حَفِيظٌ عَلِيم

مراكز متنوّعة وأماكن متكاثرة

مناصب عديدة ووظائف متعدّدة

أمور العباد العامّة واسعة الانتشار

مصالح الخَلْق الحياتيّة متواجدة بشكل غير محصور

وفي هذا العصر، أنظمة سياسيّة حاكمة ذات طابع تنظيمي معيّن، يطغى عليها الطّابع المؤسّساتي، حيث للدّولة هيكليّتها الوظيفيّة وتقسيمها الإدراي.

فنجد فصلاً للسّلطات الحاكمة:

تشريعيّة (مجلس النوّاب)، تنفيذيّة (مجلس الوزراء/الحكومة) وقضائيّة.

ولا ننسى رئاسة الجمهوريّة، ولا تنسوا بدوركم المحافظات، الأقضية والبلديّات.

ولا تغفلوا عن الشّقّ العسكري والمسلك الأمني: جيش، أمن داخلي، أمن عام وأمن دولة.

وفي هذا الكيان الإداري وذاك الصّرح الكذائي، قد تجد مناصب، مسؤوليّات ومهمّات وظيفيّة وغيرها من الأدوار الّتي تحتاج إلى مَنْ ينفّذها ويحرص على حُسْن سيرها ويراقب بجدّ واجتهاد مسالك الأمور في طيٌاتها إلى أن تصل إلى خواتيمها المرجوّة.

وفي كلّ مورد من أماكن الخدمات العامّة والّتي تُعْنى بالشّأن العام ومصالح الخَلْق، من المُتَوَقَّع أن تجد مَنْ هو مسؤولاً عنه والمُناط به تحمّل أعباء تسيير شؤونه.

ومن الطّبيعي أن يتمّ اختيار لكلّ منصب عامّ مَنْ يُعْتَبَر من أهل الاختصاص، أيْ مَن اختصاصه يتوافق أو يتطابق مع المجال المعني به المنصب الّذي يحتاج مَن يمسك زمامه ويدير شؤونه.

وعلى اختلاف الاختصاصات وتعدّد المجالات وتنوّع العلوم والوجوه والشّخصيّات وطرق إدارة المناصب وتوجيه الأمور، إلّا أنّ “المقام الإداري العام” لا يخلو من وضعيّة مشتركة تعمّ مختلف مراكز المسؤوليّة المناط بها الاهتمام بالشّأن العام والمصلحة العامّة.

{ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) } ؛ (سورة يوسف).

{و قد علل سؤاله ذلك بقوله: «إني حفيظ عليم» فإن هاتين الصفتين هما اللازم وجودهما فيمن يتصدى مقاما هو سائله و لا غنى عنهما له، و قد أجيب إلى ما سأل و اشتغل بما كان يريده كل ذلك معلوم من سياق الآيات و ما يتلوها} [الميزان في تفسير القرآن] “العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي (قدس سره)”.

فالمركز الاجتماعي العام، على تعدّد وجوهه واختلافها، لا بُدّ أن يتحلّى المسؤول عنه بهاتَيْن الصّفتَيْن الجميلَتَيْن المُهِمَّتَيْن الأساسِيَّتَيْن: الحِفظ والعِلم.

فيجب على المتصدّي للوظيفة العامّة أن يحفظ هذا المورد الّذي بين يَدَيْه.

  • كيف يحفظه؟

يحفظه بالامتناع عن السّرقة فيه ومنع سرقة الغير له، الحرص على عدم تدهوره، والعمل بجدّ وإخلاص لتقديم أفضل خدمة ممكنة للمواطنين ضمن الإمكانات المتاحة والأدوات المتوفّرة.

ولكي يتمكّن من تطبيق هذا المفهوم، مفهوم “الحِفظ”، لا بُدّ من عنصرَيْن:

  • أوّلهما:

ضمير نقي، كفّ نظيف، سريرة طيّبة، نيّة صافية وما شِئتَ فَعَبِّر من مصطلحات وتعابير ذات توجّه مشابه.

  • ثانيهما:

الصّفة الثّانية المشار إليها أعلاه: العِلم.

فمن الواضح أهمّيّة وضرورة أن يكون المتولّي لشؤون الخلق عالِماً بمجال المنصب الّذي تحت إدارته ومُدْرِكاً لما ينبغي القيام به من مهمّات، خطوات، مشاريع وغيرها من متطلبّات المنصب، فيرتقي بالمجتمع إلى مستوى راقٍ، مرتبة سامية ومكانة مرموقة، ويجنّبه التّدهور، الانفلات والخراب.

وإذا توفّر العنصر الأوّل دون الثّاني، قد تصدق عليه العبارة العامّيّة “إِجا لَيْكَحِّلْها… فَعَميها”.

وإذا توفّر العنصر الثّاني دون الأوّل، قد يذهب بأعناق العباد إلى الهاوية السّحيقة.

  • وعليه:

لا مهرب من الصّفَتَيّن الكريمَتَيْن

الحِفظ والعِلم

{ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) } ؛ (سورة يوسف)

المسيرة العاطلة تُهبط صاحبها إلى أسفل سافلين

والمسيرة الصالحة ترفع صاحبها إلى أعلى عِلِّيِّين

{ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ }

وللحكاية تَتِمَّة

{ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ }

أبو تراب كرار العاملي

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى