داعش.. ذبابة أوهن من خيوط العنكبوت

أمس راقبت ذبابة سقطت في خيوط عنكبوت.. كانت في البداية تتصرف بخيلاء وثقة.. كانت تعتقد أنها حرة، وأن بوسعها التملص بشيء من الجهد الصادق..!! ذبابة قوية مثلها لن تعوقها خيوط من حرير لا يمكن كتابة سمكها على الورق..!! لكنها بدأت تقلق.. بدأت تتوتر عندما عرفت أن كل حركة جديدة تقيدها أكتر.. لا بدّ أن ربع ساعة قد مرت وهي تزداد تورطاً، وفي النهاية عرفت أنّ عليها أن تصاب بالذعر..!! بدأت ترفرف بجناحيها بقوة وتطن بصوت مسموع وعالٍ، حاسبةً أنّ هذه الهستيريا سوف تحقق ما عجزت عنه.. لا جدوى.. لا جدوى.. لكن كان لطنينها نتيجة واحدة أكيدة، هي أنّ الذبذبات وصلت إلى العنكبوت.. لقد جاء من مكانٍ ما، ووقف على طرف النسيج يختبره بقدم.. تأكد من أنه متين، ثم اتجه نحو الذبابة.. كأنه كابوس يمشي على ثمان أقدام.. لهذا يصاب الناس بالأراكنوفوبيا..

هذا المخلوق جدير بأن يستأثر لنفسه بنوعٍ كاملٍ من الفوبيا..!! بحركات رشيقة مدروسة راح يدور حولها ليحكم الكفن الحريري.. دورة.. دورتان.. ثلاث دورات.. الخيط يخرج ويلتف أكثر والذبابة لم تعد مرئية تقريباً.. وفي النهاية دنا منها ليحقنها بالسم.. وسرعان ما همدت وبدأت عملية الامتصاص..!!

غداً تهب الريح وتهدم جزءاً من النسيج.. لو فتحت هذا الكفن لوجدت هيكل ذبابة بعدما امتص منها عصارة الحياة.. هيكلٌ يتهشم لو نفخت فيه.. يدور الحديث الآن عن تغيير معالم المنطقة من خلال إعادة النظر في حجم وطبيعة الكيانات السياسية التي تمخضت عن اتفاقات سايكس – بيكو الموقعة في 9-5-1916 بين بريطانيا وفرنسا.. ويبدو أنّ إعادة النظر تلك تهدف إلى التخلص من الحدود القائمة والمعترف بها دولياً لبعض الدول العربية وتحويلها إلى دويلات هامشية!! ومع أنّ تلك الاتفاقات كانت محصورة بمنطقة الهلال الخصيب، إلا أنها جوبهت في حينها بمعارضة عربية عامة باعتبارها معادية ومناقضة لأماني العرب في الاستقلال تحت راية دولة عربية واحدة!!

وكعادته، فقد لعب الزمن دوره وأصبحت الكيانات السياسية المنبثقة عن اتفاقات سايكس – بيكو أصناماً تُعْبد.. الآن ونحن نعيش حقبة يتم العمل فيها على استبدال الهوية القومية بالرابطة الدينية بل المذهبية ويتم العمل على إعادة تقسيم دول المنطقة على أسس مذهبية، بشكل ينسجم مع الهوية الدينية لـ”إسرائيل” وحجمها الجغرافي، فإنّ ما تقوم به “داعش” ومثيلاتها من الحركات الغامضة الطارئة يجب أن يُفهم في هذا السياق!! تشير الأفكار التي تطرحها “داعش” إلى هدف إنشاء دولة اسلامية مذهبية سنية تضم أشلاء من دول تبين منها حتى الآن العراق وسوريا وقد نرى معها أشلاء من دول عربية أخرى خصوصاً لبنان والسعودية وربما الأردن كحاضنة، بالإضافة إلى أجزاء من الشعب الفلسطيني الذي يعيش ضمن تلك الأشلاء.. وقد يكون في ذلك المدخل لحل إسرائيلي – أمريكي للقضية الفلسطينية..

إنّ الدفاع عن مصالح “إسرائيل” وأمريكا من خلال إضعاف الجسم العربي وتمزيقه قد يكون جزءاً من مهمات “داعش” لهذه المرحلة!! ولكن هل مسار الأحداث حتى الآن يتوافق مع مثل هذه الرؤيا؟؟ وهل “داعش” كتنظيم سطحي عابر قادر على فعل ذلك؟؟ من الطبيعي أن تدافع أمريكا و”إسرائيل” عن مصالحهما، ولكن الأمر المرفوض أن يتم ذلك بأيدٍ وأدوات عربية بغض النظر عن الأسباب والمسببات، حتى ولو كان ذلك تحت ستار الدين أو المذهب أو أي ستار آخر.. ودور “داعش” في دفع الأمور باتجاه سيؤدي إلى تمزيق دول المنطقة وإعادة تشكيلها ينسجم بشكل واضح مع مخططات جديدة يتم التبشير بها بشكل غامض بين حين وآخر، والدعوة لها من قبل بعض مراكز الأبحاث الغربية أو في صحافتها أو على لسان بعض المسؤولين الغربيين وتطمح إلى التبشير بحتمية تمزيق الدول العربية إلى كيانات مذهبية أو طائفية صغيرة تدور في الفلك الإسرائيلي وتعمل على حماية مصالح “إسرائيل”!!

إنّ جذور هذه المجموعة التكفيرية تعود لـ”إسرائيل”، والشاهد على ذلك أنّ هؤلاء لم ينفذوا أي عملية ضد الصهاينة، بل إنهم خلال العدوان والإبادة الصهيونية بحق الأطفال والأبرياء فى غزة، أصدروا فتوى تحرم مقاومة الكيان الصهيوني ما يوضح أنّ علاقة هؤلاء مع “إسرائيل” باتت جليّة!! إنّ أمريكا ذات التاريخ الطويل مع التيارات الإسلامية واستخدام هذه التيارات لتحقيق أغراضها هي التي تحرك داعش كأداة لإحداث الآثار التي تريدها واشنطن.. فداعش ذاتها وما تفعله من عنف باسم الإسلام مثل النصرة وغيرها تعطي الانطباع الذي تريده واشنطن، واستكمالًا للصورة السلبية التي حققتها أحداث أيلول/سبتمبر 2001 وبررت بها واشنطن الحملة الدولية على الإرهاب وهي الآن تجدد هذه الحملة، ولذلك لا أرى تناقضاً بين المواقف الأمريكية المختلفة لأنّ كل موقف مرهون بمدى رؤية واشنطن لجدواه في تحقيق هدفها الذي يرمي الى أن يشعل العرب والمسلمون النار في أنفسهم، فتتوزع بلادهم إلى شظايا ويعاد رسم خرائطهم بما يجعل “إسرائيل” هي الدولة القومية الوحيدة!!

ومن الواضح أنّ واشنطن تركز على البعد الطائفي منذ عقود، بل إنّ الموقف الأمريكي بدأ يتضح من هذه المسألة منذ تحريض العراق على محاربة إيران ورفع وتيرة الحديث عن الانقسام السني/ الشيعي، وكانت واشنطن تدرك جيداً أنّ هذه الفتنة الطائفية هي القاضية على الإسلام والمسلمين!! ولا بدّ من الاعتراف بأنّ واشنطن نجحت نجاحاً باهراً في العراق، فكانت تقف مع الشيعة ضد السنة ثم اتجهت إلى مساندة السنة ضد الشيعة بعد انسحابها من العراق، وهي تشعر بالراحة وهي ترى السنة الذين كانوا يشكلون المقاومة العراقية ضد الاحتلال بدأوا يتجهون نحو محاربة الحكومة العراقية!!

المهم ماذا تريد الولايات المتحدة في هذا السياق بخلاف “إسرائيل” والبترول والمصالح الاستراتيجية؟ يبدو أنّ المؤشرات جميعهاً تؤكد على أنّ مخطط التقسيم وإعادة رسم خرائط المنطقة بما يضمن إنهاء الدولة العربية وتعزيز وجود “دولة إسرائيل” قد بدأ فعلياً منذ عقود تحت ستار السلام مع “إسرائيل”!! وقد كانت واشنطن البطل فى كل أحداث المنطقة دون استثناء.. وفي نفس الاتجاه فهي التي حرضت على الحرب المدمرة بين إيران والعراق لأكثر من ثمان سنوات عقب الثورة الإسلامية في إيران، لعل هذه الحرب تقضي على الثورة وتعيد إيران إلى أسرة الشاه!! كذلك كانت واشنطن وراء الغزو العراقى للكويت وما تبعه من دمار للعراق والمنطقة وتدمير الجيش العراقي، كما أنّ واشنطن تقف وراء المأساة الراهنة في سوريا وتحاول الآن معاقبة سوريا والمدن العراقية التي قاومت الغزو والاحتلال!!

احتلت واشنطن العراق وأشرفت بشكل مباشر على دمارها وتمزيقها، وهي التي أحيت القومية الكردية والقومية الفارسية والقومية التركية لإزاحة القومية العربية التي تآمرت ضدها بسلسلة من الحكام المستبدين فصرفت المنطقة إلى الصراع فيما بينها وتركت “إسرائيل” تكمل مشروعها!! ولا شك أن الولايات المتحدة مصرة على تمزيق المنطقة واستغلال الجماعات الإسلامية في ذلك حتى تضرب الإسلام والمسلمين وحتى لا يبقى في المنطقة متماسكاً سوى “إسرائيل”.. ولذلك ترسل للعالم رسالة واضحة بأنّ المسلمين والعرب إرهابيون وأنها تمكنت من توجيه إرهابهم إلى نحورهم.. ولكن الرسالة الأبعد هي الأعداد لطرد المسلمين من الغرب خاصةً وأنّ الكثير من أبنائهم يحاربون في صفوف داعش والقاعدة وغيرها، آخذًا في الاعتبار أنّ أوروبا تتجه نحو القوى اليمينية في البرلمانات الأوروبية والبرلمان الأوروبي وهي الأرضية المناسبة الآن لتنفيذ هذا المخطط!!

إنّ التهاون والتنازل أمام الإرهاب ليس في مصلحة أحد، فالإرهاب يهدد الجميع ولا يوجد أي طرف بمنأى عنه، ومن لا يتعرّض للإرهاب الآن يمكن أن يواجهه مستقبلًا، ومن يؤيد التنظيمات الإرهابية الآن أو يدعمها يمكن أن تنقلب عليه في فترة لاحقة، فالمبادئ لا تتجزأ، ومواجهة الإرهاب يجب ألا تكون انتقائية بل هي مواجهة شاملة وكاملة وفي مختلف أماكن تواجده وبمختلف الطرق والأساليب العسكرية والاقتصادية والفكرية والثقافية!!

تلك الذبابة المغرورة بقوتها المسماة بداعش تقوم باستفزاز واستعداء الجميع، حتى مع الدول التي لم ترغب في المشاركة بمحاربتهم مثل مصر والأردن.. حرق الطيار الأردني “الكساسبة”.. وذبح 21 عاملاً مصرياً في ليبيا!! إن هناك عدة بدائل يمكن التحرك من خلالها في إطار مكافحة الإرهاب ومواجهة أخطاره لعلّ من أهمها: – قطع مصادر التسليح عن الإرهاب وتنظيماته من خلال حصار بحري وجوي وضبط وسائل التهريب السري للسلاح!! – فضلًا عن تجفيف ومراقبة صارمة لمصادر التمويل!! – البحث في إمكانية فرض عقوبات دولية على الدول المدعمة للإرهاب!! – ويمكن أيضا العمل على تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، بحيث يكون هناك جهد عربي جماعي في إطار مكافحة الإرهاب، أو إيجاد محور عربي من عدة دول عربية ذات قدرات عسكرية ومالية لمواجهة الإرهاب، كذلك يكون من المفيد البحث في إمكانية التنسيق لإيجاد محور متوسطي ضد الإرهاب الداعشي في ليبيا، هذا المحور المتوسطي المقترح يمكن أن يضم مصر وإيطاليا وفرنسا واليونان على سبيل المثال!! – إضافة إلى البحث في امكانية التنسيق مع أطراف دولية مؤثرة لمواجهة الإرهاب وخصوصًا روسيا والصين، فخطر الإرهاب يهدد الجميع ولذلك فإن مواجهته بطريقة صحيحة تتطلب تضافر جهود الجميع!!
داعش الذبابة المغرورة التي حسبت أنها تملك إرادتها.. ظنت أنها أقوى.. لكن الغرور كان مفيداً للعنكبوت.. لا بدّ وأن تجن الذبابة وتحسب نفسها حرة.. ولكنها أوهن من بيت العنكبوت.. وستكون أرض العراق وسوريا كفن لتلك الذبابة التي كانت أداة في يد أسيادها.. وبعدها يحين الوقت للعمل على استئصال الذبابة الكبرى المسماه بـ”إسرائيل”..!!

هشام عزت | سلاب نيوز

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى