«داعش» في غرفة نوم التحالف

شكّل سقوط رئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي، أول إنجازٍ سياسي تحققه “داعش” لحساب قوى محلية وإقليمية ودولية طالبت بتعزيز مشاركة السنّة في حكم العراق. وصار معلومًا أنّ “انقلاب” الموصل حصل بعد عبور مئات السيارات، رباعية الدفع، الحدود التركية السورية باتجاه العراق. كما صار معلومًا أيضًا أنّ البعث النقشبندي وبعض رجالات العشائر السنية وعدد كبير من ضباط الجيش السابقين، ساعدوا على تمكين “داعش” وتمددها قبل خوض معارك جزئية ضدها. ولقد حصل كل ذلك بدعم وتمويل “متقاطع” ساهمت فيه كل من الرياض والدوحة وأنقرة،وهي العواصم التي كشف تورّطها في دعم التنظيمات الإرهابية، نائب الرئيس الأميركي جون بايدن.

لكن التحول نحو إربيل، أضاء على دورٍ متقدم للإستخبارات التركية في التأثير على هذا التنظيم الإرهابي بعد مسرحية الرهائن الأتراك وإطلاق سراحهم.. فهل أرادت أنقرة توجيه رسائل إلى من يعنيهم الأمر، بما في ذلك واشنطن، أنها غير راضية عن نوايا تسليح البيشمركة وتطوير مستوى الدعم الأميركي للبرزاني وإقطاعيته العراقية؟ أم انها أرادت تظهير قوتها من أجل أخذ رغباتها بعين الإعتبار؟ أم أنّ في الأمر تساوقًا مع أهداف أطلسية محددة سلفًا؟

ليس سهلًا الجزم بأنّ المسارعة الأميركية لتشكيل تحالف دولي ضد داعش” جاءت ردًا على الحركة التركية، فالمشهد بكامله يبدو كسيناريو لتبرير التدخل الأجنبي، بعد إخفاقات القوى المحلية والإقليمية. مع ذلك فإنّ مشهد التحالف نفسه لا يزال فيه نوع من غموض ويظهر حتى اللحظة على قدرٍ عالٍ من الهشاشة، حيث تكثر الخلافات بين مكوناته وتتناقض أجندات معظم الدول الإقليمية المشاركة فيه. ومع أنّ المشترك “المعلن” هو السعي للقضاء على “داعش” – خلال سنوات أميركية، فإنّ أقصى ما حققته واشنطن حتى الآن هو إشراك الدول السنية الفاعلة في هذه الحرب المعلنة منعًا لتصويرها حربًا صليبية ضد الإسلام. أما عمليات القصف الجوي فلم يظهر، حتى الآن، أنّ لها تأثيرًا فعليًا على مجريات الأمور حيث يبدو أنّ الطائرات الأميركية تكتفي بتصوير تقدم مجرمي “داعش” إلى داخل بلدة عين العرب السورية. ويشير كل ذلك إلى عدم الجدية في السعي للقضاء على هذا التنظيم الإرهابي، وهي عملية غير ممكنة من دون تدخّل بري من جهة وغير موثوقة طالما أنّ “عين العرب” على وشك أن تفقأ. وما يؤكد هذه الفرضية هو الإصرار على استبعاد إيران وسوريا من المعركة المشتركة ضد الإرهاب. وبالنظر إلى المواقف الروسية والإيرانية المشككة، يمكن تصور قيام طائرات واشنطن بتوجيه حركة الإرهابيين، من خلال صواريخها، بما يجعلهم في خدمة أهدافها المضمرة ومن بينها، كما يرجح كثيرون، العمل لإسقاط الرئيس السوري على غرار ما حصل مع المالكي.

أقرأ أيضاً:

لماذا كل هذا الحزن يا بومبيو؟

من جهتها، تجاهر تركيا بضرورة الإتفاق على تغيير نظام دمشق كشرطٍ للمشاركة النشيطة في الحرب ضد “داعش”، ولا تخفي أطماعًا توسعية كما يظهر من سعيها لإقامة منطقة عازلة داخل الأراضي السورية. ومن الواضح أنّ معنى ذلك هو إشراك “الإخوان المسلمين” في حكومة تتمناها أنقرة وقطر وهو ما يتعارض كليًا مع السياسة السعودية المعادية لهذا التنظيم الدولي. فرغبة كل أعداء الرئيس السوري وخصوم الدولة السورية واحدة وتتمثل بتدمير الدولة وتفتيت المجتمع وإسقاط الرئيس الذي رفع راية المقاومة منذ تسلمه المسؤولية. لكن لكل دولة أجندتها على هذا الصعيد.
وبينما تمنّعت أنقرة في البداية، عادت ووافقت على تدريب “معارضة معتدلة” فوق أراضيها لكي تمنع الرياض من التفرد بهذه العملية والهيمنة، بالتالي، على هذه المعارضة التي تأمل واشنطن إعادة إحيائها. ومن المرجّح أن يؤثر هذا التضارب بالمصالح على مجمل الجهد الدولي لمواجهة مخاطر التنظيمات الإرهابية والذي لا يزال في مرحلة الإستعراض بعيدًا عن الفعالية.

الجولة الأميركية لوزيري الخارجية والدفاع إلى دول المنطقة لم تنجح كثيرًا في تجاوز الخلافات الإقليمية. فمصر التي يعوّل على دورها لتزخيم التغطية السنية العربية وعلى جيشها للمشاركة الميدانية عندما يتطلب الأمر، اتخذت موقفًا واضحًا وصريحًا ينطلق من تحميل دول بعينها، في مقدمها تركيا، مسؤولية نمو داعش ودعمها. ومن المفهوم أن تتحفظ القاهرة على هذه العملية “السوريالية” التي يدّعي فيها “أصحاب الفيل” العمل على قتله. فالنظام المصري لا يزال يتعرض لحملة تركية –بدعم قطري خافت نسبيًا- تعارضه وتشكك بشرعيته وتدعم قوى إرهابية تستخدم السلاح لإرباكه وتخريب ساحته. وهو إذ يحارب الإرهاب على أرضه، كما هي حالة لبنان، لا يجد حرجًا في رفض الحروب خارج حدوده طالما أنّ العدو واحد: إرهاب مدعوم تركيًا وخليجيًا. وفيما يخص لبنان والهجوم الذي يتعرض له من الجانب الشرقي لحدوده حيث تتمركز “داعش” والنصرة وغيرهما، تحرص هذه الأدوات الخليجية على استنزاف “حزب الله” ومحاولة إشغاله كثمن لدوره في حماية سوريا.

هكذا، وبعد حوالي الشهر على تشكيل التحالف، تعقد اجتماعات في واشنطن لقادة جيوش 20 دولة مشاركة فيه، بهدف الإنتقال في معركته إلى مستوى أكثر فعاليةً وإقناعًا بعد انكشاف محدودية أثر العمليات الجوية. وسيطرح هذا الأمر البحث في إمكان العمليات البرية وشروط تنفيذها والدول المساهمة فيها وهو ما قد يقود إلى الرضوخ للمطالب التركية والتقدم بخطة فرض التقسيم الواقعي في سوريا. حزام إسرائيلي حول الجولان ومنطقة تركية في الشمال، تنظر دمشق إلى احتمال تكريسهما ويدها على زناد الإستعدادات.

أقرأ أيضاً:

شحرور يكشف سبب فشل مشروع عزف أعداء سوريا على أوتارهم!

لكن السؤال الذي يبقى معلقًا دون إجابة واضحة يتصل بحجم الضغوطات التي مارستها دول الخليج وتركيا على بايدن للإعتذار عن تصريحاته. فهل يعني ذلك أنّ من يدفع، للإرهابيين والذين سيحاربونهم، هو الذي يتحكّم بحدود وحجم هذه الحرب التي تبدو حتى الآن، فيلمًا هوليووديًا رديئًا؟

جاد ابراهيم | سلاب نيوز

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: