ديمقراطية الكاوبوي الأمريكي تترنح

غالبا ماتباهى زعماء أمريكا على مر الزمن ومن كلا الحزبين بديمقراطيتهم (العريقة) التي (ملأت الدنيا وشغلت الناس)، و(صارت محط آمال الشعوب المغلوبة على أمرها،) بعد أن نشرت (ظلالها الوارفة) و(وبركاتها الغامرة، وعطاياها السخية على كل أنحاء الأرض.) و(أعطت دروسا بليغة لكل شعوب الدنيا وعلمتها قيم العدالة والحرية والمساواة.) و(كل دولة لاتلوذ بهذه الديمقراطية عليها أن تدفع الثمن غاليا لأنها دولة مارقة) و(لابد لشعبها أن يجوع ويعرى دون رحمة جزاء وفاقا على هذا التمرد.) و(ستحاسب ديمقراطيتنا كل دكتاتور يمتهن كرامة الإنسان حسابا عسيرا حتى لو كان في أقصى المعمورة.!!!) كل ذلك يتغنى به أقطاب (أم الديمقراطيات، وحصنها الحصين وزعيمة العالم الحر من أجل أن يعيش الجنس البشري آمنا مطمئنا على كوكبنا الأرضي بعيدا عن كل أشكال القهر والعنصرية والإضطهاد.!!!)

بهذه الكلمات الجوفاء، والباهتة الصفراء المتآكلة كأوراق الخريف، وبهذه الصفاقة والوقاحة وأكثر منهما يتم قلب الحقائق رأسا على عقب في دولة الكاوبوي الأمريكي التي يتفاخر رؤساؤها والجوقة المحيطة بهم دوما ببضاعتهم الفاسدة وغايتهم في ذلك التحكم برقاب الملايين من البشر، وإخضاع أكبرعدد من الدول لسياساتهم المعادية لطموحات الشعوب التواقة إلى الحرية معتمدين على قوة المال والإعلام المضلل الذي وقع بأيدي حفنة من العنصريين أعداء الإنسانية، والحقيقة تكاد تنطق قائلة إن هذه السلطات الحاكمة في إمبراطورية المال والإعلام تحمي أعتى الأنظمة الإستبدادية الظلامية المتوحشة من أجل مصالحها الرأسمالية الأنانية البشعةـ غير آبهة بأدنى القيم الإنسانية التي تحترم آدمية الإنسان .

ولا أريد أن أتوغل في أعماق التأريخ وأدون معاناة الهنود الحمر سكان أمريكا الأصليين على أيدي عتاة العنصريين البيض الذين منحوا لأنفسهم كل الحق في التسلط على مقدرات الملايين من الملونين. وأذكر هنا شهادة واحدة من آلاف الشهادات التي يعج بها تأريخ هذه الإمبراطورية المتوحشة حيث يقول (مايكل هولي إيجل ) وهو من ناشطي الهنود الحمر في حق مضطهدي قومه من العنصريين البيض الذين تحكموا برقاب السكان الأصليين وأتبعوا سياسية الإبادة بحقهم : (ما أغزر دموعهم فوق دماء ضحاياهم، وما أسهل أن يسرقوا وجودهم من ضمير الأرض! هذه واحدة من الإبادات الكثيرة التي واجهناها وسيواجهها الفلسطينيون كذلك.. إن جلادنا المقدس واحد.)

والقصص التي تتحدث عما يعانيه السود من ظلم وتمييز عنصري في كل مجالات الحياة داخل(جنة الأرض وأم الديمقراطيات) على أيدي الإنجيليين العنصريين البيض كثيرة تقشعر لها الأبدان، ويشيب لها الولدان وسيطول بنا المقال لو تطرقنا إليها.ومأساة جورج فلويد ليست غائبة عن الأذهان وهي واحدة من آلاف الحوادث.

ومن الجدير بالذكر التطرق إلى إحدى الجوائز الكبرى التي منحها أحد رؤساء هذه(الديمقراطية المتفردة) الديمقراطي هاري ترومان لمدينتي هيروشيما وناكزاكي اليابانيتين . ففي شهر آب عام 1945 ضُربت هيروشيما بقنبلة نووية وبعد ثلاثة أيام تلقت مدينة ناكزاكي قنبلة نووية أخرى فقتلتا في الدقائق الأولى ربع مليون إنسان وشوهتا أكثر من هذا العدد وإلى هذا اليوم يعاني سكان هاتين المدينتين وأبناءهم وأحفادهم من أمراض خطيرة لايرجى شفاؤها.

وقد قتلت هذه( الديمقراطية العظمى) مليون إنسان عراقي بدم بارد أثناء الحصار الجائر على العراق بين عامي 1990 و 2002 ق في عهودد ثلاثة رؤساء أمريكان هم جورج بوش الأب الجمهوري وبيل كلينتون الديمقراطي وبوش الإبن الجمهوري بشهادة تقارير المنظمات الدولية.

وإذا ماطرحنا السجل الأسود لدولة ( الديمقراطية الأصيلة )حول دورها في إحداث الإنقلابات العديدة التي حدثت في القرن الماضي وقبله والقرن الحالي وتدخلها السافر في الدول التي لاتخضع لإرادتها وعن دعمها للأنظمة الإستبدادية العنصرية الخاضعة لمشيئتها ومدها بكل أنواع الأسلحة المتطورة التي تستخدمها في قتل الشعوب وأبرز مثال هو دعمها للنظام العنصري الصهيوني لقتل الشعب الفلسطيني و للنظام الملكي السعودي في حربه على الشعب اليمني الفقير ماديا منذ مايقارب الستة أعوام حيث تفتك القنابل الأمريكية التي يستخدمها آل سعود بأجساد الأطفال والنساء والشيوخ أمام مرأى ومسمع المنظمات الدولية العاجزة وفي ظل جائحة كورونا.

أما دورها في تجويع عشرات الشعوب كما فعلت مع الشعب العراقي ، وعمليات القتل الجماعي التي قامت بها في سوريا والعراق وأفغانستان ليست غائبة عن أذهان دعاة حقوق الإنسان في العالم. كل ذلك من أجل نشر ديمقراطية الكاوبوي الأمريكي في هذه الدول.

ومن المضحك المبكي إن هذه الدولة الكبرى التي ترتكب أبشع إنتهاكات حقوق الإنسان في الداخل والخارج جعلت من نفسها وصية على دول العالم بتقاريرها السنوية المنافقة عن وضع حقوق الإنسان . فياللعجب. وتبا لهذا الإفلاس السياسي والأخلاقي الذي وصلت إليه ( دولة أم الديمقراطيات العظمى.)

وإذا إختصرنا المسافات وذكرنا ماارتكبه ترامب من جرائم كبرى بحق الإنسانية خلال الأعوام الأربعة الماضية وتشبثه بالسلطة بعد هزيمته في الإنتخابات. والكلمات السوقية المبتذلة المتداولة بين المتنافسين والتي تتنافى مع أبسط المفاهيم الديمقراطية فإنه يظهر جليا هذا الوجه البشع لديمقراطية الكاوبوي الأمريكي التي صارت مثلا للسقوط في الدرك الأسفل من التعامل.

وقد شهد شاهد من أهلها حيث يقول الرئيس السابق باراك أوباما في كتابه الذي أسماه (أرض موعوده): (إنقساماتنا عميقة،تحدياتنا رهيبة ، ديمقراطيتنا مأزومة .) و( إنه لايستحق جائزة نوبل بعد أن قام بالعديد من الحماقات.) وهذا الإعتراف من رئيس سابق يؤكد حقيقة التخبط الكبير الذي تعيشه هذه الديمقراطية المأزومة التي باتت تترنح وكأنها تقف على شفير الهاوية.

فترامب لم يترك وسيلة دنيئة إلا وسلكها في سبيل بقائه في السلطة وكلما يتلقى صفعة ، لسان حاله يردد ( أنا الدولة والدولة أنا ).

وهذا الرئيس المتخبط في تغريداته وتصريحاته الكثيرة الكاذبة يثبت بالدليل القاطع إنه لايؤمن قيد شعرة بالديمقراطية الحقة بعد أن أوصل سمعة أمريكا إلى الحضيض.

وليس من المستغرب أن يقوم هذا الثورالجريح بمغامرة طائشة في أيامه الأخيرة معتقدا إنها ستخلط الأوراق، وتضع الحواجز في طريق خصمه الفائز بايدن. فالتغييرات التي قام بها في البنتاغون،والمناورات العسكرية الصهيونية، وتصريحات ملك الزهايمر السعودي الهرم سلمان ومطالبته العالم بالوقوف ضد مأسماها (أسلحة الدمار الشامل لإيران ) والإعلان عن مقتل محمد بن عبد الله الشخص الثاني في أحد شوارع إيران من قبل الموساد الإسرائيلي وجولة كلبه بومبيو في المنطقة واللقاء الذي حصل في مدينة نيوم السعودية بين نتنياهو ومحمد بن سلمان وبومبيو ورئيس الموساد الإسرائيلي كوهين وإرسال القاذفة ب52 إلى منطقة الشرق الأوسط .كلها دلائل تشير إن ترامب المضطرب والمتهور يدبر أمرا ما قبل أن يرحل غير مأسوف عليه.

وكل أمر سيئ جائز من ديمقراطية الكاوبوي المترنحة التي بدأ بريقها الخادع يتآكل بمرورالوقت.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى