رثائيّةُ حبيب – عبدالله النائلي

أجرُّ مواويلاً ولحنيَ أدمعُ
وللجرحِ مزمارٌ وللقلبِ مسْمَعُ
أبيتُ وعيني للسّهادِ فريسةٌ
وروحيْ بأنيابِ الظلامِ تُقَطَّعُ
وحيداً أبثُّ الليلَ بعضَ مواجعي
فتوشكُ أركانُ الدجى تتصدَّعُ
وأُودعُ آهاتي بصدرِ قصيدتي
فتبكيْ لها عينٌ وتخفِقُ أضلعُ
معي ذكرياتي والسنينُ التي مضتْ
وما ظلَّ من روحي وقلبي المفجَّعُ
وعينٌ لسلطانِ الدموعِ مطيعةٌ
وصدرٌ لجيشِ الهمِّ أندى وأطوعُ
تجولُ به الذكرى تنقِّبُ أرضَه
فلم يخلُ من آثارها فيه موضعُ
تُفتِّشُ عن وجه الحبيب مغيَّبا
عسى نوره بين الجوانحِ يسطعُ
وهيهات يا ذكرى فللموتِ منطقٌ
عصيٌّ, ومعنى القبرِ أعصى وأوسعُ
ألا يا صديقي والمفاوزُ بيننا 
قصايا, وما بيني وبينك إصبعُ 
إليكَ إذا ما اشتقتُ جهَّزتُ أحرفي
وسقتُ أناشيداً بحبّك تظلَعُ
أناجيكِ ملهوفاً وللروحِ أنَّةٌ
تكادُ على هولِ المسافة تُسمَعُ 
ويعوِلُ قلبٌ صارَ بعدكَ نبضُه
طبولاً إلى حربِ المسرَّة تُقرَع
أاستشعرُ الآمالَ إذ أنتَ غائبٌ
وأستقبلُ الدنيا وأنتَ مودِّعُ
وأوهمُ روحي بابتسامةِ كاذبٍ
وأخدعُ قلباً واعياً ليسَ يُخدَعُ
رحلتَ فكفَّنتَ السرورَ بمهدهِ
وشذَّبتَ غصنَ العمرِ من قبلِ يُفرِعُ
و واريتَ أشلاءَ الأماني جميعَها
وشاهدتَ أحلامَ الصبا إذ تُشيَّعُ
وأوقفتَ دولابَ الحياة وقد جرى
قديما بما نهوى لديه ونطمعُ
أتذكرُ إذ كنَّا صغاراً على الأسى
نشاوى وكأسُ العمر ريَّان مُترَعُ
تطاوعنا الأيامُ وهي عصيَّةٌ
وتتبعنا أفراحُها وهيَ نُزَّعُ
ونضحكُ والدنيا عروسٌ كحيلةٌ
تُزفُّ بوجهٍ بالبشاشةِ يسطعُ
ونبسمُ حتى تبسمَ الأرضُ كلُّها
ونطربُ حتى يطربَ الخلقُ أجمعُ
ونعبثُ حتّى بالحياةِ وكنهها
ونهزأُ بالأقدارِ فيما تشرِّعُ
ونهزمُ جيشَ الدهر حيثُ عيوننا
سيوفٌ بأحلامِ الطفولةِ تلمعُ
أتبعدُ عنّي اليوم يا صاحِ بعدما
تشرَّبَ رُوحي رَوْحكَ المتضوِّع
عليلاً وطيرُ الموت يشرب من دمي
ويعزفُ لحنَ الموت جنبي ويسجعُ
وينهَشني الماضي بأمضى مخالبٍ
وأُعركُ في أظفاره وأقطَّعُ
يدقُّ شبابيكي ويسهرُ خلفها
بعينٍ ترى في غورِها ما يروِّعُ
يقرِّب لي طيفَ الحبيب أمسُّه
فينأى, ويدنو لي مِرارا فأخْدَعُ 
ولو أن كفَّ الموت تطرقُ بابنا
لقبَّلتها من فرطِ ما أتجرَّعُ

عبدالله النائلي
حزيزان_2014

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى