“حزب الله” إطفأجي حرائق!

لم يكن من السهل على “حزب الله” أن يضع كل إمكاناته في سلة الحكومة، تشكيلًا وثقة وممارسة لمهامها، مع ما تفرضه الوقائع والتطورات من تدخلات سريعة منه لإبقائها على قيد الحياة، والحؤول دون سقوطها في الأوحال السياسية، وتبريد الجبهات الحامية بين مكوناتها، والعمل على إنقاذ ما يجب إنقاذه قبل وقوع الهيكل على رؤوس الجميع.

بالأمس، وقبل تشكيل الحكومة رأيناه يضع كل ثقله من أجل عودة الرئيس سعد الحريري إلى السراي الحكومي، وهو االذي تمسّك به حتى آخر لحظة، على اساس أنه شريك في التسوية الرئاسية، التي كان لـ”حزب الله” مصلحة إستراتيجية في إستمرارها، والعمل من تحت الطاولة على عدم سقوطها، وذلك من اجل ضمان أن يبقى الحريري تحت “السيطرة”، وهو الذي قدّم في المقابل ما لم يقدّمه الآخرون من تنازلات من أجل الحفاظ على ماء وجه هذه التسوية، التي سقطت، وقبل أن تستقيل الحكومة، في الشارع الذي رفع الصوت عاليًا ضد الطبقة السياسية الحاكمة.

أمّا وقد إتخذ الحريري خياره النهائي وقرّر أنه لا يريد العودة إلى الوراء رأى “حزب الله” أنه مضطّر للسير بخيار حسّان دياب على رأس حكومة تكنوقراط، ولكنها لم تكن مستقلة بالمعنى الذي طالبت به الإنتفاضة الشعبية، إذ جيء بوزراء محسوبين على الفرقاء السياسيين داخل محور 8 آذار، وقد لعب الحزب بكل أوراقه من أجل تأمين إنعقاد جلسة الثقة، التي نالتها الحكومة، وإن هزيلة، على رغم أن القاعدة الشعبية أعلنت أنها لن تعطي حكومة الأحزاب ثقتها.

وبعدما نالت الحكومة ثقة المجلس النيابي بأصوات الأحزاب السياسية المنتمية إلى محور 8 آذار، بدأ “حزب الله” يمدّها بكل أنواع الأمصال لكي تبقى واقفة على رجليها، وهو جاهرعلى رأس السطح بأنها حكومته، وبأنه سيقدّم لها كل الدعم من أجل أن تنجح في مهمتها، وبدا ذلك واضحًا من خلال الدعم الذي قدّمه الحزب لوزير الصحة حمد حسن المحسوب عليه من أجل أن ينجح في مهمته في التصدي لوباء الـ”كورونا” والعمل على الحدّ من سرعة إنتشاره، وقد نجح بذلك بإعتراف الموالاة والمعارضة معًا. وهذا ما إعتبره “حزب الله” إنتصارًا له، وهو لن يقبل في أية حال أقل من نجاح الحكومة في أكثر من مجال، وذلك للتأكيد أنه قادر على أن يصنع ما لا يُصنع، حتى ولو كانت الأدوات المتوافرة له غير مؤهلة وغير كافية.

ومن أجل هذا الهدف عمل على رأب الصدع بين “التيار الوطني الحر” وتيار “المردة”، حين إحتدم الخلاف بين الوزيرين السابقين جبران باسيل وسليمان فرنجية، فوضع كل ثقله من أجل تجنيب إنعكاسات هذا الخلاف على الحكومة، التي تبدو كمن يقف على حافة المهوار، فكان إطفأجياً بإمتياز، إذ إستطاع أن يقنع الدكتور دياب بسحب بند التعيينات المالية من جدول أعمال الجلسة التي قاطعها وزيرا “المردة”.

وبعد خلاف الأمس بين رئيسي مجلس النواب نبيه بري والحكومة حسان دياب فإن مهمة “حزب الله” ستكون صعبة هذه المرّة، خصوصًا إذا قرر رئيس الحكومة تفجير الوضع، الأمر الذي يكسر الجرّة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وسيحاول الحزب إقناع دياب بعدم التصعيد، لأن المعركة مع الرئيس بري تُعتبر خاسرة.

ومع محاولاته المتكررة لكي يعطي الحكومة دفعًا في عملها يبدو “حزب الله” وكأنه يستنفذ كل طاقاته، وهو “المحشور” أمام بيئته أولًا وأمام الرأي العام اللبناني، الذي يراقب عن كثب كل تحركاته، خصوصًا أن البعض يعتبر أنه يراهن على حصان خاسر.

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى