حقيقة تهويل الاطلسي بصواريخ الكروز و الباتريوت؟ (أمين حطيط)

العميد د . امين محمد حطيط –

في الوقت الذي تتسارع فيه و بنجاح ملفت العمليات النوعية التي ينفذها الجيش العربي السوري في مواجهة الجماعات المسلحة المفسدة  للامن و الاستقرار في سورية ، تستعيد بعد اساطين الدعاية و الاعلام و الحرب النفسية المسخرة للعمل ضد سورية تستعيد  مقولات بالية اطلقت سابقا و طويت لاستحالة تطبيقها من دون تغيير جذري في طبيعة المواجهة القائمة على الارض السورية و من غير توسيع  لنطاق  تلك الحرب التي شنها الغرب بايدي “اعرابية و اسلادموية ” و تحت شعارات و عناوين مخادعة  و كاذبة .

و في معرض الاستعادة هذه طرحت في  الكونغرس الاميركي مقولة ” الحظر الجوي”  باللجوء الى صواريخ الباتريوت التي نشرت في العام الماضي في تركيا قريبا من الحدود السورية تحت عنوان حماية تركيا من الجيش العربي السوري ، اما اليوم فان من يطرح الامر يريد ان يغير في مهمة تلك الصواريخ  ليجعها من اجل اقامة منطقة حظر جوي في المناطق الشمالية السورية لحماية الجماعات الارهابية المسلحة من نيران الطيران السوري – على حد ما قدم من حجج من اصحاب تلك الاطروحة – كما و لوح البعض من القريبين من مراكز القرار الغربي بامكانية استعمال صواريخ الكروز الاستراتيجية لتقديم دعم ناري مؤثر لتلك الجماعات التي تتلقى الضربات المؤلمة في معرض العمليات الدفاعية التي ينفذها الجيش العربي السوري و بشكل نوعي متطور بدأه منذ شهر تقريبا و بالتزامن مع انطلاق ” خطة اوباما ” ضد سورية و التي كان صاحبها يتوخى منها تعويض الاخفاق و الفشل في المحاولات السابقة لاسقاط سورية و نظام الحكم فيها .

هنا لا يجد الباحث المختص كبير عناء في توصيف هذه الاقاويل بانها غير جدية لان الغرب يعلم ان اللجوء الى تنفيذها يستلزم طريقاً  من اثنين :  اولهما  قرار من مجلس الامن تحت الفصل كما حصل في ليبيا ، او يكون الثاني بسلوك خارج مجلس الامن كما حصل في العراق عندما قامت اميركا بالعدوان عليه و احتلاله . و كلا الامرين غير ممكن كما تثبت مشهدية المواقع الدولية الراهنة و المواقف الدولية المعلنة و بشكل نهائي لا يبدو ان الرجوع فيها امر ممكن او متاح لاصحابها .

فقرار من مجلس الامن بات مستحيلا في ظل الالتزام النهائي الذي التزمته كل من روسيا و الصين لعدم تكرار تجربة ليبيا و بالتالي فان الفيتو المزدوج من قبل هاتين الدوليتن سيكون جاهزا دائماً و سيقطع الطريق بشكل اكيد على اي محاولة غربية من هذا القبيل. اما العمل من خارج مجلس الامن فانه سيعني و بكل بساطة شن عدوان خارجي على سورية ما سيتيح للاخيرة ان تلجأ الى  المعاهدات الاستراتيجية التي تربطها مع الخارج و في الطليعة  ايران التي لا يمكنها ان تقف مكتوفة الايدي امام عدوان خارجي يشن على حليفتها الاستراتيجية الرئيسية في العام كله ، و كما تصرفت ايران في السابق و ابلغت الاطلسي عبر تركيا بانها ستتدخل و بكل ثقلها و في كل المنطقة دفاعا عن سورية ،  فانها اليوم ستكون متشددة  اكثر في الموضوع مع متغيرات ميدانية و سياسية حدثت لصالح سورية .  و هنا يكون من المفيد ان نذكر بالرسالة الحازمة التي وجهتها ايران في العام الماضي و تضمنت انذارا للغرب بان كل المصالح الغربية بما في ذلك اسرائيل ستكون عرضة للرد الايراني الدفاعي القاسي في حال استهدفت سورية بنيران او قوى اجنبية . و الى الموقف الايراني يضاف الموقف الروسي المستمر في وتيرته التصاعدية التي يفهم منها لغرب ان العمل العسكري الاجنبي ضد سورية لن يمر من غير ردة فعل ملائمة و من اجل ذلك كانت المنارات الروسية في البحر الاسود و المتوسط في الاسابيع الاخيرة الماضية .

و بالتالي فان القرار الغربي بالتدخل العسكري قي سورية و تحت اي مسمى ( حظر جوي – مناطق آمنة – ممرات آمنة – مناطق معزولة ….الخ ) لن يكون له الا معنى واحدا و هو شن حرب اقلها اقليمية و قد تكون ابعد من ذلك ، و بما ان الغرب يعلم ان مثل هذه الحرب لن تكون في مصلحته و لن تحفظ مصالحه و هو اصلا ليس قادرا على تحمل اعبائها و قد انهكته حروب العقدين الاخيرين حتى الزمته بتغيير مفهومه الاستراتيجي و اعتماد منطق لا حروب و لا فتح جبهات خلال العقد الحالي ، و لان هذا هو  حال الغرب  فاننا نرى احتمال اقدامه على سولك ينزلق فيه الى الحرب هو احتمال منخفض السقف حتى يقارب العدم ، و لنا في ما حصل في الازمة الكورية مؤخراً  خير دليل حيث اضطرت اميركا في مواجهة التهديد الكوري ان تتراجع و تلغي مناورات صاروخية حتى يطمئن “العدو”  و لا يستفز و حتى تترك مجالا للوساطة التي توسلتها من الصين لخفض منسوب التوتر و الحؤول دون المواجهة . اننا و بكل بساطة نقول اليوم ان الغرب الذي بدأت هيبته بالتلاشي  هو غير مستعد لادخال جندي واحد من جيوشه  في معركة جديدة ، لكنه سيبقى  مرتاحاً لمشهد  الدماء التي تسيل من جسم  غيره بيد الاخرين الذين تولوا الى تابعين له  و ادوات تنفيذية بيده  .

على ضوء هذه الوقائع – الحقائق يبقى ان نبحث عن الاسباب التي دفعت البعض من مكونات جبهة العدوان على سورية دفعتهم الى العودة الى مقولات عفى عليها الزمن ، و التلويح بمسائل لا يمكن تنفيذها  و هنا نرى في الدوافع واحدا او اكثر مما يلي :

1)  التشويش على المنجزات الميدانية التي حققها الجيش العربي السوري في الاسابيع الثلاثة الاخيرة و التي ظهر منها ان هناك استراتيجية جديدة اتبعت و فاقت في نتائجها التوقعات حيث انها غيرت الصورة الميدانية في اكثر من منطقة  خاصة في ريف دمشق و حمص و ريفها فضلا عن ادلب و حماه و دير الزور.

2)  رفع معنويات الجماعات المسلحة التي تكبدت المئات من القتلى في غضون ايام قليلة ما دفع البعض الى الخروج من الميدان ،  ما حمل القيادة الرئيسية لتنظيم القاعدة للاعلان عن وحدة مسرح العمليات و وحدة التنظيم بينها و بين  ما يسمى “جبهة النصرة ” حتى تشعر تلك الجماعات بقدوم المدد القريب فتثبت في الميدان و لا تتسارع عمليات الفرار .

3)  احتواء ما يتردد عن استقالة المبعوث الدولي الاخضر الابراهيمي ، و الذي يتحضر لتقجير قنبلة سياسية بوجه ما يسمى ” الجامعة العربية ” احدى الادوات الاميركية في الحرب على سورية ، خاصة و انه يحملها مسؤولية فشل مهمته السلمية و تشجيعها لسفك الدم العربي .

4)  اعادة التلويح بالقدرات العسكرية للحلف الاطلسي من اجل استثمارها كورقة ثقل نوعي على طاولة التفاوض للبحث عن مخرج من الازمة السورية و التي يتصاعد الحديث عن قرب التحلق حولها في غضون الشهرين المقبلين .
و بلاضافة لذلك  لا بد من التذكير بانها ليست المرة الاولى التي يلجأ فيها الغرب الى  مثل هذا التهديد  ،  كما انها ليست المرة الاولى التي تواجه سورية حربا نفسية من هذه الطبيعة ،  لا بل ان بعض  ما سبقها  كان اكثر تعقيدا و اشد حبكا و تخطيطا و رغم ذلك فقد ذهبت مفاعيله ادراج الرياح و لن يكون نصيب من شن هذه الحرب الان افضل حالاً  مما سبق .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: