رسالة إلى فخامة الرئيس العراقي برهم صالح

بسم الله الرحمن الرحيم:

{ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ } الصف – 3

فخامة الرئيس برهم صالح رئيس جمهورية العراق المحترم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا مواطن عراقي بسيط أبلغ من العمر 78 عاما ولم أنتم لأي حزب طول عمري. ومشكلتي هي متابعة أخبار وطني العراق. وأحزن كثيرا على ما يعانيه اليوم من مصاعب جمة على أيدي حكامه الذين أوصلوه إلى حالة لايحسدها عليه أحد في هذا العالم . ولا أطلب منك شيئا سوى أن تكون بارا بالقسم الذي أديته حين توليت الرئاسة. وأن تقرأ رسالتي حتى آخر كلمة فيها. وغاية أملي أن أرى العراق قد تعافى من بعض ما ألم به من فجائع وأحزان، وتحكمه حكومة منبثقة من معاناة شعبه ، وتعيد إليه مكانته الدولية التي يستحقها قبل أن أغادر هذه الدنيا. وأتذكر جيدا كيف كنت يافخامة الرئيس متحمسا للفوز بالمنصب، وآضطررت لتغيير قناعاتك الحزبية من أجلها. وأعلنت عن ضغوط وقعت عليك لتأييدك الإنفصال الذي أعلنه مسعود البارزاني وحزبه. وأتذكر أقوالك الوردية الجميلة التي كنت تطلقها من خلال شاشات الفضائيات بأن شعب العراق الذي عانى طويلا يستحق منا أكبر التضحيات، وبأنك ستواصل الليل بالنهار من أجل إنقاذ العراق من محنته وستقوم بذلك إذا ساعدك الله في الوصول إلى منصب الرئاسة. وكأي مواطن عراقي ينتظر الفرج تفاءلت بكلامك كما تفاءل معي الكثير من العراقيين الذين عانوا الأمرين من الحكومات السابقة. فالتفاؤل والأمل صفتان محمودتان، وكما يقول الشاعر:

ماأضيق العيش لولا فسحة الأمل.

وتضرعت إلى الله بأن تكون رئاستك للعراق فاتحة خير للعراقيين جميعا، وأن تكون خيمتهم الكبيرة على آختلاف قومياتهم ودياناتهم وأينما كانوا تدافع عنهم كما تدافع عن عائلتك. وآزداد تفاؤلي حين شاهدت مقابلاتك مع الناس في الأيام الأولى لرئاستك. إلى أن حدثت الأزمة الأخيرة بعد آستقالة الدكتور عادل عبد المهدي ودخول السياسيين في دوامة الكتلة الأكبر وما رافقها من مماحكات لها أول وليس لها آخر. وسمعت تصريحك الأخير الذي قلت فيه: { إنني أفضل الإستقالة على الموافقة على تعيين رئيس وزراء لايرغب به الشعب }

وآستبشرت بذلك رغم كل الخروق الدستورية التي حدثت. وقلت مع نفسي المهم أن تنقشع هذه الغيمة السوداء عن سماء العراق، ويعود إليه الأمن والإستقرار وهذا مايطالب به كل مواطن عراقي حر شريف.

ولكونك سياسي مخضرم، فلابد أن تدرك جيدا إن معدن الرجال الصادقين يظهر في الأزمات، وإن القادة الكبار يذللون المصاعب مهما تفاقمت من أجل درء الخطر الداهم عن أوطانهم. وقادة العراق لايمكن أن يكونوا استثناء عن هذه القاعدة العامة، ولابد أن يكونوا بمستوى المسؤولية والأمانة التي تحملوها ، وأقسموا أن يكونوا أمناء عليها. وكان من واجبهم بذل الجهود الإستثنائية للتخفيف من المتاعب الكبرى التي وقعت على كاهل الشعب منذ ستة عشر عاما. لكن وبكل أسف جرت الرياح بما لاتشتهي السفن ، وكل يوم يمر يتم إهدار الوقت ويزداد المشهد تعقيدا بعد أن غرق الحكام في محاصصاتهم وأنانيتهم ومكاسبهم حتى الثمالة، وتجاهلوا الأخطار المحدقة بالوطن، وتبجحوا بركام هائل من معسول الكلام. وكأن لسان حال كل منهم يردد في الفضائيات :

ليعلم الناس إني من خيارهمُ
في الدين دينا وفي أنسابهم نسبا.

وأدت أفعالهم إلى تدخل كل من هب ودب في الشأن العراقي . ونشط المعادون للعراق ، وكشر الطائفيون وحزب البعث الفاشي عن أنيابهم من جديد آملين أن يعيدوا عجلة التأريخ إلى عهود الظلم والدكتاتورية والمقابر الجماعية. وآستهان العديد من رؤساء العالم بهذا البلد العريق نتيجة للصراع الحاصل بين أقطاب العملية السياسية ،وتدهورت أحوال العراق الثقافية والعلمية والإجتماعية والعمرانية والصحية . وآستبيح الدم العراقي من قبل قوى إستكبارية ظالمة قادمة يقودها رئيس متهور أهوج يمتلئ قلبه حقدا في الوقت الذي إدعى فيه كذبا إنه يسعى لإنقاذ العراق من الإرهاب الداعشي. ولا أريد في رسالتي هذه أن أكون واعظا أوجه النصائح للآخرين لكن من حقي كمواطن أن أوضح رايي.

ولا شك إنكم اليوم تحتلون موقعا يفرض عليكم أن تكونوا حريصبن على كل قطرة عراقية يسفكها الأعداء ظلما وعدوانا، وتتحملون المسؤولية الكبرى في الدفاع عن الدم العراقي المقاوم لأعداء العراق بكل شجاعة وشرف لتثبتوا للشعب العراقي إنكم مخلصون لوطنكم إخلاصا حقيقيا لاتشوبه شائبة وهذا شأن كل رئيس يحب شعبه ويضحي من أجله، ومن أجل هذا الهدف المقدس يجب عليكم أن لاتترددوا في قول كلمة الحق أمام كل مستكبر مغرور، وماعمليات الإغتيال البشعة التي قام بها المجرم المتصهين ترامب ضد جمع من أبناء العراق الشرفاء المضحين في الحشد الشعبي وقتل العشرات من هؤلاء المجاهدين الذين دافعوا عن العراق بكل شرف وأمانة وعلى رأسهم الشهيد السعيد أبو مهدي المهندس الذي هو عضو في البرلمان العراقي بالإضافة إلى إنه قاتل الإرهابيين دون هوادة لأعوام، وضحى بحياته من أجل أن تنعم أنت وبقية أفراد الحكومة العراقية بالأمن، والشهيد الضيف الفريق قاسم سليماني هي جرائم نكراء يستنكرها ويستهجنها كل إنسان له ضمير حي في هذا العالم. إضافة إلى إنه خرق فاضح للقوانين الدولية، وآنتهاك صارخ لسيادة العراق، فكيف تسمح لنفسك بترك العراق وهو في هذه الحال وتسافر إلى دافوس لآلتقاط الصور ومصافحة هذا الرئيس المتهور الذي قتل أبناء شعبك وأهان العراق ، وهدده بالويل والثبور وعظائم الأمور؟ وهو الذي قال بعظمة لسانه عن بلدك الذي أنت رئيسه ( لايوجد شيئ أسمه عراق ) أليس هذا التصرف الذي قمت به هو إستخفاف بدماء الشهداء من أبناء شعبك؟ ومن أعطاك الحق يافخامة الرئيس بالتصرف ضد قرار مجلس النواب الذي طالب بإخراج قوات ترامب الغازية من العراق حتى تطالب بإبقائها دون آستشارة بقية أفراد الحكومة؟ وماذا ستقول للعراقيين بعد مصافحة هذا الرئيس القاتل الذي تجرى له محاكمة في بلده لقيامه بعمليات تزوير وكذب وخداع داخل أمريكا وكيف يقبل ضميرك بذلك ودماء العراقيين الشهداء لم تجف بعد؟ وهل هذا الرئيس المتصهين له أدنى إستعداد في إعمار العراق كما تدعي وهو الذي جهر بالإستيلاء على ثروته النفطية وهدد شعبه بأقسى من الحصار الذي يفرضه على إيران ؟ وهل آعتذر عن أقواله التي تدل على نفسه الشريرة لتكون مصافحتك له مبررة.؟ وكيف تسمح لنفسك بأن تكون ضد أكثرية الشعب العراقي الذي يطالب برحيل القوات الأمريكية الغازية ؟

نحن مع تحسين العلاقات مع جميع حكومات العالم عدا الكيان الصهيوني ولكن على أساس الإحترام المتبادل وليس على أساس من الذل والخنوع يافخامة الرئيس .

وإن مدحك للمرجعية ودورها الإيجابي لايعفيك من مسؤوليتك التي تفاخرت بها كثيرا ولم نجد لها أثر على صعيد الواقع.

لقد خيبت أمل الملايين من العراقيين يافخامة الرئيس. ولا أدري ماذا سيكون موقفك إذا قام ترامب بحماقة أخرى وسفك المزيد من دماء أبناء الشعب العراقي؟ وهل يمكن إقامة دولة قوية بهذا الوضع الضعيف المتخاذل أمام الطغاة.؟

نحن لانلوم وفد كردستان الذي ذهب إلى ترامب وصافحه بحرارة لأن مايربط حكومتها بالحكومة المركزية هي الأمور المالية فقط . أما أنت الذي قبلت أن تكون رئيسا لجميع العراقيين ففعلك أدمى قلوب الكثير من العراقيين. ومادامت حكومات المحاصصة مستمرة فإن جراح العراق ستتعمق أكثر فأكثر رغم كل معسول الكلام الذي سمعناه ولم يتحقق منه شيئ.

وأرجو أن تعذرني يافخامة الرئيس على قساوة بعض كلامي بعد أن طفح الكيل ، وبلغت القلوب الحناجر.

والسلام عليكم.

جعفر المهاجر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى