” رامز عقله طار “… كاميرا خفية أم سادية وعدوانية؟!

يبدو أن البرامج الترفيهية، ومنها الكاميرا الخفية، تحولت عن هدفها الأساسي في رسم الابتسامة والفرح على وجوه ضيوفها ومتابعيها من المشاهدين، وتحوّلت بشكل جذريّ إلى حلقات يتفنن بها مقدموها لترهيب وتخويف ضيوفهم، وتصويرهم في مشاهد تفقدهم السيطرة على انفعالاتهم، نتيجة حوادث طارئة مختلقة، قد يكون أقلها الشتائم والضرب والبكاء… وحسب الوصفة المصرية، فإنّ ”رامز جلال” نجم كوميدي! وبناء على هذه الوصفة استضافته قناة MBC لسنوات وقدمت له ملايين الدولارات، فقط لتقديم برامج لإزعاج الآخرين. فقد كانت بداية ”رامز” مع برامج المقالب المزعجة، التي يطلق عليها ”الكاميرا الخفية” عام 2011، مقدماً 10 نسخ، قبل أن يظهر بشخصيته الحقيقية في نسخته الحادي عشرة هذا العام، بعنوان “رامز عقله طار”.

وتدور حبكة مقلب البرنامج حول مجموعة من الضيوف، المحتجزين في “كابينة” على الأرض، في أحد الأماكن الصحراوية، وهذه الكابينة مُعَدّة بحيث يتم رفعها عن طريق رافعتين قويتين، يصل ارتفاعهما لعشرات الأمتار، فوق الأرض، وبعد اكتشاف الضيف للورطة التي يقع فيها بأنه معلق في الهواء بين السماء والأرض، يضطر للقفز من ارتفاع كبير فينزل على منطقة أمان معدة مسبقًا، وهو مرتدي سترة تساعده أثناء التحليق عاليًا، ويظهر رامز جلال خلال البرنامج متنكرًا في زي مهراجا هندي، ويراقب المقلب كالعادة من مكان قريب، في أحد السيارات المجهزة بالقرب من المكان، ويضع مجموعة من مساعديه مع الضيوف كالعادة أيضا ليشاركوا في الصراخ والعمل على توتر وتعذيب وإذلال الضيوف، من خلال وسائل مختلفة. وأقل ما يقال في هذا البرنامج، أنه يتجاوز كل الحدود في التلاعب بمشاعر ومصائر المشاركين على اختلاف قدراتهم وتقبلهم لمواجهة الصعاب.

فهل فقدت هذه البرامج بوصلتها وتاهت إلى مجالات ابتداع مواقف مؤذية للضيوف والمشاهدين معاً، أم هو إفلاس العقول المعنية في القنوات العربية، أدى بنا إلى استنساخ برامج غربيّة وإنتاجها بشكل يسيء إلى ذوق المشاهد العربي ويستخف بعقله؟

لقد تابعت حلقات من برنامج ”رامز طار عقله”، محاولاً فهم ما يجري فيها، وما تحاول قوله، فما وجدت سوى تصوير تقني لحفلة سادية، يجري خلالها انتهاك كل القيم والمعايير الإنسانية والحضارية للإنسان تحت عناوين التسلية والإضحاك، وبرؤية سطحية وتمويل أعمى… تماماً كتقنيات الزوم والضوء والإثارة في حفلات الإعدام التي تقيمها داعش لضحاياها، والتي تنتهي بموت حقيقي… وهذا هو الفارق الوحيد بينها وبين دراما ”رامز طار عقله”… صحيح أن النهاية السعيدة في هذه الدراما الهمجية لا توصلها إلى (دراما) الموت الداعشي الرهيب، لكنها أيضاً لا تلغي عيش الضحية دقائق رهيبة من الخوف والذعر، كتلك التي يعيشها ضحايا داعش قبل إعدامهم!‏ إذ كيف لعقل إنساني أن يجد في إرغام البعض على عيش دقائق رهيبة من الهلع والرعب والتدمير الذاتي والإحساس بالنهاية الوشيكة… أن يجد فيه إضحاكاً وتسلية للبعض الآخر، لو لم يكن هذا العقل مرضاً سادياً لا ينتشي إلا بألم الآخر وبؤسه… ولو لم يكن يفترض سلفاً أن عقول مشاهديه هي من الطينة ذاتها؟‏

تكلفة باهظة وضعت على برنامج لا هم له سوى إحضار ضيوف والزج بهم في مواقف مرعبة، وكل تفصيل في البرنامج يوحي لنا بمدى التدهور الفني والبرامجي الذي نعيشه، مبالغ طائلة تصرف لأمثال هذه البرامج… وهو ليس البرنامج الوحيد الذي يعتمد أسلوب المقالب…!‏ وبالرغم من اختلاف أمزجة المتابعين وعشق بعضهم لها، واستمتاع البعض الآخر بتعرض الآخرين للتلاعب بأقدارهم ولو على سبيل المزاح وتعريتهم أمام الملأ، بحيث يفقد غالبيتهم السيطرة على مشاعرهم وردود أفعالهم وألفاظهم، إلا أنه لابد من وجود رادع وقانون يضبط ويلجم البعض عن الذهاب في رغباتهم ”الإبداعية” إلى حدود يصل في أقلها إلى الأذية النفسية، على علمنا بوجود اتفاق مسبق يضمن حق المشارك المالي.

وحتى لا نتهم بالمبالغة والتحامل على هذا البرنامج، فقد طالبت إدارة مستشفى الصحة النفسية التابعة للأمانة العامة للصحة النفسية التابعة لوزارة الصحة والسكان بمصر، في الموسم الماضي، من النائب العام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بفتح تحقيق عاجل والتدخل الفوري لوقف عرض البرنامج. وجاء في البيان: ”فقد لاحظنا باهتمام البرنامج، ووجدنا أنه يحمل كثيراً من العنف والتعذيب والسخرية والاستهانة بالضيوف، والتلذذ بالآلام التي يسببها للآخرين، وممارسة التنمر عليهم، وسط ضحكات مقدم البرنامج، وبما يتنافى مع آدمية الإنسان والإنسانية، التي يجب أن يتعامل الناس بها، مع بعضهم، مما يعد استهانة بالقيم الإنسانية وتعمداً لنشر السلوكيات المرضية، وما تتضمنه من التلذذ بتعذيب الآخرين والحط من كرامتهم الإنسانية، وهذا ما نراه يمثل خطراً وتهديداً على الصحة النفسية للمواطن المصري، ومشاهدي البرنامج، كباراً وصغارا”.

وبدورنا نتساءل: ما المغزى من برنامج يقوم مقدمه على تخويف الناس حتى الموت؟ ولماذا هذا المال الكثير من محطة تأكدت أن كوميديانها المراهق لا يملك حس الدعابة والمرح؟‏‏‏ لماذا يكون رامز جلال هو الوحيد الذي يضحك من فعلته، فيما الضيوف يخبرونه أنه ثقيل الدم؟‏‏‏

لم يتقبل أي ضيف من الضيوف هذه المزحة التي تصيبهم بالهلع والرعب، وبدلاً من تقبل المزحة بعد كشفها، كانوا يهينونه ويضربونه، وهو في المقابل يستمر في الضحك.‏‏‏ وحسب الوصفة المصرية، وبعد هذا الهراء، سيصبح ”رامز جلال” أشد نجومية مما كان عليه، فليس معيار الكوميديا الآن في خفة دم الممثل، بل في ثقل دمه وسماجته وكره الناس له.‏‏‏ نجوم الكوميديا الكبار ينتزعون من المشاهد الكئيب الابتسامة، ويملأون أرجاء المنزل بضحكات المتفرجين، أما ”رامز جلال” فلا يعنيه كل هذا الهراء، هو يريد أن يضحك، حتى وإن أصيب الآخرون بالجلطات بسببه وماتوا أمام عينيه.‏‏‏

هل شاهد هؤلاء “المبدعون المزيفون” حلقات بريطانية و فرنسية من (الكنديد كاميرا) التي كانت تجمع بين التسلية والضحكة اللطيفة، وعدم الإضرار بالضحية باحترام صورته الحميمية وحقوقه الشخصية وصحته البدنية والنفسية؟ وهل قرؤوا ميثاق الشرف الإعلامي والاتصالي الذي وضعته منظمة الأمم المتحدة لتقنين وعقلنة البرامج التليفزيونية ذات الطابع الترفيهي والعلاقة التي يجب أن يحترم الجميع نواميسها بين المنتج التليفزيوني والمواطنين؟ وهل أدرك هؤلاء القائمون على مثل هذه البرامج التي تسمى زورا وبهتاناً ”كاميرا خفية”، أن كرامة الناس ليست لعبة وأن العنف المجاني المتدفق بالرعب والهول والاستهتار والاستخفاف بالناس ليس محورا للتسلية.

وللأسف الشديد، نرى أن السعي وراء الربح السريع هو الهدف بإعادة إنتاج البرامج الغربية الفكاهية منه أو الترفيهية، بطريقة رديئة أثرت على المشاهد العربي وأساءت إلى ذوقه الفني والاجتماعي، وانحدرت إلى مستوى التهريج وإضاعة الوقت والأموال عليها، والفارق يبدو كبيراً بين الكاميرا الخفية بالنسخة المصرية التي يقدمها ”ياسر جلال”، وبرامج التسلية والضحك التي تقدم في العالم، فلا علاقة هنا للتقنيات وحرفية الإخراج والتصوير التي يمتاز بها الغرب بشكل عام، بل الفرادة ترتبط بالفكرة الذكية واللطيفة القادرة على انتزاع الضحك من صدور الجماهير المغمومة من دون أن يضطر أحد من المتابعين إلى وضع ”حبة تحت اللسان” من أجل احتمال فداحة المقلب كما يجري في كاميراتنا الخفيفة الظل!

خلاصة الكلام: ربما آن الأوان لإعادة التفكير قليلاً بما يتم تقديمه على الشاشات، فهي في أبسطها و”أهضمها” انتهاك واعتداء على خصوصية الغير وملمح من ملامح عديدة ترسم حقيقة من يقدم عليها، عدا عن افتقادها الرسالة أو الهدف. فمهما كانت المسميات التي تأتي ضمنها تلك البرامج إلا أنها ترسم بطريقة أو أخرى صورة إنساننا في نهاية الأمر، ولا بد سيأتي أحد ما مهما بلغت درجة احترامنا وتقديرنا له ليوجه لنا أصابع الاتهام بالتخلف والسادية والتمتع بعذاب الآخرين.

كاتب صحافي من المغرب.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى