حرب عالمية ثالثة.. هل يصبح الأسد فجأة رجل الحل الوحيد؟

لا توحي المعطيات الدولية بإمكانية الوصول إلى أيّ إتفاق. ستزداد الأمور تعقيدًا مع زجّ الأميركيين والروس بكلّ وسائل النزاع. الأحداث الشرق أوسطية هي حصيلة التصادم الدولي. الملفات تتزاحم: أوكرانيا والغاز والنفط والنووي وهونغ كونغ وداعش والنفوذ… لم يعد بالإمكان إيجاد حلول جزئية. الصرف بالجملة وليس بالمفرّق.

لا يمكن فصل المقاربة للأحداث السورية عن السباق الغربي-الروسي حول أوكرانيا، ولا سحب الحسابات حول هونغ كونغ عمّا يجري في شأن التموضعات العابرة للقارات.

تواجه واشنطن صلابة روسية كما بدا بعد لقاء وزيري الخارجية الروسي والأميركي في باريس. حاولت الولايات المتحدة الإيحاء بأنّ ثمة اتفاقاً حول تبادل المعلومات الاستخبارية بشأن محاربة “داعش”. جاء الرد من موسكو فورًا: لا اتفاق واللجنة المعنية المكلفة بين البلدين أوقفتها الإدارة الأميركية سابقاً. لم يكتف الرد الروسي هنا، بل سحب مجدّدًا بساط شرعية التحالف الغربي الذي يخوض الحرب في العراق وسوريا. لا يعني الأمر أنّ الروس متضرّرون من ضرب الإرهاب، لكنّ مطالبهم واضحة دون تنازل: لن نكون تابعين بل مشاركين حقيقيين ضمن أطر أممية مفهومة ومحددة. عمليًا، يريد الروس من الأميركيين الاعتراف العلني بشرعية النظام السوري وحماية مصالح روسيا وحلفائها في المنطقة.

تستخدم واشنطن أسلحة بالجملة لإستهداف الروس. مطلعون غربيون تحدثوا عن إغراء أميركي للإيرانيين يساهم برفع العقوبات عن طهران وتسهيل المسار التفاوضي النووي في حال تخلت عملياً إيران عن أيّ تلاق مع روسيا. لكنّ الجواب الإيراني جاء بالمماطلة إلى حدّ رفض تلبية رغبة الغرب بتزويد أوروبا بالغاز بدلا من موسكو.

في السنوات القليلة الماضية، قرّبت الأحداث والمصالح الروس من الإيرانيين. جمعهم إلى جانب الصين السباق مع الولايات المتحدة. بالمقابل، صار الأوروبيون أكثر إلتصاقاً بالأميركيين. التحالفات تظهّرت تدريجياً بعد أحداث سوريا. جسّدتها الصين وموسكو في الأمم المتحدة وكرّستها معهما طهران ميدانيًا وسياسيًا بدعم الجيش السوري ضدّ مجموعات “الجيش الحر” و”جبهة النصرة” قبل أن يحتلّ الواجهة تنظيم “داعش”.

لجأت واشنطن في الفترة الأخيرة إلى خوض حرب النفط ضدّ خصومها وأعدائها الدوليين بنفس الوقت الذي فرضت فيه عقوبات إقتصادية عليهم. مارست الولايات المتحدة لعبة تخفيض أسعار النفط، رغم أنها ضحّت عملياً بإنتاجها الحالي من النفط الصخري. لكنّ الهدف بالنسبة إليها أبعد من تخفيض محدّد التوقيت. تريد واشنطن إخضاع الروس والإيرانيين والفنزوليين بضربة واحدة. لم تكن اللعبة جديدة في تاريخ الأمم الحديثة. سبق وحصلت عامي 1976 و1986.

تناقص الطلب الغربي على النفط لكن الخليجيين واصلوا ضخ منتوجاتهم لإغراق السوق. هذا ما يحصل الآن بإشارة أميركية.

يمسك القيصر الروسي فلاديمير بوتين أوراق قوّة بيده. لم يذعن لضغوط الأميركيين. قال لهم علناً: “لن تنجحوا، أنتم غير واقعيين ويستحيل عليكم هزيمتنا”. المشهد بدا أوضح. يدرك بوتين أنّ الادارة الاميركية تحارب بلاده بوضع العقوبات ومحاولة تجييش الإسلاميين في القوقاز، بعد فتح أزمة أوكرانيا، ومحاربة حلفائه في سوريا.

تتعرض ايران أيضاً لضغوط اقتصادية هائلة تضاف إلى خسائر تراجع أسعار النفط. الإلتزامات الإيرانية ضخمة: دعم جبهاتٍ عدّة من سوريا إلى المقاومة في لبنان إلى غزة واليمن وما بينهم وصولا إلى ارتباطات في أفريقيا تحتاج جميعها لضخ مالي دائم.

يحارب الغرب الجمهورية الاسلامية الإيرانية بتجييش مذهبي لدفع السنة ضد طهران. هو نجح جزئياً حتى الآن، ساعده غباء حلفاء طهران في العراق. تأتي احداث بلوشستان في ذات السياق. لكنّ وضع العراق يشكل أكبر ضغطٍ على إيران، معطوف على ترويج مشاريع التقسيم لضرب محور كان يمتد من طهران إلى غزة.

بالنسبة الى الأميركيين، لا مشكلة في توسّع مساحات الأزمات في الشرق الأوسط مع ضمان أمن اسرائيل. هذا ما هو حاصل الآن. لا مشكلة بزكزكة الاتراك أو السعوديين. لا استحالة بالمقابل بتغيير الحلفاء وتبديل الاتجاهات.

لن تحلّ في سوريا ولا العراق ولا يضبط نهائيًا وضع لبنان. لا حلّ في اليمن ولا ضمان لاستقرار مستدام للخليج ولا حتى اقليم بلوشستان في ايران. لا أمان للكرد من الأتراك، ولا قدرة على حسم أيّ ساحة من دون وفاق أميركي-روسي.

في الحسابات الاميركية مصالح أكبر ممّا يعتقد البعض حول من يحكم سوريا مثلا. قد يصبح الرئيس السوري بشار الأسد فجأة ومن دون مقدمات أميركية رجل الحل الوحيد وصاحب الشرعية الأبدية. تلك تفاصيل تغير مقارباتها القضايا الاستراتيجية. هناك مشكلة اقتصادية ضخمة يعاني منها الغرب تدريجيًا. من يعالجها وكيف؟

هل يتنازل الروس عن صعودهم للعودة عمليًا إلى فترة تشبه انهيار الاتحاد السوفياتي ماليًا وعسكريًا وسياسيًا؟ هل تضمن الصين مساعدة الغرب وغضّ الطرف عمّا لها في ذمة الأميركيين؟

المستجدّات تتسارع وفق تحالفاتٍ متشابكة تقود العالم إلى حروبٍ مباشرة لا تحيّد ساحة، مع اختلاف جوهري أنّ نوعية الحروب اختلفت بين جيوش كلاسيكية تهاجم دولا، وتحولت إلى عصابات أو مكونات داخل الدولة تتعاطف مع دول أخرى لأسباب دينية أو اجتماعية أو سياسية.

انظروا إلى سوريا والعراق واليمن والبحرين ومصر وليبيا وأوكرانيا وغيرها.

من غير المستبعد أن تكون تركيا والسعودية وإيران والصين وروسيا ودول أوروبية وأميركية على الطريق بعناوين مختلفة وهدف واحد. إننا نعيش الحرب العالمية الثالثة بوسائل عصرها. ما هي آخر الأسلحة التي ستستخدم؟ لم تعد الأهمية للقنابل الذرية ولا الكيميائية. الحرب باتت تعتمد على وقود بشري ووسائل جاهلية تستخدم الدين والمذهب والقبلية والاقتصاد والفقر. أليس هو ما يحدث الآن في الحرب العابرة للقارات؟

عباس ضاهر – النشرة

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى