رجب طيب أردوغان لاعب جيو- استراتيجي مُتفوق.. ولكن !

يسعى رجب طيب أردوغان، إلى تقوية الداخل التركي وتعزيزه في المرحلة المقبلة، الأمر الذي سيفتح الطريق أكثر أمام حكومة العدالة والتنمية للانطلاق في رحلة حلحلة الملفات الخارجية

رجب طيب أردوغان لاعب جيو- استراتيجي مُتفوق.. ولكن !
أمجد إسماعيل الآغا

الإشادة الاطلسية بالدور التركي كـ شريك وحليف يحظى بأهمية استثنائية، تعكس عودة إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى الواقعية السياسية لجهة هندسة علاقات جديدة مع تركيا – أردوغان، وعلى الرغم من تعهد جو بايدن إبّان حملته الرئاسية بدعم المعارضة التركية لإسقاط أردوغان، لكن من المستبعد أنّ يقوم جو بايدن بتنفيذ تعهداته، إذ لا يوجد أحد في واشنطن يجهل أنّ تركيا حليف أساسي ومهم للولايات المتحدة، في الشأن الأفغاني والأوروبي وسواهما، ولكن هناك امتعاض من تصرفات تركيا في عديد الملفات الإقليمية والدولية، إذ لا يُخفي أردوغان تبنيه سياسية “شخصنة” العلاقات، ناهيك عن ممارسات أردوغان الداخلية من قمع وتقييد للحريات، فضلًا عن حملات الاعتقال التي لم تنتهي إبان محاولة الانقلاب عليه، والكثير من القضايا التي تُطرح داخل واشنطن ويُنظر إليها بعين الريبة؛ كل ذلك يضع أردوغان في مرتبة أبعد من حليف، لكن لابد أمريكيًا من التمسك به كشريك في مسائل أخرى تتصدى لها الإدارة الأمريكية، وترى في شخصية أردوغان اللاعب الجيو استراتيجي المُتفوق، لكن بحدود أجندتها.

في عمق السياسية التركية، وعطفًا على نظرة الإدارة الأمريكية لـ أردوغان كـ لاعب جيو- استراتيجي، هناك نقطة أساسية لا يُمكن تجاهلها، ترتكز على دوائر التأزم الأساسية في سياسات أنقرة الخارجية، بدءاً بالدائرة الأميركية، مروراً بالدائرة الأوروبية، ووصولاً إلى الدائرة العربية، وعلى الرغم من المحاولات الخجولة عبر الانفتاح التركي لتخفيف حدّة التوتر في مختلف الدوائر، لكن يبقى الامتحان الأصعب يتعلق بمدى تجاوب الأطراف المعنية في هذه الدوائر مع سياسات أردوغان؛ إذ تنتهج تركيا سياسة إعادة تموضع واضحة في الملفات الخارجية، مصحوبة برغبة لاعتماد استراتيجية تحرك جديد تنطوي على الليونة والبراغماتية، ونهج عملي وواقعي يتبنى مزيداً من الحوارات الدبلوماسية، وعليه فإن حكومة العدالة والتنمية تُجري مراجعة شاملة وجذرية لطريقة تعاملها في جُلّ الملفات الإقليمية والدولية.

في جانب موازٍ، يسعى رجب طيب أردوغان، إلى تقوية الداخل التركي وتعزيزه في المرحلة المقبلة، الأمر الذي سيفتح الطريق أكثر أمام حكومة العدالة والتنمية للانطلاق في رحلة حلحلة الملفات الخارجية، خاصة أن أردوغان يُدرك أنه لا يمكن الرهان على تحرك إقليمي ودولي، دون أنّ يكون الداخل التركي متماسكاً وقوياً ومهيأً للتعامل مع كل هذه التحديات، فضلًا عن جزئية الامتعاض الأمريكي لجهة ممارسات أردوغان، ومن الواضح أن رجب طيب أردوغان يسعى إلى إعادة ترميم علاقاته الإقليمية والدولية، وينطلق للوصول إلى هذه المقاربة من محددات ترتكز جزئياتها على جملة من التحولات، التي ترتبط بشكل مباشر برؤى طموحة تتعلق بأن تصبح تركيا قوة اقليمية كبرى، لها تأثير في المناطق المجاورة، ودور فاعل في الساحة الدولية، وقد تمت بلورة هذه الرؤى في استراتيجية استندت فكرياً إلى نظريات الجيوبولتكس ومفاهيمه لإضفاء أهمية مركزية على دور أنقرة ومكانتها الإقليمية والدولية.

فبعد سنوات من التدخلات المؤطرة ببعد عسكري، يجد أردوغان نفسه أمام واقع إقليمي ودولي جديدان، ومن الضروري التماهي مع هذه التطورات، ولتوصيف أعمق، فقد انتجت التطورات المتسارعة على الصعيدين الإقليمي والدولي، بيئة جديدة نظرت إليها تركيا من جانبين:
الأول- على صعيد سياساتها؛ إذ ثمة بوادر إعادة نظرٍ في بعض السياسات خاصة بعد الإشكاليات العديدة التي تعرّضت لها تركيا في المنطقة.
الثاني- على صعيد تصوراتها الجيوبولتيكية الطموحة؛ فبين هذه التصورات الطموحة والسياسات المقيّدة منذ عام 2011، تراجع زخم الدولة المركزية والقوة الحاسمة أو الكبرى، وبدا أنّ هناك قيوداً داخلية وخارجية معنوية ومادية تحدّ من تأثيرها.

“تورغوت أوزال” أول رئيس حكومة تركية، أبدى اهتمامًا خاصًا بالجوار التركي، سواء في العالم العربي والقوقاز أو البلقان، لكن رجب طيب أردوغان ومنذ 2002، أخذ هذا الاهتمام إلى مستوى غير مسبوق، سيما بعد المحاولة الانقلابية في 2016، وقد تجلَّى هذا الاهتمام في عدد من السمات للسياسة الخارجية التركية، والسياسة تجاه الجوار التركي بصورة خاصة، ويمكن إيجاز أبرز هذه السمات بالاستناد إلى سياسة أوزال، واعتماد أردوغان على مفاهيمه:
أولًا- أن مصالح تركيا لا تقتصر على العلاقة مع الغرب الأوروبي، ولكنها تشمل أيضًا جوار تركيا الإقليمي، سيما الدول التي تجمعها بتركيا مواريث ثقافية أو إثنية. في قلب هذه المصالح، التزامات سياسية وتاريخية، وآفاق اقتصادية ومالية، وضرورات يفرضها الأمن القومي التركي.
ثانيًا- أن تركيا أكبر من أن تركن إلى الدور الذي يرسمه لها الحلفاء الغربيون، سواء باعتبارها موقعًا دفاعيًّا أمام توجهات التوسع السوفيتية (الروسية، اليوم)، أو جسرًا يربط أوروبا بوسط آسيا والشرق الأوسط. جذور تركيا التاريخية، وثقلها الثقافي والسياسي، وموقعها الجيوسياسي، تفرض عليها تعهد دور قيادي في أجنحة جوارها الثلاث: الشرق الأوسط، والقوقاز، والبلقان.
ثالثاً- أن على تركيا ألا تقبل بالأمر الواقع، مهما كان الزمن الذي استقر عليه هذا الواقع، وحتى إن وقفت خلفه قوى غربية كبرى.
رابعًا- أن على تركيا دعم مواقفها والتعبير عن مصالحها بتحرك ملموس ومشهود على الأرض، وليس فقط بالتصريحات. بدون تحرك عسكري، واقتصادي، أو استثماري، لن يكون للمواقف المعلنة أثر فعال في ميزان القوى والتدافع حول المصالح.
خامسًا- لتقوم تركيا بدورها وتحمي موقعها، لابد أن يكون لها أصدقاء وحلفاء في الجوار الإقليمي، وأن تعمل دائمًا على زيادة عدد الحلفاء والأصدقاء. ولكن هذه التحالفات لا يمكن الحفاظ عليها بدون أن تفي تركيا بالتزاماتها تجاه حلفائها، وأن تقف معهم في مواجهة المخاطر التي تهددهم، وأن تدافع عن مصالحهم الحيوية كما تدافع عن مصالحها.

هذه هي السمات الرئيسة لما يُمكن أن يسمى “مبدأ أردوغان”، والتي وسمت مُجمل سياساته في سوريا وليبيا وصولًا إلى حدود روسيا، بيد أن هذه السياسة جلبت أزمات معقدة ومركبة لـ رجب طيب أردوغان، ما يعني أن اعتماد هذه السياسات لم يُحقق نجاحًا ولا تحقيقًا لأهداف أردوغان، التي هندسها بالاعتماد على تصورات تورغوت أوزال.

ختامًا، صحيح أن تركيا قوة إقليمية لها تأثير على مسار التطورات في المنطقة، لكن الصحيح أيضًا أن تركيا تنتمي إلى منطقة شهدت تحولات وصراعات وصدامات حادة، عطفًا على تحول هذه المنطقة إلى ساحة صراع دولي لا تحدها مؤشرات واضحة لجهة مسارات التهدئة أو الحلول، كل ذلك وضع أردوغان أمام تحديين، الأول يتمثل في قدرة أردوغان على تخطي لاعبين من الوزن الثقيل، وهم فاعلين ومؤثرين في أزمات أحد أركانها رجب طيب أردوغان، والثاني عدم قدرة تركيا على الإفراط أكثر في تحمل أعباء الدور التركي والموقع الجيو استراتيجي المُتميز، خاصة أن الإفراط في تحمل أعباء الدور والموقع، أودى تاريخيًا بقوى إقليمية ودولية، وأفضت إلى انهيارات وتراجع وحتى اندثار، فهل يستقي رجب طيب أردوغان العبر من الدروس التاريخية التي قرأ عنها؟.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى