حوار خاص مع الباحث السياسي الأستاذ أنيس النقاش

في حوار خاص للوكالة العربية للأخبار تطرق المحلل السياسي ومنسّق شبكة الأمان للبحوث والدراسات الإستراتيجية الأستاذ أنيس النقاش الى سلسلة من التطورات والأحداث الأمنية والسياسية متحدثاً عن اللغط الكبير الذي طاله في طرحه عن الكونفيدرالية المشرقية وعن إنهيار التوازنات الدولية والإقليمية وعن الهيمنة الأميركية ودورها في حماية ’’إسرائيل‘‘ وسرقة النفط العربي، واعتمادها على إستراتيجية الفتنة المدمرة والإرهاب والفوضى الخلاقة مروراً بالأزمة السورية و العدوان التركي على الشمال السوري وصولاً لمشروع محور المقاومة.


حاوره الدكتور أحمد الدرزي


  • س – تسود المنطقة بشكل عام حالة من الاضطرابات الشديدة التي تحمل بثناياها علامات لولادة نظام إقليمي جديد لم تتحدد معالمه بعد، وهذا كان دافعاً لكم لطرح مسألة الكونفيدرالية المشرقية بكتاب ذاع صيته، فهل يمكنكم الإضاءة على مفهوم هذا المصطلح الجديد الذي أثار لغطاً كبيراً؟

النقاش: لقد أصبت بأن هناك نظام إقليمي جديد يبحث عن معالمه وليجد لنفسه مكانا في هذه المنطقة. السؤال هنا ما هي نوعية الإرادات والقوى التي أدت الى الوصول الى هذه الحاجة أولا, اي الحاجة الى نظام جديد, ثم ما هي أهداف القوى التي تسعى للوصول الى نظام جديد, لأنه من الواضح أن هناك قوى متعددة واهداف متعددة.

سبب البحث عن نظام جديد هو إنهيار التوازنات الدولية والإقليمية التي كانت تحكم هذه التوازنات في الماضي.

سقوط الإتحاد السوفياتي والمعسكر الإشتراكي, وضعنا أمام هيمنة القطبية الأميركية الواحدة, وهذا اعتبره البعض ,عن حق, أنه لمصلحة العدو الإسرائيلي. عنجهية هذه القطبية دفعتها, تحت عناوين كاذبة , كأسلحة الدمار الشامل, لإحتلال العراق. هذا الإحتلال كان يهدف الى تأمين هيمنة إضافية على النفط واسواقه, وقد تزامنت أهمية النفط في منطقتنا مع تقارير بريطانية وأميركية كانت تتحدث عن بدء نفاذ مخزون نفط الشمال وعن تراجع الإحتياط النفطي الاميركي الى معدل لا يتجاوز 17%.

الهدف الثاني كان حماية أمن الكيان الصهيوني. لأن تحرير جنوب لبنان, وتصاعد الإنتفاضة الفلسطينية, المسلحة خاصة منها, أوضح أن الكيان بحاجة الى دعم من خلال تبديل في البيئة الإستراتيجية في الإقليم لصالحه, ولا يتم ذلك إلا من خلال تغيير بعض الانظمة في المنطقة خاصة تلك التي لها علاقة بدعم القضية الفلسطينية والإنخراط في مقاومتها. لذلك لم يكن صدفة بعد إحتلال العراق, الحديث عن محور الشر الذي وضع سوريا وإيران في لائحة دول الشر هذه.

فشل الإحتلال بالسيطرة العسكرية على العراق, وفشل في ترهيب سوريا وإيران, اللتان ساهمتا بقوة بدعم المقاومة العراقية وبإفشال الإحتلال. هذا بالمحصلة كان يعني, مزيد من القوة للممانعة وللمقاومة.

في نفس الوقت, واثناء فترة منازعة الإحتلال, تم إكتشاف النفط الصخري, وبالتالي تراجعت اهمية السيطرة على العراق من أجل النفط ولم يبقى سوى أهمية إضعافه لكي لا يكون قوة معادية للكيان الصهيوني, هنا تقدمت إستراتيجية الفتنة المدمرة, التي لم تعد تأبه لقيام دولة مؤيدة للسياسة الاميريكة بقدر ما اصبح همها تدمير الدولة العراقية, فكانت الفتنة والإرهاب هما الأدوات.

كل ذلك اسس الى فوضى عارمة ليس فقط في العراق, بل إمتدت الى الإقليم.

لبنان كان هو المختبر للفتن المذهبية عبر تاريخه, فجاء العراق ليشكل محرضا اساسيا على مستوى أكبر واضخم, كان له دور في ما حصل في سوريا, التي كانت تعيش حالة وحدة وطنية ووعي قومي عالي بين دولتين طائفيتين تعيشان في حالة صراعات داخلي.

تركيا إكتشفت هذه التحولات الدولية والإقليمية, فكتب داوود أوغلو كتابه الشهير, العمق الإستراتيجي, الذي يتحدث عن هذه التحولات, وعن الموقع الجغرافي والتاريخي لتركيا, وعن ضرورة إستعادة عمقها التاريخي الإستراتيجي.

هنا إكتملت الادوار الدولية والإقليمية لزعزعة المنطقة في محاولة لإعادة صياغة نظام جديد.

  • س – يرتكز المشروع الذي طرحته على أربع دول أساسية هي إيران وتركيا والعراق وسوريا، وكلنا يعلم حجم التفاوت الكبير بين قوتين إقليميتين ناهضتين وهما إيران وتركيا وقوتين في أضعف حالاتهما وهما سوريا والعراق، ألا يدفع مثل هذا المشروع الإقليمي الكبير لابتلاع الدولتين الضعيفتين بحكم تتالي الحروب ؟ أليس من الأجدر أن نؤسس لما يسمى الهلال الخصيب قبلاً لإحداث نوعاً من التوازن بين هذه الأطراف؟

النقاش: طريقة التفكير هذه تغفل حقيقة الصراع والادوار, وتعتمد على نظرة أحادية للهيويات. هي تفترض أن المطلوب جمع دول باسمائها وجغرافياتها السياسية مع بعضها البعض , وتغفل في نفس الوقت طبيعة الصراع والأدوار, وما الذي يؤدي الى صعود قوة وإضعاف قوة. هذا يشبه جمع الحمص مع العدس, فإذا كان وزن الحمص أكثر من العدس يمكن أن نتحدث عن غلبة الحمص عليه.

ما نحن بصدده هو صراع سياسات وادوار وليس صراع هويات واسماء ودول مجردة عن أدوارها السياسية.

إيران بالقوة الإقتصادية تمثل تقريبا نصف الناتج القومي التركي رغم أن عدد السكان متقارب نسبيا. ولكن دور إيران الداعم لحركات الحرر الوطني في المنطقة وخاصة المقاومة الفلسطينية واللبنانية وتحديها للسياسة الأميريكة وتنسيقها الإستراتيجي في هذا المجال مع سوريا, جعلها لاعب أساسي ومؤثر. في حين أن تركيا, التي كانت أثناء وجود الإتحاد السوفياتي, مكلفة من الأطلسي بتشكيل سد منيع امام إنتشار الشيوعية في المنطقة, طلب منها أمريكيا أن تملاء الفراغ في المنطقة, لكي تعوض الإنسحاب الأمريكي, بعد نتائج حرب العراق الكارثية, لكي تشكل مع إسلام أخونجي, بديلا ومواجها لتقدم محور المقاومة التي تقوده إيران بالشراكة مع سوريا. لذلك لا يمكن الحديث عن تقدم دولتين متماسكتين دون النظر الى الأدوار. من مصلحة العراق وسوريا, إن هما أختارتا التقدم بمشروع الإستقلال الوطني والخروج من الهيمنة الأميريكة والتصدي للصهيونية أن تكونا مع إيران في حلف إستراتيجي.

تركيا فشلت في مشروعها الموجه أميركيا والممول خليجيا, كان أمامنا خياران, إما الإصطدام مباشرة مع تركيا على الصعيد الإقليمي, وبالتالي صدام مباشر إيراني تركي, أو خيار إفشال المشروع الأوردوغاني, دون خوض صراع مسلح مباشر بينها وبين إيران. مع إفشال المشروع الأوردغاني كنا نفسح المجال لإنتصار خيارمشروع تركي تعاوني مع المنطقة, اساسه التعاون وليس الهيمنة. ذلك لأن تركيا ليست كلها أوردوغان. هذا رهان على المستقبل, يسعى إلى تظهير إمكانية تعاون مختلف بين دول المنطقة, مع الإصرار على رفض مشروع الهيمنة, الذي سمي العثمانية الجديدة. هذه إستراتيجية أسميها “الإنخراط الإيجابي من خلال الصراع”, هذه الإستراتيجية تفشل خطة الخصم, لا تهدف للقضاء عليه, وتؤسس لوعي مختلف للتأثير على سلوكه. هذا يعتبر قمة في العمل الإستراتيجي الواعي لمصالح شعوب المنطقة ومعرفة عالية بأهداف الأعداء الذين يستثمرون بتناقضات المنطقة.

أقرأ أيضاً:

مقتل 43 سوريا جراء انفجار بيروت في حصيلة غير نهائية

لذلك هذه الدعوة لكونفدرالية بين هذه الدول, هي مشروع جوهره إستمرار الصراع للوصول الى التحرر الوطني, وفي نفس الوقت السعي الى دفع التناقضات المحلية الى الخلف من أجل تقدم المصالح المشتركة. هذا سيوصلنا الى إنقاذ سوريا والعراق من مخالب المؤامرة عليهما, وفي نفس الوقت التحضير لمنظومة تقوي الجميع. ثم ما الذي يمنع التعاون العراقي السوري في ظل إستمرار الصراع, على شرط أن يرتفع مستوى التنسيق للوصول الى وحدة المنظومة.

  • س – هيمنت على الساحة السورية منذ ستة عقود تصوراً لهوية واحدة، وهي القومية العربية، ومع انفجار الحرب في سورية وعليها، انفجرت الهويات ما تحت وطنية بامتداداتها الإقليمية والدولية، مع الإصرار على مسألة العروبة، ألا يوجد تناقض وافتراق وربما أقرب للتناقض بين الطرح القومي، ومسألة الكونفيدرالية المشرقية؟

النقاش: ملاحظتك جدا مهمة حول مسألة تمدد إنفجار الهويات ما تحت الوطنية الى إمتداداتها الإقليمية. هذا دليل على أن النسيج الإجتماعي في الإقليم متشابه. وبالتالي ما يحصل في بلد يؤثر على البلد الآخر, إن كان سلبا أو إيجابا. من هنا تأتي أهمية مشروع حل إقليمي, لأن الأمراض واحدة والعوارض واحدة , وبالتالي المطلوب حل إقليمي تتعاون فيه القوى الإقليمية.

بالنسبة للعروبة والقومية العربية والهوية العربية هناك خلط كبير بينهم ولذلك نظن أن هذا يخالف فكرة الكونفدرالية التي تضم غير العرب.

الهوية العربية هي مسألة ثقافية وليست سياسية, كل من ينطق بلغة الضاد ويحمل الثقافة العربية هو عربي. هل هذا يعني سياسة؟ بالطبع لا , يمكن أن تكون عربي راسمالي كما يمكن أن تكون إشتراكي. يمكن أن تكون مناهضا للإستعمار, كما يمكن أن تكون قوة كومبرادورية عربية, اي مرتبط بمصالحك الإقتصادية والسياسية بالقوة الإستعمارية والإمبريالية المهيمنة عالميا, لذلك مسالة وحدة العرب, كمكون ثقافي ليس لها علاقة بالسياسة, هذا على الأكثر هو نادي ثقافي, ومن هنا نرى جامعة الدول العربية. هي تجمع دول تتحدث بالعربية, والتناقضات بين دولها, تصل الى حد الإحتراب.

العروبة والقومية العربية هي مسالة سياسية بإمتياز وليست ثقافية. العروبة هي روح التحرر العربي من الهيمنة الإستعمارية, العروبة هي روح البحث عن العزة والكرامة للعرب بين الأمم, العروبة هي روح التحدي الحضاري في مسالة التنمية, فهي إذا سياسية بإمتياز ومحددة للسياسات, غير الهوية العربية الثقافية.

القومية القومية العربية هي تخيل يحاول الجمع بين الهوية الثقافية والعروبة السياسية, وهذه بنظري كانت محاولة فاشلة لانها لم تستطع ان تحلل المكون العربي السياسي بطبيعته المختلفة, ولذلك تلقط القومية العربية الطعنات من إخوتها العرب المتعاونين مع الإستعمار والإمبريالية بشراسة تفوق احيانا حدة طعنات العدو الأجنبي نفسه.

علينا إذا أن ندعم العروبة السياسية التي لا تترك مجالا للشك أو لمناطق رمادية في أهدافها, وهي التحرر الوطني من هيمنة الغرب, تحرير فلسطين ليس فقط كقضية عربية, بل كتحدي لمشاريع الغرب والإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية, وبالتالي رفع مستوى التحدي الى المستوى العالمي الذي يضعنا في مصاف صانعي التوازنات الدولية, وفي موقع المساهم في تقرير مستقبل العالم.

هذه العروبة هي حتما حليفة اساسية لإيران التي تقوم بنفس الدور,و هي اقرب لإيران في سوريا, من قرب سوريا للمملكة السعودية مثلا, التي منذ تاريخ وجودها وهي تعمل في خدمة الإستعمار القديم والحديث. هذه العروبة هي حتما حليفة اليسار التركي والوطنية التركية التي تبحث عن دور إقليمي والتي تريد أن تتحرر من دور التابع للناتو والغرب, وهذا موجود في تركيا, إن بحثنا عنه ودعمناه. إذا ليس هناك تناقض بين العروبة وبين التحالف مع قوى في كونفدرالية تحدد فيها السياسات الكونفدرالية ضمن إطار التحرر الإقليمي من هيمنة الغرب والتعاون الإقليمي من أجل تقوية الجميع. على سوريا ان تبقى متمسكة بعروبتها لأنها أولا روح العروبة التحررية وفي نفس الوقت بهذه الروح تكون عاملا فعالا في محور المقاومة والكونفدرالية الإقليمية المتحررة من هيمنة الغرب.

  • س – تحدثت كثيراً عن السياسات والهويات، فما هو تقييم دور الهويات في صناعة السياسات، وهل يمكننا أن ننتقل لهويات جديدة متحولة ومتطورة استناداً للسياسات؟

النقاش: الهويات أنواع, المشهور منها هي الهويات الجينية, اي الموروثة بالنسب والدم, وتنبسق عنها الهويات العائلية والعشائرية. هناك هويات غير جينية, وهي المنبثقة عن الإنتماء لدين أو مذهب أو مشرب سياسي, كالمسلم والمسيحي, وهي هويات دينية, والشيوعي والراسمالي, وهي هويات سياسية, و لدينا الآن الأوروبي والأوراسي. وهي هويات قارية.

كل هذه الهويات تؤثر على وعي حاملها وسلوكه. أحيانا يتقدم العامل العشائري العائلي على غيره, بسبب تراجع البنيان العلوي للدولة,Upper National Structure, فتتقدم الهويات العشائرية في حالة دفاع عن المكون العشائري Inner tribal structure.

في حالات إنهيار البنيان العلوي للدولة تتقدم الهويات الدينية, ظنا منها أنها تدافع عن المكون الديني لكل طائفة, في هذه الحالة تكون نتائج العملية تدمير بنية الوطن, لأنه يتشكل من أكثر من مكون ديني.

كل هذه الهويات تبحث عن الحل المثالي, كما تتخيله. هذا المخيال الجمعي للجماعات هو الذي يحدد سلوكها, من خلال تماهيها مع مصالحها المحددة بوعيها الجمعي لمصلحة مكونها عبر هويتها الخاصة.

هنا نحن أمام معضلة, إما الإنسياق خلف هذه الهويات من خلال عملية تماهي مع أدوارها, وبالتالي خوض الصراع بنفس أدواتها, اي بالتعصب لهوية ضيقة في مواجهة تلك الهويات, وهذا يؤدي الى التدمير الذاتي, أو هيمنة هوية فرعية على باقي الهويات, وهذا ما يسميه إبن خلدون بالغلبة لعصبية على عصبية أخرى.

أقرأ أيضاً:

المقاومة تُجيد اللعب بأعصاب الإسرائيليين

وإما الإصرار على العودة الى بناء البنية العلوية للدولة وتدعيمها من اجل إعادة الهوية الجامعة. وهذا هو الاسلم, ولكن ما نحن فيه لا يجري ضمن غلاف حافظ للوطن دون التاثر بالإقليم الذي اشرنا إليه في بداية حديثنا. المرض يعم الإقليم وليس فقط سوريا. ولذلك لا نرى نجاحا لسوريا بمعزل عن النجاح لباقي دول الإقليم في معالجة هذه المعضلة.

من هنا تاتي الهوي المشرقية السياسية, التي تعالج أمراض الإقليم وتضع شعوب المنطقة ضمن الصراع من أجل توحيد الهويات الفرعية في هوية جامعة مستقبلية, ترفع مستوى الصراع للتحرر الوطني والقضاء على الصهيوينة إلى حد النصر النهائي , وتضع الإقليم على سكة التنمية الجماعية, لمصلحة الجميع.

عندما اتحدث عن التنمية الجماعية, فهذا ليس رغبة ذاتية أو أمنية في الفراغ, هذا إحترام لإنتقام الجغرافيا الجامعة في الإقليم. مواردنا الطبيعية مشتركة ومتكاملة ومكملة أحيانا. طرق الموصلات والترانزيت حاكمة متحكمة بمقدرات تقدمنا. الوحدة الإجتماعية والثقافية في الإقليم ضاغطة بقوة تبحث عن متنفسها الإيجابي. التاريخ الأمبراطوري للمنطقة, هو حقيقة موضوعية لا فكاك منها, علينا فقط أن نخرجها من منطق الهيمنة العصبية الخلدونية, الى منطق بناء الأمبراطورية الإختيارية التي تساوي بين العصبيات والهويات.

هذا هو جوهر مشروع الكونفدرالية, الذي لا يلغي أحد ولكن يبني هوية جامعة لمصلحة الجميع.

  • س – هناك تاريخ طويل من السوداوية للعلاقة بين الترك والسوريين، وقد عزز هذه السوداوية طبيعة التدخل التركي منذ بدء الحرب عام ٢٠١١، والذي وصل للاحتلال والتتريك التغير الديموغرافي؟ فكيف للسوريين أن يقبلوا بالانتقال إلى التعاون وهونقيض الحرب، ومازالت تركيا تتوغل باحتلالها للأراضي السورية؟

النقاش: هذه ليست سياسة تركية بالمعنى الشمولي, هذه سياسة أردوغانية, حتى في حزبه هناك اليوم معارضة كبيرة لسياساته تجاه سوريا.

قديما ثار العرب على العثمانيين الأتراك وطالبوا بالحرية, أكثرية ظنوا أن الإستبداد ناتج عن هيمنة التركي على العربي, في حين أنه تبين ان الإستبداد هو سلوك, لا ينحصر فقط لا بالمستعمر ولا بالعصبية المسيطرة. سقطت السلطنة العثمانية فحكم اتاتورك تركيا, وحكمت دكتاتوريات معظم الدول العربية. الإستبداد إذا لم يكن تركيا, كان سلوكا وسياسة.

قبل اشهر من إندلاع الحرب الكونية على سوريا, كانت تركيا وسوريا في أعلى مراحل التنسيق الإستراتيجي السياسي والإقتصادي. التوجه المنحرف لأوردغان أدى الى إنهيار حلم كبير. إعادة بناء هذا الحلم رغم الشعور بالخيانة والطعن في الظهر هم من واجباتنا. لا أعتقد أن ما فعله أردوغان هو أخطر من حربين عالميتين وقعتا بين المانيا وفرنسا عبر الترايخ الحديث, وهما اليوم يشكلان عامود البنيان الأوروبي. سنوات قليلة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية, إلتقى كبيران من كلا البلدين أديناور من ألمانيا والجنرال ديغول من فرنسا ووضعوا اللبنة الأولى للبنيان الأوروبي. سنفعل ذلك حتما بعد نهاية سياسة أوردوغان الفاشلة, ببناء الكونفدرالية المشرقية مع تركيا.

  • س – يشكل الكرد السوريون جزءاً أساسياً من النسيج السوري، وتتنازعهم الطموحات المتناقضة بين وجوب الدولة القومية، والإدارة الذاتية، والفيدرالية، وبين الاصطدام بجدار دول الإقليم القوية، وخاصةً تركيا، فما هو موقعهم في هذه الكونفيدرالية بدون دولة تضمهم جميعاً؟

النقاش: لقد أجبت في مقابلات عدة مع الأخوة الأكراد الأتراك منهم والعراقيون والسوريون عن هذا الموضوع. نقول في ذلك أن السياسات يجب أن تتقدم على الهويات. إذا كانت الهوية يجب أن تقوم على مشروع قومي, فمن حق كل قومية أن تنشيء وطنها بناء للوحدة القومية, خاصة إن كان هناك وحدة في الجغرافيا, وهذا ينطبق على الأكراد. عندها يقسم الإقليم بناء لهذه الهويات القومية, عرب فرس ترك كرد بلوش وتركمان إلخ… أما إذا كانت عروبتنا هي سياسة, فعلينا أن نبني أوطاننا على السياسات ونقدمها على الهوية القومية لكي تصبح سياسات مشتركة. من من الأكراد يرفض العروبة التي تريد تحرير فلسطين ومحاربة سيطرة الغرب على المنطقة. فقط هؤلاء الذي عانوا من مشكلة التفرقة القومية فلجاؤوا الى الغرب للإستقواء على قومية جيرانهم أو أبناء الوطن الواحد. المسألة هي كيف نمارس ونظهر سياساتنا عندها نلتقي بسهولة مع الآخر.

مشروع الكونفدرالية المشرقية الجامعة, لا يغلب عصبية قومية على أخرى, ولا حتى دين على آخر ولا مذهب على مذهب آخر. هو مشروع يخاطب الجميع للإنخراط في مشروع حضاري مستقبلي بنتصر فيه الجميع وترتفع حضارة الجميع بين الأمم. اين مشكلة الأكراد في حال تحقق مثل هذا الحلم المشروع؟ الحدود لن تمنعهم من التواصل والتكامل بين ابناء قوميتهم, ولن تمنعهم من عيش ثقافتهم بأكمل تالقاتها الى جانب الثقافات الأخرى , و بل أن الفضاء الإقتصادي سيكون مفتوحا لهم كما باقي شعوب المنطقة لكي ينتشروا ويتعاونا ويتكاملوا مع الجميع,كما يتكامل الجميع معهم. هكذا نكون قد حولنا التحدي السلبي بتقسيم دول المنطقة تحت عنوان إقامة كيان كردي يمزق ما هو موجود, الى وحدة إقليمية ينتصر فيه الأكراد كما ينتصر الأخرون معا.

  • س – بناء أي نظام إقليمي يعتمد على التشابه إلى حد كبير بين أشكال النظم السياسية للدول، وهناك افتراق واضح بين الدول الأربعة حتى بالأهداف، فكيف يستطيع هذا المشروع بإيجاد القاسم المشترك لها، وهل يستطيع الاستمرار بدون تحولات سياسية عميقة على مستوى كل بلد من البلدان تؤسس لإمكانية نجاح الفكرة؟

النقاش: مشروع الكونفدرالية يفترض شرط أن يختار كل شعب حكامه بحرية عبر إنتخابات سليمة, وهذا بداية لتحديد المعايير. ثم يفترض عدم الإنضمام لأحلاف تعارض مصالح الإقليم وتفرض تغليب مصلحة التعاون بين دول الكونفدرالية على اية تحالف خارجي. كما يفترض ويلتزم بإحترام حرية الأديان والمذاهب دون تمييز.
كل هذه الشروط بإعتقادنا هي لمصلحة شعوب الإقليم, ولكن هذا يفترض أن تدخل كل دولة بعض التعديلات على دساتيرها وعلى سياساتها بالتأكيد. الم تلتزم تركيا بالعديد من المعايير الأوروبية على أمل الدخول بالوحدة الأوروبية؟ لماذا تلتزم تركيا بتلك المعايير ولا تلتزم, هي كما بقية الدول بمعايير ذات منفعة عامة لكل بلدان الإقليم وبلدان الكونفدرالية المنشودة.

أقرأ أيضاً:

مصرع موظفة سفارة المانيا في منزلها ببيروت اثر الانفجار

بعض القوانين أو السياسات السلبية, قد تكون لمواجهة بعض المخاطر, أو خوفا من هيمنة عصبية على عصبية ما, مع التضمين الإقليمي والتوافق على سياسات إقليمية حامية للجميع, حتما يمكن تغيير بعض السلوكيات والسياسات وحتى الدساتير. لأن المكسب الكبير يسمح بتقديم تنازلات صغيرة وحتى كبيرة أحيانا.

  • س – نحن الآن في عالم دولي متحول باتجاه بناء نظام دولي جديد، كيف سيتقبل النظام الدولي الحالي، أو المستقبلي فكرة وجود تكتل جغرافي اقتصادي عسكري، بتعداد سكاني يتجاوز المائتان وخمسون مليوناً، وما هو الموقف من إسرائيل والولايات المتحدة .

النقاش: النظام الدولي الجديد نحن ساهمنا بقوة في إيجاده. من خلال الحرب على سوريا إستطاعت روسيا ضرب القطبية الواحدة. ومن خلال مقاومتنا أظهرنا محدودية القوة الأميركية وتراجعها في العالم. من خلال القوة الإقتصادية الصينية, التي تتمدد عبر طريق الحرير طريق واحد حزام واحد و لترفع من مستوى التعاون الإقتصادي والربط القاري والتنافس الإقتصادي مع الولايات المتحدة خاصة والغرب عامة. كيف يكون لنا كل هذا الدور والموقع ولا نعرف كيف نذهب بالإستثمار به نحو نهاياته؟ حتما لن ننتظر رضى أميركا والغرب على هذا المشروع. بل هو تتويج لدولنا في إجاد هذه التغيرات.وهو جزء من منظومات مماثلة تنشاء في العالم.

هناك تراجع لدور الدولة القطرية المنفصلة والمنكفئة على ذاتها لصالح الأحلاف والمنظومات القارية والكونفدرالية. نحن في هذه المشروع في صلب التحولات الدولية وفي صلب السياسات المستقبلية.

  • س – هناك ثلاثة مشاريع في قارة آسيا وهي الصيني والروسي ومحور المقاومة، فهل هذا هو المشروع الرابع، وماهي التقاطعات والافتراقات بين هذه المشاريع ؟

النقاش: هذه المشاريع بنظري متكاملة. المشروع الصيني يتقدم بالقوة الإقتصادية الناعمة عبر بناء البنى التحتية في مجال المواصلات والاتصالات والموانيء الجوية والبحرية لتنشيط التعاون الإقتصادي والنمو الجمعي الذي تشمله مشاريع طريق الحرير. المشروع الروسي يحصن وحدة الفيدرالية الروسية من خلال بناء احلاف مواجهة للناتو وتنويع مشاريع الإستثمار في مجال الطاقة وخاصة أنابيب الغاز, التي هي من أعمدة الأمن القومي الروسي اليوم, وهذا يتطلب تشبيك الأنابيب والشراكات الإستثمارية مع العديد من الدول.

مشروع محور المقاومة يقوم على التحرر الوطني من الهيمنة الغربية في المنطقة على الخلاص من الدور الصهيوني فيها. لذلك لا ارى تناقض بين هذه المشاريع بل تكامل.

هناك مشكلة صينية في المنطقة بسبب عدم الإستقرار وعدم وجود منظومة إقليمية جامعة تسمح للمشاريع الصينية والإستثمار الصيني بالتقدم. واجبنا من خلال الكونفدرالية تحديد المشاريع الإقليمية المشتركة التي يمكن للصين أن تشارك فيها بربحية أعلى من ما لو كانت مشاريع منفصلة صغيرة في كل دولة على حدة.

كذلك الأمن القومي الروسي يشجع على المنظومات الإقليمية, أنظر الى المشروع الأوراسي الذي ينظر له ألكسندر دوغين, وهو داعم كبير لمشروع الكونفدرالية المشرقية التي تحدثت معه عنها. ولذلك روسيا ستشجع هذه الكونفدرالية وتعتبرها داعم للأمن القومي للفدرالية الروسية وللمشروع الأوراسي.

  • س – هناك أربعة شخصيات محورية طرحت مشروعها من منطلقات مختلفة، وهي كل من الرئيس الأسد بفكرة البحار الخمسة التي طرحها قبل الحرب والسيد عبد الله أوجلان المعتقل حتى الآن بفكرة الأمة الديمقراطية ووحدة شعوب الشرق العظيم، والشهيد ناهض حتر في الأردن، وأنتم بكتابكم الكونفيدرالية المشرقية، فما هي المشتركات بين الأطروحات الأربعة، وأين تختلف؟

النقاش: الكونفدرالية المشرقية بدء العمل عليها قبل بدء الحرب على سوريا, وهي تحاكي تماما نظرة الرئيس الأسد بربط البحار الخمسة. لو نظرت الى خريطة الكونفدرالية , لوجدت البحار الخمسة هي حدودها. هناك بحر قزوين في شمال إيران, والخليج في جنوبها, كما البحر الأسود وبحر إيجه والبحر الابيض المتوسط في كل من تركيا وسوريا ولبنان ثم البحر الأحمر في العقبة في الأردن. طرق الترانزيت تجمع هذه البحار فيما بينها وتضع سوريا في وسطها كنقطة مرور إلزامي.

مشروع أوجلان جاء من وعيه بإنتهاء دور الدولة القومية المنفصلة عن محيطها, وظهور أهمية السياسات الإيجابية التنموية الإقليمية, لذلك تراجع عن مطلب إقامة دولة كردية منفصلة وطرح مشروع وحدة الشعوب الديموقراطية في الأمة الديموقراطية, فإذا هو يبحث عن مشاريع التكامل وليس الإنفصال ومشاريع التنمية السياسية وليس الصراع القومي. فهو إذا ليس على تناقض بل متكامل مع مشروع الكونفدرالية المشرقية.

الشهيد ناهض حتر إنطلق من مأسات صراع الهويات الفرعية الدينية والمذهبية في المنطقة لطرح مشروع الهوية المشرقية الجامعة, لتكون منطلقا لتنمية وتحرر جامع. هو إذا في صلب مشروع الكونفدرالية المشرقية. في كل هذه المشاريع أقول أن الكونفدرالية المشرقية كما طرحتها هي الجامعة لكل هذه المشاريع في إطار واحد. وقد حصل ذلك بنظري ليس من خلال خلطة مصطنعة بين هذه الأفكار, بل بسبب ما اسميه الحتمية التاريخية للحظة التاريخية التي تجتازها شعوب العالم.

هذا المشروع يحاكي حاجة شعوب المنطقة ضمن التحولات الإستراتيجية الكبرى في السياسة الدولية ويهيء الارضية للخروج من التخلف الى النهضة الكبرى.

  • س – هذا المشروع الكبير يحتاج لحامل اجتماعي يدفع لإنجازه، فكيف يمكن العمل على تأسيس هذا الحامل في الدول المتنافرة ؟

النقاش: هذا الحامل يمكن تشكيله من خلال كل المفكرين والباحثين في الشؤون السياسية والإجتماعية والإقتصادية وكل الأحزاب والنقابات التي تجد فيه مشروعا إيجابيا يخدم مصلحة شعوب المنطقة. من خلال إقامة هذه الشبكة الإقليمية لكل هذه القوى الفاعلة يمكن أن نخرج ونعلن “مانيفستو” هو عبارة عن ميثاق عمل مشترك, ندفع من خلاله للعمل وبناء المشاريع التفصيلية لإنجاحه.

هكذا نكون قد شاركنا في إعادة تكوين الوعي الجمعي المضروب بالهويات المتصارعة حتى الإنتحار الجمعي, لبناء الفضاء الأرحب للتنمية الفكرية والثقافية الإقتصادية والروحية أيضا بأمتياز. عندما أقول الروحية فلأنني أعرف أن حتى الهوية الدينية اصبحت اقرب للعصبية منها لجوهر الدين القويم. في الكونفدرالية لدينا مشروع إعادة صياغة الوعي الديني كرحمة للعالمين, لا كمدرسة للذباحين.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: