داعش ورقة استراتيجية أمريكية قد تظهر مُجدداً

في إطار الحرب الهزّلية التي شُنت برعاية أمريكية ضدّ تنظيم داعش. دأبت الاستراتيجية الأمريكية في إحدى جُزئياتها، على الاحتفاظ بما تبقى من مُسلحي التنظيم الإرهابي، لإعادة استثمارهم وتوظيفهم في سياق تحقيق جُملة من الأهداف الإقليمية والدولية، وعلى اعتبار أن المايسترو الأمريكي لا زال يؤسس لوجود مُستدام في الجغرافية السورية وكذا العراقية، فإن هذا الأمر فتح العديد من الأبواب السياسية والعسكرية، لجهة استغلال بعض القوى المسعى الأمريكي، وتوظيفه بما يخدّم ويُحقق مصالحهم في الجغرافية السورية.

ضمن هذا الإطار، باتت ضرورات إعادة إحياء داعش تُمثل هدفاً استراتيجيا وورقة رابحة بيد الأمريكي، وفي جانب أخر تخدّم المصالح التركية والكردية على السواء.

بعبارة أوضح، إن أهمية حضور داعش في شرق سوريا، تبدو كبيرة وذات فائدة مشتركة ومتعددة النتائج لكل قوى السيطرة العسكرية هناك، ما يجعلها تسعى متشاركة لتثبيت داعش مُجدداً، ضمن أطر اتفاق تُجيز لواشنطن ومحورها، رفع الغطاء عنه في أي توقيت يتطلب مُنعطفاً سياسياً في المنطقة، وبالتالي فإن عودة داعش أو استدعائه مُجدداً، يُحقق غايات ثلاث، يُمكن إيجازها بالتالي:

  • أولاً- تسعى كلاً من واشنطن وأنقرة وقوات قسد، إلى تشديد قبضتها العسكرية على مناطق سيطرتهم، سواء شهدت تلك المناطق صراعات محلية أو توافقات سياسية.
  • ثانياً- واشنطن ومحورها “أنقرة وقسد”، يسعى كل منهم لتأكيد موقفه في أحقيته بالجغرافية السورية انطلاقاً من مُحددات محاربة الإرهاب أو الخوف من عودته مُجدداً، وبصرف النظر عن التوجهات السالفة الذكر، إلا أن الإرهاب يخلق مشتركات بين قوى وأطراف، بينها اختلافات وصراعات في الجغرافية السورية.
  • ثالثاً- استغلال مُصطلح الإرهاب للتغطية على سياسات وإجراءات يتم القيام بها، ولا يريد أصحابها شيوعها والتفاعل معها، وليس هناك ما هو أكثر أهمية من موضوع داعش في إشغال الجميع، والتغطية على موضوعات مُصنفة بأنها أقل أهمية.

كل هذه الغايات تأخذنا إلى جُزئية تتمحور حول عودة عمليات داعش وتكاثرها باطراد في مناطق متفرقة من شرق سوريا، الأمر الذي يشي بأن ورقة داعش عادت إلى الظهور مُجدداً، وقد تكون بداية لعودة قوية يُؤسس لها برعاية أمريكية، وعليه فإن داعش وعودته أو استدعائه مُجدداً، من شأنه التغطية على سياسات واشنطن شرق الفرات، كما يغطي موضوع داعش على سياسات وممارسات قوات سوريا الديمقراطية في المنطقة، وخاصة موضوعين شديدي الأهمية؛ أولهما الحرب التي تشنها ضد العشائر العربية وعدد من شيوخها، وثانيهما سياسات عنصرية ومتطرفة رغم الشعارات البراقة التي ترفعها وتتغنى بها، ومنها الاستمرار في تجنيد الأطفال، وإصدار قرار إدارة أملاك الغائبين، الذي يعني الاستيلاء على ممتلكات سكان المنطقة المُهجرين، يضاف إلى ذلك فإن عودة داعش تسمح لتركيا وتحت ذريعة محاربة الإرهاب، تعزيز تواجدها في إدلب، وتبرير حماية حدودها، والاستمرار بالتوغل في عمق الجغرافية السورية، تحت ذرائع محاربة الارهاب والتصدي له.

من المهم أن نذكر، بأنه في مناسبة العاشر من محرّم، تحدث سيد المقاومة عن احتمال عودة التنظيمات الإرهابية، ومنها داعش إلى لبنان، محذّراً من أنّ هناك محاولة جديدة من أجل إعادة إنتاج هذا التنظيم في العراق وسورية وشرق الفرات، الذي إذا تمكّن من الوصول إلى تدمر سيكون لبنان هدفاً تتطلع اليه التنظيمات. ما يعني صراحة بأن هناك محاولات أمريكية قد ترى النور لإعادة داعش واستثمار تواجده في سوريا والعراق، الأمر الذي يضع المنطقة مجددا أمام أجندة إرهابية، بمرتكزات أمريكية تركية كردية.

تنظيم داعش الإرهابي لا يزال يشكّل خطراً حقيقياً، يُهدد الأمن والاستقرار في دول المنطقة وتحديداً في سوريا والعراق، إذ لا يزال التنظيم الإرهابي يحتفظ بتشكيلات من المسلحين والخلايا الناشطة والنائمة، التي قد تعود إلى الساحة بمجرد أن تُعطى الضوء الأخضر الأمريكي، وقد بدا واضحاً من خلال المشهد على جانبي الفرات في العراق وسوريا خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، أن هذا التنظيم الإرهابي يُحاول حالياً وبشكل جديّ تجميع فلوله وإعادة تنظيم صفوفه، وإرسال رسائل على الأرض يسعى من خلالها إلى تحقيق هدفين: الأول هو تأكيد أنه ما زال موجوداً وقادراً على أن يقض مضاجع دول المنطقة. والثاني هو جس النبض تُجاه إمكانية عودته للظهور مجدداً، خصوصاً لدى عامة الناس وإمكانية إيجاد حواضن اجتماعية له، وبالتحديد لدى الطبقات المهمشة والفقيرة التي ضاق عليها الحال بشكل أكبر، نتيجة تداعيات جائحة فيروس كورونا وانعكاساتها على الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية.

في وقت سابق، تم تسجيل هروب العديد من إرهابيي التنظيم المُحتجزين في سجن الهول بريف الحسكة الشرقي، الذي تشرف عليه قوات سوريا الديمقراطية، وهي عملية لم تكن لتتم بدون مساندة خارجية فاعلة ومؤثرة، وتنسيق أمريكي تركي، الأمر الذي يعني أن هذا التنظيم لا زال يُشكل فاعلاً رئيسياً في التوجهات الأمريكية والتركية في المنطقة، وأن هذا التنظيم لا يزال يُشكّل ورقة رابحة، قد تُحقق عوائد سياسية بـ منافع استراتيجية بعيدة المدى، وعليه قد تكون إعادة إحياء داعش، مطلباً أمريكياً مُلحّاً في هذا التوقيت البالغ الدقة والحساسية لجهة التطورات في سوريا والعراق.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى