حاكِمِيَّةُ اللهِ وَإِمْرَةُ الْبَشَر

ماكَتَبَهُ الشيخُ الدكتور محمد علي ميرزائي حفظه الله على صفحته في الفيس بوك كانَ مصدرَ إِلهامي في كتابةِ هذا المَقال ؛ فقد أَشارَ الشيخُ الى مفهومِ الحاكميَّةِ بالمفهوم الذي طرحه ابو الاعلى المودودي وتبناه سيد قطب وماتناسلَ عنهُ من تكفيرٍ واستباحةٍ لدماء الناس وانتهاك حقوقهم ، ويرى الشيخ ميرزائي استخدام مفردة حكم الله بدلاً من حاكميّةِ الله ، وانا هنا استخدمُ الحاكِمِيَّةَ لا بالمعنى الذي فهمه المودوديُّ وسيّد قطب وَلامُشاحّةَ في الاصطلاحِ ، وانما بمعنى اخر ينسجم مع إِمرةِ الناس كما اشار اميرُ المؤمنينَ (ع) . أَوَّلُ من طرح هذا المفهومَ ( الخوارج) بعدَ رفعِ المصاحفِ في صفين فقد رفعوا شعارَ ( لاحُكْمَ الاّ لله) ، وقد اَجاب علي (ع) بقوله: ( كلمةُ حَقٍّ أُريدَ بها باطلٌ ) ، اي: انَّ هذهِ المقولةَ حَقَّةٌ ولكنَّ الخوارجَ اساؤوا فهمها ، وَوُظِّفَتْ تَوظِيفاً سَيِّئاً أَدى الى سفك الدماء وقتل الصحابة ، واَدت الى استشهادِ امير المؤمنين (ع) في محراب صلاته ، وكان الخوارجُ أَدواتٍ في تنفيذِ هذا المخطط. .

الامام علي عليه السلام فَكَكَ مقولةَ الخَوارجِ وَمَيَّزَ بين حُكمِ الله وإِمرةِ الناس بقوله : (كلمة حق يراد بها باطل نعم إنه لا حكم إلا لله ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة الا لله ، وإنه لابد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الاجل ويجمع به الفئ ويقاتل به العدو وتأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بر ويستراح من فاجر) . نهج البلاغة ، الخطبة رقم 593 ، نقلا عن بحار الانوار ، المجلسي ، ج33 ، ص 358.

وَمُصْطَلَحُ الامر هو الوارد في القرآنِ منسوباً الى البَشَرِ كما في قولِهِ تعالى: { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } ؛ الشورى: الاية: (38). أمرُ الناسِ شورى بينهم ، وجاء على لسان بلقيس كما حكاه القرآنُ الكريمُ : { قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ } ؛ النمل: الاية: (32) . وبلقيس هنا تتحدث عن قضيةٍ تتصل بحكمها وتعقد مجلسها الاستشاري لِتَبُّتَ في هذه القضيةَ . وكان جوابُهُم : { قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ } ؛ النمل: الاية: (33).

وتحدث القرآنُ عن أُولي الأمر : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } ؛ النساء: الاية: (59). { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } ؛ النساء : الاية: 83.

وقد حاولَ المُفَكِّرُ السُّودانيُّ محمد ابو القاسم الحاج محمد التخفيفَ من غلواءِ مفهوم الحاكِمِيَّةِ الذي طرحه المودودي وتبناه سيد قطب بتشطير مفهوم الحاكميّةِ بين الله والانسان ؛ فجعل الله حاكماً في الكون والطبيعةِ وَنِظامِ الوجودِ ، والانسان حاكمٌ في مجال المجتمع والسياسة والاقتصاد . وهذا الفصلُ لم يعالجْ المسأَلَةَ ويَحُلُّ الاشكالِيَّةَ .الحياة لاتقبل التشطير بين الله والانسان ، الحياة ينبغي ان تكون خاضعة للرؤية الالهية في الصلاة والمنسك والمحيى والممات ، كما يقول الله تعالى : { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ؛ الانعام: الاية: (162).

مقالات ذات صلة

المُقارَبَةُ المودوديَّةُ القُطبيَّةُ اثبتت حاكميةَ الله وأَلْغَتْ إِمْرَةَ الانسان وحكومتَهُ ، والمقاربةُ العَلمانيَّةُ اثبتت حاكِمِيَّةَ الانسانِ وَأَلْغَتْ حاكِمِيَّةَ الله ، وأَمّا المُقارَبَةُ العَلَوِيَّةُ فقد جعلت حكومةَ الانسانِ وإِمرتَهُ في طولِ حاكميَّة الله . حكومة الانسانِ في اطارِ حاكميّةِ الله تعالى .

  • حاكِمِيَّةُ اللهِ في القرآنِ الكريم

كما انَّ لله الحاكِميَّةَ في عالَمِ التكوينِ ، في الطبيعةِ والوجودِ لهُ الحاكِميّةُ في عالَمِ التشريعِ والعقل لايُجَزِّئُ بين هذه الحاكِمِيَّةِ ؛ فمن لهُ الحاكميّة في التكوينِ لهُ الحاكميّةُ في التشريعِ ، ولكنَّ هذهِ الحاكِمِيَّةَ لاتصادرُ إِمرةَ الانسانِ وحكومتَهُ ، وهنا نستعرض الآياتِ التي اشارت الى حاكِمِيّةِ الله تعالى :

{ انِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ } ؛ الانعام: الاية:(57).

{ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } ؛ البقرة: الاية: (113).

فالله تعالى له الحاكِمِيَّةُ والفصلُ بينَ المختلفينَ في يوم القِيامَةِ .

{ وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ } ؛ يونس : 109 .

{ ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ؛ الممتحنة : الاية: (10).

  • حُكُومَةُ الانسانِ وإِمْرَتُهُ في القرآنِ الكريمِ

للانسانِ إِمْرَةٌ وَحُكُومَةٌ في اطار حاكميةِ الله وقد اشار اليها القُرآنُ الكريمُ : { ۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } ؛ النساء: الاية: (58)، { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } ؛ المائدة: الاية: { فاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } ؛ المائدة: الاية:(48). { يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ } ؛ ص : الاية: (26).

هذه الاياتُ التي تحدثت عن حكومة الانسان لاتتعارض مع الايات التي صرحت بحاكمية الله ؛ لانهما في طولٍ واحدٍ . حكومة الانسان في اطار الحكم الالهي يمثلها نظام الاستخلاف عن الله، الانسانُ فيها يؤدي امانة الخلافة عن الله . فالحكومة الاسلاميّةُ ليست حكومةً ثيوقراطية تحكم بنظرية الحق الالهي وتصادر ارادة الانسان ولاهي حكومة تلغي حاكمية الله وتثبت حاكمية الانسان ، وانما هي حكومة تثبت امرة الانسان في اطار حاكمية الله .

وحاكِمِيَّةُ الله تتم بتوسيط البشر ؛ فحتى في النزاعات الجزئية كالخلافاتِ بينَ الزوجينِ يتم بتوسيط البشر كما في قوله تعالى : { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا } ؛ النساء: الاية: (35). فضلاً عن القضايا الكبيرة كحكم الناس . يحتاج الى علم عميقٍ وفهم النصوص وتنزيلها على الواقع وهذا فقهٌ ؛ فالفقيه ليس مجرد شخص لهُ قدرةٌ على استنباطِ الاحكامِ من مصادرها المقررة ، وانما له قدرة وفهم للواقع لتنزيل هذه الاحكام على الواقع.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى