“رجب طيب أردوغان” وجبة سياسية دسمة على نار أمريكية هادئة

أمريكا "بايدن" معنية اليوم بإعادة هيمنتها ليس في الشرق الأوسط فحسب بل على مستوى العالم، وربما كانت الصداقة التي تجمع ترامب وأردوغان حجاباً حاجزاً لأيّ قلق محتمل

رجب طيب أردوغان وجبة سياسية دسمة على نار أمريكية هادئة
أمجد إسماعيل الآغا

للوهلة الأولى يبدو أنَّ مناخ العلاقات الأمريكية التركية مُرشح لمزيد من التصدعات بأوجهها كافة، إلا أنَّ البُعد الجيواستراتيجي للمعادلة الأمريكية التركية، تفرض نمطًا من تأطير تلك العلاقة بما يتناسب ومنظومة المصالح التي تجمع واشنطن وأنقرة على السواء؛ لكن في المقلب الآخر فإن تركيا “أردوغان” قد تجاوزت الكثير من الخطوط الأمريكية الحمراء، لا سيما في ذهابها بعيدًا حيال علاقتها مع روسيا، وما أنتجته هذه العلاقة من صفقات تمسّ مباشرة بنية الأمن الأمريكي وكذا الأطلسي، حتى أنَّ الاستثمار التركي للبعد الجغرافي الهام الذي تتمتع به تركيا، جعلها تقفز خارج الحدود وتفرض أمر واقع لا يتناسب وماهية الطموح الأمريكي في الإقليم، وعليه تتعدّد الملفات التي تحملها الإدارة الأمريكية الجديدة في جعبتها، وقد تُطرح تلك الملفات على طاولة محاسبة تركيا وسياساتها خلال فترة إدارة دونالد ترامب، فالسياسات التركية حملت الكثير من العناوين التي جاءت في أطر إعادة إنتاج العثمانية الجديدة والإسلام السياسي، والتعاون مع الإرهاب وتبنّي خطاب التحريض وإثارة النعرات الطائفية، إذ ظهرت ترجمات هذا الخطاب في الدول الأوروبية، فضلًا عن ممارسة أدوار في مناطق الصراع بالمنطقة بصورة تتعاكس مع كون تركيا حليفاً للغرب وأمريكا، وعضواً فاعلاً في حلف شمال الأطلسي، والذهاب بعيداً بتحويل تركيا إلى حليف لروسيا والصين.

ربما مرّت فترة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بأقلّ الخسائر الممكنة بالنسبة لتركيا، وبالتالي تُدرك تركيا “أردوغان” جيداً أنَّ هناك إدارة أمريكية جديدة لا تنظر إلى تركيا بعين الرضى، وثمة هواجس جمّة تؤرق رجب طيب أردوغان، وضغوط تؤطر جُلّ سياساته الإقليمية والدولية، وحتى على الصعيد الداخلي، نتيجة لذلك وبعد فوز جو بايدن لجأت تركيا إلى ما يُمكن تسميته خطة دفاعية ارتكزت مضامينها على المعالم الغير واضحة للسياسات الأمريكية الجديدة بقيادة بايدن، إذ قامت تركيا بتطبيق نظرية “تبريد” الملفات الخلافية في المنطقة، ومغازلة أوروبا بخطاب جديد، ينسف مفردات القاموس السياسي والعسكري التركي الصدامي تجاه أوروبا وفي ليبيا وسوريا، وما يتردّد عن نوايا بفتح صفحة جديدة في علاقاتها مع السعودية ومصر والإمارات؛ كل ذلك يُعد ترجمة واضحة للتحولات التركية؛ هي تحولات ربما لا يغيب عنها حسابات الصفقة الإيرانية- الأمريكية المحتملة، التي ينطلق الأمريكيون في التعامل معها على أساس أنّ إيران عدو، وأمّا تركيا، فهي حليف تمرّد ولا بدّ محاسبته وجذبه مجددًا إلى إطار الطاعة الأمريكي.

بهذا المعنى يُدرك أردوغان أنَّ محدودية الخيارات وضيق هوامش المناورة، تفرض عليه تقديم تنازلات يراها ضرورية لترميم علاقاته مع واشنطن، وفي ذات الإطار تراها الإدارة الأمريكية ضرورية لترتيب ملفات المنطقة مع شركائها الأطلسيين، ولجمّ طموحات أردوغان وتأطير سياساته الإقليمية والدولية، بيدَّ أنّ الدور التركي في سوريا سيكون له الدور المؤثر والفاعل في تعبيد جسور التواصل مع واشنطن، بمعنى سيكون للدور التركي في سوريا دور المُنقذ في مواجهة بايدن، والأخير سيلجئ لاستثمار هذا الدور في تنفيذ الاستراتيجيات الأمريكية بمواجهة روسيا وتصعيب مهمتها في سوريا، لكنّ أوساطاً في الإدارة الأمريكية لن تقبل صفقة صواريخ “S 400” بين أنقرة وموسكو، وهو ما سيضع العلاقات التركية الروسية أمام تحدٍّ خطير، ربما تنكشف بعده تركيا في مواقع أخرى، منها العلاقة مع إسرائيل، وتخلّيها عن الإسلام السياسي.

أمريكا “بايدن” معنية اليوم بإعادة هيمنتها ليس في الشرق الأوسط فحسب بل على مستوى العالم، وربما كانت الصداقة التي تجمع ترامب وأردوغان حجاباً حاجزاً لأيّ قلق محتمل، وقد ذهب ترامب وبقي أردوغان يحاول البحث عن أسباب مريحة لعلاقة إيجابية مع بايدن، لكنّ الأخير ربما غير معنيّ بهذا، أو على الأقل غير مستعجل، فهو لم يفكّر بالاتصال بأردوغان، في رسالة ضمنية لتركيا مفادها أنه يجب أن يكون ثمّة مساحة متاحة للقلق في العهد الجديد، وسيتم وضع أردوغان على نار هادئة قُبيل إعادته إلى مسار السياسية الأمريكية الجديدة تُجاه سوريا تحديداً ودول المنطقة والاقليم عمومًا.

بات واضحًا أنّ جو بايدن يُريد أنّ يُحدث تغييرات جوهرية وثورية في سياسته الشرق أوسطية، وضمن ذلك فإن تركيا أيضًا ستكون ضمن هذه التغييرات الجوهرية التي يُهندسها بايدن، خاصة أنّ الأخير وصف تركيا بالدولة المستبدة، وبهذا سينجح في وضع تركيا “أردوغان” في منطقة القلق والتوتر، وإدخالها مجدداً في إطار إعادة إنتاج العلاقات وتدويرها، بشكل جديد ومستوى جديد.

أردوغان لنّ يكون قادراً على اختراق جدران القلق والتوتر مع واشنطن، إنّ لم يُذعن قليلاً لإدارة بايدن، شأنه شأن الكثيرين من دول المنطقة، خاصة أنّ النخب السياسية الأمريكية شعرت بل ولمست بأنه حدث لأمريكا وسطوتها وهيمنتها، على منطقة الشرق الأوسط بعض التراجع، أو على الأقل أوجدت سياسة ترامب من يزاحم أمريكا ويخلق لنفسه مساحة مقلقة على حساب مساحة أمريكا، تحديداً ما أحدثته روسيا من إرباك لدى واشنطن، عبر اختراقها كتلة كبيرة من النفوذ الأمريكي في المنطقة، وتحديداً ما حاولت تركيا أنّ تحدثه من تفلت من هذا النفوذ، هروباً باتجاه النفوذ الروسي سياسياً وعسكرياً.

صفوة ما سبق، الرئيس الأمريكي جو بايدن يطهو للجميع وجبات سياسية على نار هادئة، و الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في رأس القائمة الأمريكية، فما انفلت من القبضة الأمريكية لا يعيده بقوة إلا الهدوء والدهاء الأمريكي في ثوبه الجديد، فالولايات المتحدة معنية اليوم بإعادة رسم كل السياسات والتوجهات بما يتناسب مع أمريكا الجديدة، ذات الشخصية التي لن تناسب الكثيرين في المنطقة، ما يعني في العمق أنّ سياسة جو بايدن الجديدة، تكاد تكون بمثابة رسالة ستصل إلى أذن رجب طيب أردوغان، وبعض زعماء هذا الشرق البائس والخائف، “أنه على الجميع أنّ يستعد للقادم، ولا بأس ببعض القلق والحذر والتقرب”.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى