاذ أكرم العجوري والشهيد عبدالله يوسف حسن”، حيث لم يلتئم ولم يجتمع مثل هذا العدد من ابناء شعبنا الفلسطيني وابناء الشعب السوري الشقيق، منذ تسع سنوات قبل الأحداث الدامية في سوريا العروبة، وحيث اجتمع كل أبناء شعبنا في سوريا المقاومة على مختلف انتماءاتهم ومشاريعهم الفكرية والسياسية و الجغرافية سفيراً وفصائل مقاومة وأندية ومؤسسات، وكل مخيمات ابناء شعبنا في سوريا بالإضافة الي وفود رسمية ووزراء، ومفتي الجمهورية العربية السورية ووفود وأطر شعبية وأهلية مؤسساتية، ولقد كان للكلمة التي ألقاها سماحة مفتي الجمهورية العربية السورية الأثر الطيب لقيم الالتفاف حول المقاومة، والاحتضان لهذا الخط في المنطقة برمتها، وتحديداً في غزة هاشم وفي قلوب ابناء الجهاد الإسلامي في فلسطين، سيما في سجون المحتل الصهيوني، وكذلك الموقف التونسي الشجاع والمسؤول، وكذلك موقف الأخوة الثوار في اليمن والعديد من العواصم العربية.

وكان ملفتاً كيف أن شوارع صنعاء تهتف بصوت واحد مع المقاومة الفلسطينية، بل وتهدد الكيان باستهدافه، على الرغم مما يعانون من عدوان عليهم.

وعلى ضوء هذه الجولة الاخيرة من المواجهة المسلحة على أرض قطاع غزة، ندعوا لنُقيم الأداء السياسي والفصائلي وتباين المواقف، وندعو لنقف جميعاً صفاً واحداً وبنياناً مرصوصاً، ولا يستفرد بفصيل دون اخر، ولنتوحد أكثر في الدفاع عن شعبنا، ولتحتضن هذه المسيرة كل الجهود العربية والاسلامية كحاضنة حقيقية للمقاومة، لأنه اذا اختلفنا على برنامج المقاومة ستختلف المنطقة العربية من حولنا، وبمقاومتنا الموحدة نوحد منطقتنا من ورائنا، ولننبذ الخلافات ولنستعد للدفاع عن شعبنا في جولات الصراع القادمة مع الكيان الغاصب، الذي يعد العدة لإجرامه ضد أبناء شعبنا، ولنعيد علاقتنا ومواقفنا مع دول المنطقة، ونكون قريبين من كل دولة بقدر قربها من فلسطين ومقاومتها، ونكون أوفياء بقدر وفائها لفلسطين ولمقاومتها، وبذلك نُعيد ثقة الجميع بمقاومتنا للنهوض بمستوى التحديات التي تواجهنا.

رحم الله شهدائنا البررة.

بواسطة
بقلم الأسير الفلسطيني في سجون الاحتلال الاسرائيلي عز الدين الفارس
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى