دهاليز النفس البشرية: 2

أحبتي القراء لقد توقنا بالمقالة السابقة عند الأطروحة التي سبق وأن نوهت عنها ، والتي صيغت علي النحو التالي :

هل ممكن أن يتحول الانسان الطيب القلب و الذى له فى الخلائق شفة حسنة إلى كتلة خبيثة من الشر وآلة للقهر و التعذيب أم أن الشر جزء من كينونة النفس البشرية التي تقوم بذلك ؟

ومن هنا نخوض في غمار صفحات الإجابة عليها والتي تشاركت كتابتها مع الأديب الطبيب والصديق الرائع الدكتور وليد محمد عبدالله .

أعلم تمام العلم بأن النفس البشرّية عندما تتحرر من تعاليم الشرائع و محبس الأخلاق و أسوار النظم و أصفاد النواميس وإطار العادات قد تنخلع عنها عباءة الحق و العدل وتظهر من تحتها سوءة الظلم و الجبروت.

لقد قال إتيان دى لا بويسيه المؤرّخ و الفيلسوف الفرنسى الشهير فى أحد أشهر أعماله و هو كتاب العبودية المختارة أننا يجب ألا نراهن على الطيبة الموجودة فى الإنسان طالما يمكنه أن يؤذى و معه مفاتيح القوّة .

مقالات ذات صلة

بلا أدني شك أن لا بويسيه قد أصاب برأيه كبد الحقيقة التى تلتمت علي الواقع المرير فلم تزل أصداء الدراسة الرهيبة التى أجريت كتجربة علمية حول نمط السلوك الإنسانى تحت مؤثرات مختلفة فى جامعة ستانفورد الأمريكية فى أوائل حقبة السبعينات تتردد حتى يومنا هذا .

إليكم :

بداية ، هل سمعت باختبار ملغرام وهل تعلم ما مدي علاقته بالهولوكوست ؟ وما علاقتهما معاً بأخطر تجربة عرفتها البشرية والتي عُرفت بتجربة ستانفورد المذكورة أعلاه ؟

لعل كل هذه الأسئلة جمعاء تتطلب إجابات قد تحتاج إلي كم من الأسطر والجمل إضافة للوقت ما قد يصيب الانسان بالملل إذا ما اراد باستفاضة أن يقف علي كل منهم ، ولكن في بضعة أسطر قد نعطي ما يوجزهم جميعاً حتي تصل المعلومة مبسطة نوعاً ما.

إختبار ملغرام يُـعد أحد أشهر إختبارات علم النفس الإجتماعي ذاك الإختبار الذي يعني دراسة مدى الإنصياع للسلطة ، والذي تناوله ستانلي ملغرام فكان أول من شرحه في مقالة تحت عنوان دراسة سلوكية للطاعة عام 1963، ومن ثم وبشكل مطول قدمها في كتاب نشر عام 1974 تحت عنوان :

  • الأنصياع للسلطة
  • نظرة خارجية

حيث كان الهدف من الدراسة قياس مدى استعداد المشاركين لإطاعة سلطة تأمر بتنفيذ ما يتناقض مع ضمائرهم حيث أراد ملغرام من الإختبار أن يجيب على السؤال التالي :

هل يعقل أن دور الجنود الذين نفذوا الهولوكوست لم يتعد تنفيذ الأوامر ، وهل يمكن أن يكونوا شركاء في الجريمة النكراء ؟

بداية إن الهولوكوست هي أحد أبشع ما تكبدته البشرية من خسائر نتيجة فعلة نكراء حدثت إبان الحرب العالمية الثانية والتي قام فيها أدولف هتلر بما عرف بالإبادة الجماعية التي راح ضحيتها وقُتِل فيها ما يقرب من ستة ملايين يهودي أوروبي على يد النظام النازي والمتعاونين معه ، فبات يستخدم بعض المؤرخين تعريف الهولوكوست الذي يضم الخمس ملايين إنسان الإضافيين من غير اليهود الذين كانوا أيضاً من ضحايا القتل الجماعي للنظام النازي، ليصبح المجموع الكلي إلى ما يقرب الأحد عشر مليون إنسان كتعريف عن تلك الكارثة . وهنا بالتحديد طرح ملغرام سؤاله عن الكيفية التي استخدمها الجنود المنفذين أنذاك ، مقارناً إياها عملياً علي تجربته الانصياع للسلطة ، وهل حقاً هذا أمر وارد أم مصطنع أو بالأحري هو جزء من السلوك البشري يكمن داخل النفس البشرية .

وبالانتقال إلي العام ١٩٧١ سنقف علي أبشع تجارب البشرية جمعاء وهي تجربة عرفت بتجربة سجن ستانفورد ، تلك التحربة التي كانت محاولة للإستقصاء عن الأثار النفسية وعنيت بالاستجابات الإنسانية للأَسْر، واهتمت بالظروف الحقيقية لحياة السجن ، فتم إجراء التجربة تحت إشراف فريق من الباحثين يقوده فيليب زيمباردو من جامعة ستانفورد .

حيث قام بعض الباحثين بتشكيل فريقين من المتطوعين بأجر من طلبة الجامعة للقيام بالبحث ، وكان أحد الفريقين يمثّل الحرّاس و مثّل الفريق الآخر السجناء المعتقلين و أعدّوا قبواً وتهيئته ليحاكى نفس مظهر و طبيعة السجون .

وسرعان ما تمّ إعتقال المتطوعين بالشرطة الحقيقية كجزء من التجربة و إيداعهم بذلك المعتقل المزيّف و جرّدوا من ملابسهم الطبيعية و أرتدوا ملابس كالسجناء .

أما الفريق الآخر فقاموا بتهيئتهم كحرّاس و تسليمهم الهراوات و الأسلحة و مفاتيح الزنازين و ترك لهم القائمون على التجربة أمر إدارة السجن بالأساليب التى تترآى لهم دون أى تدخّل من قبل المشرفين شريطة عدم استخدام العنف الجسدى و تم زرع المكان بالكاميرات لتسجيل خطوات التجربة و فحص النتائج .

فى خلال الأيام الأولى بدأت التجاوزات فى الظهور و أبدى فريق الحراس تعنّت واضح تجاه السجناء و راحوا يتفننون فى البطش بهم بكافة الطرق و بخاصة فى ساعات الليل حيث كان الحرّاس يظنون أن الكاميرات لا تعمل فى تلك الفترة .

خلال ستّة أيام فقط خرجت التجربة عن السيطرة و عانى السجناء شتى أصناف التعذيب البدنى و النفسى و أشكال الإعتداء الجسدى و التحرش الجنسى .

لاحظ المشرفون أن فريق الحراس كان يتلذذ بالسيطرة و التحكم و أنهم كانوا يفعلون ذلك طواعية و بملء إراداتهم و بمنتهى الأريحية بل و بكل الإستمتاع و أن البعض منهم كان يعمل ساعات إضافية دون أى أجر إضافى فقط ليشبع تلك الرغبات الشّهوانية التى تفجّرت بداخله بعد أن تم تحريرها و إيقاظها من مكامنها .

تمّ وقف التجربة و إنهائها قبل المدّة المقررة لها سلفاً لفظاعة ما أقترفه الحراس و لم يكن بالحسبان و قبل أن تصل إلى درجة أقصى من الوحشية التى تهدد سلامة و حياة السجناء المتطوعين و الذى عانى الكثير منهم بعد ذلك من جراء الأذى البدنى و النفسى الذى تعرضوا له على أيدى إخوة لهم فى الإنسانية لم يناصبونهم العداء و لم يكن موجوداً بينهم أى ضغائن من قبل .

بالرغم من الإنتقادات العنيفة التى تم توجيهها لتجربة ستانفورد و التى وصمتها باللإنسانية و عدم المهنية أو الموضوعية إلا أنها التجربة الأشهر على مرّ التاريخ و التى أكّدت و بمنتهى الوضوح مدى الوحشيّة التى قد يصير إليها الأشخاص الطبيعيون إذ ما سنحت لهم الفرصة و منحوا تلك السلطة المطلقة دون وجود رقيب أو خوف من محاسبة و أنها ظاهرة تتخلل كل الشرائح و كافة الأجناس البشرية .

إن القوّة الشريرة كمارد شيطانى خبيث كامنة بداخل كل واحد منّا تنتظر فقط الظروف المواتية لها فى شكل سلطة أو حصانة لتنطلق عابثة فى المصائر و الأقدار ملقية بكل المثل على قارعة الطريق و غير عابئة بمعوقات أخلاقية أو تعاليم دينية .

يخبرنا الفيلسوف الإنجليزى برتراند راسل فى كتابه السلطان عن ذلك الأمر بقوله إن القوّة نادراً ما تظهر على شكلها العارى بل تستر خلف هيئات مختلفة نطالعها فى كل لحظة و لا نفقه حقيقتها إلا فى ظروف معيّنة .

وهنا سؤال اخر مهم ، هل الفرق بين صنان محبس كونت أوف مونت كريستو وبين جوانتانمو كبير أم ان القبو ينضح بعفن واحد مع اختلاف المسمي ؟!

على أرض الواقع يجسد معتقل جوانتنامو همجيّة هذا العصر و يخلع عن بلاد العم سام زيف إدعائها بانها بلاد الحريّة و الديمقراطية و يلقى بتمثال الحرية داخل محارق هتلر و تحت أنقاض مدينة هيروشيما فبشاعة القصص التى تروى عن أصناف التعذيب التى تعرّض لها السجناء هناك يشيب لها الولدان و تحفر لأبسط مبادىء الإنسانية قبراً موحشاً .

إن ما حدث بداخل جوانتنامو و ما تسرّب من وقائع مريعة صارت فى سجن أبو غريب الواقع غربى مدينة بغداد بعد الغزو الأمريكى للعراق هو التطبيق الحى لنظرية ستانفورد على أرض الواقع شكلاً و موضوعاً بكل حذافيرها حيث البطش و التنكيل و القوّة المفرطة فى غياب الرادع و المانع .

وبالاخير إن دهليز النفس البشرية مليء بالاسئلة التي تحتاج اجوبة ، ولربما التجارب المختلفة تشكل لدينا الكثير من الاجابات بها ، فهي حياة لها نواميسها ومسلماتها البديهية تماماً كما تلوذ الارملة السوداء بزوجها .

#ثقافة_وعي

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى