رقطاء الرمال المتحركة: المؤامرات السعودية: خلفيات ودوافع

هال آل سعود وأسيادهم الصهاينة حجم التغيرات الّتي طرأت على المشهد العربي عشية النكبة الفلسطينية عام 1948م وما أفرزته من إرهاصات ثورية عكست رغبة عربية جامحة في الإحتكام لمنطق الكفاح المسلّح والمقاومة العسكرية كخيار إستراتيجي بديل عن الخيارات التفاوضية الّتي حاول تكريسها الملك عبد العزيز آل سعود أثناء تواطئه على إطفاء جذوة الثورة الفلسطينية عام 1936م وقد إستهدفت القيادة الفلسطينية والعربية هذا الخيار بغية بلوغ عتبة التحرير المنشود والإنعتاق من أغلال الإحتلال وتداعياته. وما زاد الموقف السعودي – الصهيوني إرباكاً أنّ بزوغ فجر المقاومة الفلسطينية والعربية تزامن مع سقوط أحد أعتى مداميك الصهيونية وركائز الإستعمار في المشرق العربي من خلال إطاحة رأس النظام الملكي المصري بمناجل الثورة المباركة الّتي قادها الرئيس جمال عبد الناصر عام 1952م، فتوجّس الصهاينة وآل سعود من صدى المشروع القومي الّذي إنبثق من رحم هذه الثورة الفتية والّتي شكّلت بأبعادها المحلية والقومية التحدّي الأبرز أمام العرش السعودي الهش والكيان الصهيوني المغتصب، فانبرت المملكة العربية السعودية إنطلاقاً من رؤيتها المشتركة مع الصهاينة إلى مواجهة هذا الخطر المحدّق ممثلاً بقومية الفكر الناصري وعبق طروحاته تارةً وطلائع الحركة العربية المقاومة طوراً، ووجدت المملكة العربية السعودية نفسها في تحالف طبيعي مع الحركة الصهيونية العالمية عكس إنسجام الطرفين ورغبتهم العارمة في إحتواء هذين الخطرين وإمتصاص خطورتهم من خلال تشكيل حائط سد صهيوني الهوية لكنّه سعودي الهوى يرمي إلى محاصرة إرتدادات الثورة الناصرية وخنق أي إمكانية نزوع تحررية على المستوى العربي والإسلامي، وهكذا أضحت سنة آل سعود وشريعتهم هي خدمة الصهاينة وإستراتيجياتهم رغم تبجحهم بانّهم قادة الإسلام والمسلمين وبأنّهم يطبّقون أحكام الشريعة وتعاليمها وأنّهم الغيارى على حرمات الإسلام ومقدّساته مرّةً بإسم الملك الإمام، ومرّةً بإسم الملك أمير المؤمنين، ومرّة بإسم حامي الحرمين وخادمهم، إنّه تاريخهم المشوّه وعهدهم المتخم بالنفاق وحكمهم المترع بالخيانة لأنّ هذا النظام الّذي أوجدته بريطانيا في جزيرة العرب ومن ثمّ رعته أميركا لم ينشأ إلاّ ليتكامل بدوره التدميري مع الكيان الصهيوني بحيث يقوم الكيانان المصطنعان بدور المطرقة والسندان للقضاء على كل محاولة جادة للنهوض بالأمّة من كبوتها ومناهضة تطلعاتها نحو الوحدة والإستقلال والتحرّر، فمآثر آل سعود في مضمار التآمر على حركات التحرر العربية وقاداتها هي أكثر من أن تحصى ولن تتسع أبجدية اللغة العربية لكل مفردات العداء السعودي المستحكم ضد المقاومة العربية بأبعادها الإسلامية والقومية والوطنية، فالسعودية كما الصهيونية ناصبت العداء لمصر عبد الناصر وتجربة الوحدة مع سوريا وناصبت العداء لقومية سورية وعروبتها ممثلة بالرئيس حافظ الأسد وشبله الرئيس بشّار الأسد، وناصبت أيضاً سواد عدائها لحزب الله وحركة أمل والأحزاب الوطنية اللبنانية وكل فصائل المقاومة الفلسطينية من حركة حماس والجهاد الإسلامي إلى حركة فتح قبل أوسلو وبعدها وفي المقابل أيّدت ودعمت جميع الأنظمة الديكتاتورية والرجعية والأحزاب والتنظيمات والشخصيات الّتي تنفذ الأجندة السعودية وفي مقدمتها حرف البوصلة عن العدو الصهيوني صوب أعداء وهميين يتم إختلاقهم وفق رؤية صهيونية إستعمارية بحتة.

لأنّه ولد في زمن آل سعود لم يكن عجيباً أن تحاك ضدّه المؤامرات ولأنّه ولد في زمن المؤامرات السعودية لم يكن عجيباً أن يحكم عليه بالقتل.

إنّه جمال عبد الناصر الّذي إقترف الجرائم جميعاً، فانبرت الشريعة السعودية لمحاكمته وإحالته إلى قضاء الفتاوى الوهابية المصطنعة صهيونياً. على مدار أعوام حكمه المجيد إقترف الرئيس عبد الناصر جرائم سياسية وأخلاقية تكاد لا تحصى، صنّفت في الفقه السعودي أنّها جرائم ترتقي إلى مصاف الإلحاد والإرتداد عن الدّين ما جعلها مثاراً لتكفيره ودافعاً لإستهدافه. أمّا جرائمه الّتي إستدعت طابور المؤامرات السعودية للقضاء عليه فتمثلت على المستوى الوطني المصري بدايةً بإطلاق شرارة الثورة المجيدة عام 1952م للإطاحة بتاج الإستعمار وصولجانه وإسقاط نظام الحكم الملكي الفاسد الّذي أباح للإستعمار التحكّم بمفاصل الدولة المصرية ومن ثمّ تأميم قناة السويس وتخصيص دخلها كاملاً لبناء السد العالي وصد العدوان الثلاثي، واحتكامه إلى كسر احتكار السلاح وبناء جيش قوي وعقائدي مجهّزاً بأحدث الأسلحة لمواجهة الأخطار المحدقة بمصر وشعبها.

هذا غيض من فيض الجرائم الّتي إقترفها الناصر على المستوى المحلي، أمّا على مستوى الأمّة العربية فكانت جرائمه كثيرة ومتشعبة حتّى بلغت في الفقه السعودي مرتبة الكبائر.

فمن رفض الأحلاف الغربية المشبوهة كحلف بغداد وحماية الدول العربية من مخاطر هذه الأحلاف الإستعمارية إلى تعزيز وتوعية العالم العربي بقيمته الإستراتيجية وعدم قبوله الخنوع والإستسلام للمستعمر الغاصب، واعتزازه بقوميته وانتمائه لبلاد ذات تاريخ وحضارة، إلى دعم الثورة الجزائرية منذ قيامها وحتّى استقلالها بالإضافة إلى ثورة الشعب اليمني للتخلص من الحكم الرجعي المتخلّف، ثمّ إلى إيمانه المطلق بالوحدة العربية الّتي تجلّت بالوحدة الشاملة مع سوريا عام 1958م، ثمّ إلى دوره في لم شمل العرب في سبيل مصالحهم القومية، ثمّ إلى دوره ومناصرته للقضية الفلسطينية منذ أن تتطوع للقتال في فلسطين عام 1947م ثمّ الدعوة إلى إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية وتسليح فصائلها.

هذه هي جرائم عبد الناصر في الفقه السعودي لأنّ آل سعود لم يرضوا أن تبقى مصر متحرّرة بعد زمن طويل من العبودية ولم يرضوا أن تبقى قوية ومتماسكة تنادي بالحرية ولم يرضوا إلاّ أن تكون مثلهم ذيلاً للإستعمار، وحينما لم يخضع الناصر للإرادة السعودية ( الصهيونية بطبيعة الحال ) كان عليه أن يتصدّى لمؤامرات تصفية عهده القومي والإنقلاب على منجزاته الوطنية والقومية حتّى تعود مصر رهينة بيد الإستعمار والرجعية والصهيونية.

ويحدّثنا التاريخ ويطيل الحديث عن العداوة الّتي طبعت صفحة العلاقة بين ملوك وأمراء النظام السعودي والرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، عداوة لم تجيز لنفسها البقاء في إطار العداء السياسي المضبوط بأحقية المواجهة السياسية والإعلامية والفكرية وإنّما تطاولت إلى أساليب قذرة وأعمال إجرامية ماكرة توارثها ملوك آل سعود أباً عن جد، فلهذه العائلة سجل طويل وعريق بعراقة تاريخها، بحيث عرفت هذه القبيلة الّتي تحوّلت إلى دولة على إمتداد تاريخها المخزي بمدى وحشيتها وتعطشها لسفك الدماء والبطش والتنكيل فكانت ولازالت حتّى يومنا هذا لا تكتف بمجرّد تكفير من يخالف لها شريعة أو سياسة وإنّما تلجأ إلى مثابتها المأثورة وملاذها المعتاد حد السيف القاطع وأسنان الرماح الباترة، وهكذا توارث الأحفاد مبادىء ومناهج الأسلاف من إغتيال ومكر وحقد وقتل حتّى أضحت هذه المنهجية مدرسة سعودية يتلقنها دعاة السير على السنة النبوية والإقتداء بشريعة السلف الصالح ويتفقهون عبرها دروس الفتك بحياة الأبرياء وسفك دماءهم واستباحة أعراضهم وأموالهم وتدمير ديارهم ومدنهم وقراهم.

إنّ المؤامرات السعودية الّتي حيكت في أروقة الحقد الوهابي للخلاص من عبد الناصر وإسقاط نظامه القومي تجاوزت بعددها عدد ملوك هذه الأسرة اللقيطة وعلى الرغم من كشف بعض ملابسات هذه المحاولات القذرة فإنّ ما خفي منها واستتر كان أعظم وأكبر.

وشكلّت المرحلة الّتي إمتدّت من بزوغ فجر ثورة يوليو عام 1952م إلى أفول نجم الوحدة المصرية السورية عام 1962م محطة مفصلية في تاريخ المؤامرات السعودية على عبد الناصر ونظامه، ففي تلك الفترة بلغ تآمر آل سعود ذروة حقدهم الأسود وأخذ الملك سعود وخلفه فيصل يعدّون العدّة ويضعون الخطط ويموّلون عمليات إستهداف الناصر للتخلص منه.

وفي هذا السياق لا بدّ من التأكيد أنّ فكرة القومية العربية كما أرادها الرئيس عبد الناصر لم تكن تروق للإستعمار الغربي والأميركي بهدف السيطرة على الأمّة العربية من خلال سياساتها الإستعمارية وكانت فكرة القومية العربية لا تروق كذلك للصهيونية لأنّها تعطّل الوصول إلى شرعية الدولة اليهودية المبتغاة وهي أيضاً لا تروق للنظام السعودي لأنّها حجر عثرة أمام مشروع وهبنة العالم الإسلامي بالفقه السعودي البدوي حتّى يضحى أسير الحظيرة السعودية.

لهذا تكالبت هذه الأطراف الثلاثة وفقاً لما رسمته الولايات المتّحدة الأميركية للقضاء على منجزات المشروع القومي الّذي مثّله الفكر الناصري وتطويق أهداف نضاله الوطنية والقومية بغية ثني الإرادة العربية وتكريس إستسلامها لما يحاك لها من دسائس ومؤامرات.

حلقات ثلاث من مسلسل لا تتسع له هذه الصفحات كانت كفيلة بالقضاء على القومية العربية بتجلياتها السياسية والإجتماعية والإقتصادية التحررية من جهة وبنسف الصيغة الوحدوية بين مصر وسوريا والّتي أرادها عبد الناصر على هشاشتها مقدمة لوحدة عربية شاملة من جهة أخرى.

واقتصرت في كتابي على مؤامرات آل سعود ضد مصر ونظامها القومي لأنّ الرئيس عبد الناصر كان يمثّل آنذاك حجر رحى المقاومة والعمود الفقري للممانعة العربية، فهذه المؤامرات لم تستهدف مصر ونظامها فحسب بل مجمل واقع الأمّة وتاريخها ومستقبلها.

المؤامرة الأوّلى: مؤامرة مرتضى المراغي

هي المؤامرة الّتي سميت بمؤامرة مرتضى المراغي الّذي كان وزيراً للداخلية المصرية في عهد الملك فاروق وقد رمى من مؤامرته الّتي سنرويها بتفاصيلها الإنقلاب على منجزات الثورة الناصرية عام 1952م واغتيال جمال عبد الناصر.

أمّا أبطال هذه المؤامرة الخبيثة فتقدمهم نبض العروبة ودرعها الملك المبجّل سعود بن عبد العزيز آل سعود.

أمّا عن تفاصيل هذه المؤامرة فلا يسعني إلاّ أن أتكأ في كشف ملابساتها على تقارير أوردتها صحافة ذلك الزمان والّتي تحرّرت من سطوة المال السعودي المنهوب، وهنا بعض ما أوردته مجلة المصوّر اللبنانية في عددها الصادر بتاريخ 1957/12/27 من مذكرة إعتراف أدلى بها الطيّار المصري عصام الدّين خليل وجاء فيها: « إنّ القدر وحده هو الّذي وضعني في طريق هذه المؤامرة… كنت في روما، وفي ردهة فندق أقبل عليّ صديق إسمه حسين خيري الّذي كان ضابطاً في الجيش المصري ثمّ أحيل إلى الإستيداع ….

وبدأ حديثه معي يهاجم النظام في مصر، كان بيننا ماضٍ من صداقة وزمالة وكانت تربطنا وشائج جعلته يفرّط في اطمئنانه إلي وما كاد يسمع مني أنّي مثله ساخط حتّى دخل على موضوعه رأساً…. إنتقلنا إلى بيروت وارتجفت أوصالي وأنا أخطو إلى حجرة فيها رجل غامض وقدّمني إليه حسين خيري، حيّاني الرجل بالفرنسية ولم يستطع ولا إستطاع أنّ يقاوم شغفه بالدخول إلى الموضوع وعرفت من الرجل أنّ الدور الّذي أعدّ لي دور كبير ودور بطولة لأنّني سأكون قائد التنفيذ للإنقلاب… وقد طلبت مالاً كثيراً وحسبوا هم أنّني جشع ولكن الإصرار على طلب المال جعلهم يؤمنون بأنّ كل البيانات الّتي تقدّم إليهم بثمنها وأنّني في نفس الوقت أباع وأشترى…

وتعرفت على مرتضى المراغي وكان يسير في حراسة ستة من الفتوات اللبنانيين ويتنقل بين عشر فيلات على الأقل ويبدأ نهاره في منتصف الليل حين يجتمع مع أعضاء الشبكة الواسعة وينتهي نهاره مع أوّل ضوء من الفجر،وجلست ليلة أستمع إلى مرتضى المراغي حينما قال لي: « أنّنا نسعى إلى هدف واحد وهو تخليص بلدنا من حكم جمال عبد الناصر » وجئت إلى القاهرة لأقول لرؤسائي ما حدث وأخذت الأمر بأن أمضي في الطريق إلى نهايته.

كنت أذهب إليهم وأقدّم لهم المعلومات فيراجعونها ويجدون كل ما أقول واقعاً ولا تحوم حوله شبهة كذب أو خيال شك.

كنت أتعامل مع أحد أنواع الآدميين، أناس شغلتهم الخيانة وأسلوبهم إليها خسّة ومال رقيق أبيض…

كان هناك أحد إحتمالين عند التنفيذ الّذي إخترنا له يوم ( 26 نوفمبر 1957م ) إمّا أن يكون جمال عبد الناصر خارج البلاد وهنا يمضي الإنقلاب في طريقه دون حاجة إلى التخلّص منه وإمّا أن يكون جمال في مصر وهنا سنبدأ به وتنطلق أوّل رصاصة عليه ويكون لي فخر إطلاقها وتجيء حكومة على رأسها مرتضى المراغي وتعود الملكية.

ولقد تحدّد يوم 26 نوفمبر بعد أن جاهدت طويلاً للتسويف فقد كان للتسويف فوائد كثيرة لأنّه يعطي الفرصة لأقبض المزيد من المال الّذي كنت أقدّمه أوّل بأوّل إلى الحكومة المصرية وكان يعطيني الفرصة لأحصل على أكبر قدر من المعلومات حول أسرار التنظيم والإجتماع بزعمائه في ليالي الغمر والنساء لكي أسرق ما في صدورهم من أسرار »٦٤.

هذه المؤامرة الّتي كشف خفاياها الطيّار المصري عصام الدّين خليل تعبّر بشكل فاضح عن طوايا آل سعود السيئة ونواياهم الخدّاعة ونزقهم المفرط إلى موائد الدماء وشبقهم الجامح إلى شهوة السلطة المتخمة بجماجم الضحايا والأشلاء، لكن الأبواق الإعلامية السعودية إستطاعت عبر مداخل متنوعة أن تقذف هذه الحقيقة بنبال الإنكار والتضليل حتّى إلتبست عند الكثيرين وماجت ما بين الحقيقة والإفتراء، لذلك حاولت أن أضع حداً جازماً وقاطعاً يجلي غبار الشبهة والإلتباس، وبالفعل طرقت باب الأستاذ محمّد حسنين هيكل علّني أجد في جعبته الموسوعية ما يوثّق لهذه المؤامرة بغية رفد اليقين باليقين فعثرت على مقال للأستاذ هيكل خصصه للحديث عن مؤامرة مرتضى المراغي ودور الملك سعود فيها.

يقول الأستاذ محمّد حسنين هيكل:

« مرة ثانية…. يا صاحب الجلالة! ولماذا تتآمر عليك مصر يا صاحب الجلالة؟ لماذا تتآمر مصر عليك وهي لا تعتبر التآمر إحدى وسائل العمل السياسي، ثمّ – حتّى ولو كانت مصر تؤمن بالمؤامرات وهو غير صحيح – فلماذا تتآمر عليك وأنت صديقها الّذي كانت تتحسّس السبل لإسترضائه بكل الوسائل وتذهب في ذلك إلى أبعد مدى؟ وشكوت يا صاحب الجلالة أنّ ضابطاً مصرياً تحدّث إلى أحد الأمراء من أنجالك بكلمة لم تكن تليق بحق الأمراء.

وشكوت أيضاً – يا صاحب الجلالة – بأنّ مدرّساً مصرياً قال: إنّ جلالتك بدأت تغير سياستك.

وأحست مصر – يا صاحب الجلالة – أنّ هذه كلّها تعلات، ومع ذلك لم تسكت مصر.

وإن كنت نسيت – يا صاحب الجلالة – دعنا نذكرك.

يومها طارت وفودنا إلى الرياض… إلى جلالتك.

وفد منها فيه أنور السادات وعلي صبري، ووفد منها فيه القائد العام لقواتنا المسلّحة عبد الحكيم عامر.

وكان مضمون الرسائل الّتي حملوها إليك يا صاحب الجلالة هو: أنّ الرئيس جمال عبد الناصر يضع تحت أمرك جميع سلطاته كرئيس للدولة المصرية.

إذا رأيت يا صاحب الجلالة أنّ مصرياً في بلادك خرج عن حدّه فألق القبض عليه إذا شئت – يا صاحب الجلالة – وقدّمه للمحاكمة ونفذ فيه حكمك وسوف نرضاه.

وإذا رأيت – يا صاحب الجلالة – أنّ البعثة العسكرية لم تعد تلزمك فأصدر أمرك – يا صاحب الجلالة – لجميع ضباطها بأن يحزموا حقائبهم ويرحلوا.

وإذا رأيت – يا صاحب الجلالة – أنّ المدرسين المصريين في مملكتك يهمسون بما لا تحب أن يرتفع به صوت في مملكتك، فإنّ مصر على إستعداد لسحبهم جميعاً بعد صدور إشارتك بذلك في أقل من أربع وعشرين ساعة.

ما تشاء يا صاحب الجلالة.

وإنّما – يا صاحب الجلالة – لا تفتح للغريب أو للدخيل ثغرة في الصفوف بينك وبيننا. كانت هذه رسائل مصر إليك يا صاحب الجلالة.

ثمّ كان ما جرى في الأردن يا صاحب الجلالة تساقط ذهبك

– يا صاحب الجلالة – على عمّان قبل إنقلاب ملكها المشهور على شعبه.

وكان ذهبك يا صاحب الجلالة مقدمة القوى الّتي سندت طفل عمّان المراهق في جلد شعب الأردن الأبي.

ثمّ كانت زيارتك لعمّان.

وإن كنت – يا صاحب الجلالة – نسيت دعنا نذكرك!

في عمّان يا صاحب الجلالة قلت: إنّ الجماعة في مصر مصبحين أو ممسين، أي أنّ النظام في مصر إذا أشرقت عليه الشمس، لن تغرب عليه الشمس وهو في مكانه.

وفي بغداد يا صاحب الجلالة أضفت إلى ذلك كثيراً.

في عمّان وبغداد تخليت – يا صاحب الجلالة – علناً وصراحة عن اللّذين كانوا أصدقائك وارتميت – يا صاحب الجلالة – في أحضان هؤلاء الّذين كنت تعتبرهم أنت نفسك يا صاحب الجلالة أعداءك.

كانت تلك آراؤك يا صاحب الجلالة ولم تكن آراء مصر، فإنّ الصراع من أجل العروش وعليها – يا صاحب الجلالة – لا يؤثّر في هذا البلد الّذي خلع العرش من أرضه وأرسل بالتاج يتدحرج إلى البحر ذاهباً إلى إيطاليا!

وكانت مصر في دهشة من هذا الّذي جرى ويجري – يا صاحب الجلالة – وكانت تحاول أن تعرف الأسباب لتسارع إلى علاجها.

ولم تكن هناك أسباب يا صاحب الجلالة وإنّما كانت هناك علل وتعلات. وحين عرض سياسي لبناني معروف أن يتحرّى أسباب جفاء جلالتك مع بعض مستشاريك، كانت مصر ترحّب بأن تعرف حتّى تستطيع أن تتصرّف.
والتقى هذا السياسي اللبناني – يا صاحب الجلالة – بكبير مستشاريك الشيخ يوسف ياسين.

وإن كنت – يا صاحب الجلالة – نسيت دعنا نذكرك.

كانت الأسباب الّتي أبداها الشيخ ياسين لجفوتك، عجباً – يا صاحب الجلالة – قال الشيخ يوسف ياسين – كبير مستشاريك – إنّك غاضب لأنّ الحكومة المصرية لم تقبل وساطتك في مسألة طلاق السيدة ناريمان زوجة فاروق السابقة من زوجها الحالي أدهم النقيب.

وقال الشيخ يوسف ياسين – يا صاحب الجلالة – إنّك كنت قد طلبت أن تتدخّل الحكومة المصرية لإقناع أدهم النقيب بأن يطلق ناريمان صادق، ولكن الحكومة المصرية رفضت بحجة أنّها لا تستطيع أن تتدخّل في قضية منظورة أمام المحاكم.

وقال الشيخ يوسف ياسين – يا صاحب الجلالة – للسياسي اللبناني المعروف: إنّ الحكومة المصرية كانت تستطيع التدخّل لو أرادت أن تكرم وساطة الملك.

وفات كبير مستشاريك – يا صاحب الجلالة – أنّ حكومة مصر – وأي حكومة متمدينة في العالم لا تستطيع أن تتدخل في قضية تنظرها المحكمة، قضية أحوال شخصية تمس علاقة رجل بزوجته.

وقال كبير مستشاريك أيضاً – يا صاحب الجلالة – أنّك غضبت لأنّ بعض الصحف المصرية نشرت أنّك أعطيت السيدة ناريمان صادق مبالغ زادت على المائة ألف جنيه.

ولماذا خصصت – يا صاحب الجلالة – بغضبك صحف مصر ولم تسحب غضبك على الصحف الأميركية مثلاً وقد نشرت نفس الخبر، نقلاً عن صحف لبنان الّتي نشرته بينما أنت – يا صاحب الجلالة – في زيارة رسمية للبنان.

ثمّ غضبت – يا صاحب الجلالة – أو هكذا قال كبير مستشاريك لأنّ الصحف نشرت تفاصيل قصّة زواجك من فتاة لبنانية عمرها سبعة عشر عاماً ونشرت تفاصيل هداياك الّتي وصلت قيمتها إلى نصف مليون جنيه، ومرّة أخرى – يا صاحب الجلالة – لماذا خصصت بغضبك صحف مصر وحدها ولم تسحب هذا الغضب على صحف أميركا الّتي نشرت الخبر كما نشرته صحف مصر وزادت عليه – يا صاحب الجلالة – ما رأت أن تزيد عليه من تعليقات تناسب المقام!

ولقد كانت هذه الأسباب كلّها – يا صاحب الجلالة – الّتي أبداها كبير مستشاريك أسباباً تافهة …. لا تزيد ولا تنقص عن كونها – كما قلت – تعلات لشيء آخر تخفيه النفوس!

لقد بدا الّذي كان تخفيه النفوس – يا صاحب الجلالة – يظهر كحقيقة مذهلة حين قطعت الأدلة كلّها أنّك – يا صاحب الجلالة – كنت بشكل أو بآخر وراء مؤامرة مرتضى المراغي لإعادة الحكم الملكي إلى مصر.

وماذا فعلت مصر إزاء هذه الأدلة القاطعة؟

وإن كنت – يا صاحب الجلالة – نسيت دعنا نذكرك.

في يوم 18 ديسمبر 1957م وصل إلى القاهرة كبير مستشاريك الشيخ يوسف ياسين. وفي نفس اليوم استقبله الرئيس جمال عبد الناصر، وحضر المقابلة سفير المملكة العربية السعودية في القاهرة.

وتحدّث الشيخ يوسف ياسين عن الموقف وعن العلاقات بين مصر والسعودية وقال الرئيس عبد الناصر لكبير مستشاريك – يا صاحب الجلالة – :

إذهب إلى الملك وقل له إنّني لا أعمل بسياستين.

قل للملك إنّ هناك مؤامرة على مصر، وقل له إنّ الأدلة كلّها أشارت إلى أنّه كان بشكل ما وراءها.

قل له إنّ أموالك هي الّتي تغذيها.

وقل له إنّ المستندات كتبت أنّ المراغي حصل على أموال سلّمها لضابط مصري إسمه عصام الدّين خليل من مصادر سعودية.

قل له إنّ ناموق أحد أطراف هذه المؤامرة موجود الآن في السعودية بينما أنا هنا أتحدّث إليك.

قل له إنّني أصادق من أصادقه علناً …. فإذا عارضت عارضت في العلن.

قل له إنّني لا أقول شيئاً وأفعل عكسه.

قل له هذا كلّه وقل له إنّني أنتظر أن يصل الأمير فيصل إلى مصر لأضع تحت تصرفه جميع الوثائق.

كان ذلك كما قلت يوم 18 ديسمبر.

وفي يوم 23 ديسمبر خطب الرئيس جمال عبد الناصر في بور سعيد وأذاع سر المؤامرة ولكنّه لم يشر بكلمة إلى دور الملك سعود فيها.

كان عند كلمته، وكان ينتظر وصول الأمير فيصل إلى مصر. ثمّ وصل إلى مصر – يا صاحب الجلالة – شقيقك رئيس وزراءك وولي عهدك.

ثمّ التقى بالرئيس عبد الناصر 4 مرّات، مرّة يوم 3 يناير 1958، ومرّة يوم 13 يناير، ومرّة يوم 23 يناير ومرّة يوم 30 يناير.

ووضع الرئيس جمال عبد الناصر تحت تصرّفه – يا صاحب الجلالة – كل ملفّات التحقيق ووثائقه في قضية مؤامرة مرتضى المراغي.

ثمّ أضاف يا صاحب الجلالة يقول لشقيقك ورئيس وزراءك وولي عهدك.

وبينما أنا الآن أكلمك وصل إلى الرياض “الأمير نايف” أحد أفراد المؤامرة تحت ستار أنّه يعقد صفقة خيل!

وكان الأمير فيصل يهز رأسه كمن لا يريد أن يصدّق… ثمّ قال فيصل: ألا يحتمل أن تكون هذه كلّها دسيسة للإفساد على ما بينه وبينك؟

وقال الرئيس جمال عبد الناصر: أنا أتمنى أن تكون دسيسة.

كان – يا صاحب الجلالة – يتمنى، وكانت الأمّة العربية كلّها تتمنى معه.

ثمّ إن كنت – يا صاحب الجلالة – نسيت دعنا نذكرك!

لقد قال شقيقك ورئيس وزراءك وولي عهدك أن لا بدّ من لقاء بينك – يا صاحب الجلالة وبين الرئيس جمال عبد الناصر.

وقال الرئيس جمال عبد الناصر – يا صاحب الجلالة – قال بالحرف الواحد: أنا على استعداد لأن أركب الطائرة وأذهب إليه في الرياض، على شرط أن يكون وراء ذهابي إليه فائدة نخرج بعدها بسياسة واحدة لا بسياستين.

وخرج فيصل راضياً سعيداً – يا صاحب الجلالة – ثمّ عاد إليك.

ثمّ لم تصل من الرياض كلمة يضع بعدها جمال عبد الناصر رجله في الطائرة ويذهب إليك… ومن سوء الحظ – يا صاحب الجلالة – أنّ في نفس الوقت الّذي كان فيه جمال عبد الناصر يستعد فيه ليركب طائرة إليك، كنت أنت يا صاحب الجلالة أو كانوا باسمك – يا صاحب الجلالة – يدفعون ربع مليون جنيه ثمناً لنسف طائرة يركبها جمال عبد الناصر!

وما زال العرب جميعاً – يا صاحب الجلالة – في ذهولٍ من قصّة هذه المؤامرة حتّى هذه الدقيقة.

كنت في عجلة من أمرك لا تطيق الصبر ولا تحتمل الإنتظار. لهذا يا صاحب الجلالة لن تشأ أن يضيع الوقت، فاتّجهت فوراً، أو اتّجهوا باسمك فوراً – يا صاحب الجلالة – إلى عبد الحميد السراج.

وكنت – يا صاحب الجلالة – تعتقد – ولعلّ التجارب أثبتت لك خطأ ما كنت تعتقد أنّ لكل رجلِ ثمن.

هكذا عرضت على السراج أو عرضوا باسمك، ما كنت تتصوّر أو كانوا يتصورون – يا صاحب الجلالة – أنّ السراج لا يقوى على رفضه ولا يملك أن يصمد لإغرائه.

لم تكن تريد لهذه الوحدة بين مصر وسوريا أن تتم يا صاحب الجلالة .

وكذلك كنت لا تريد لليمن أن تتحد مع الجمهورية العربية المتّحدة.

وإذا كنت – يا صاحب الجلالة – نسيت دعنا نذكرك!

كنت يا صاحب الجلالة قد اتفقت مع إمام اليمن على أن تقرض حكومته 5 مليون دولار.

فلمّا أعلن إمام اليمن رغبته في الإتحاد مع الجمهورية العربية المتّحدة، استشاط غضبك – يا صاحب الجلالة – فبعثت برسول من عندك يقول : إنّك غيرت رأيك وسحبت عرض القرض على اليمن، بعد أن كنت يا صاحب الجلالة قلت أنّ المبلغ تمّ تحويله فعلاً لحساب اليمن.

5 مليون دولار…. يا صاحب الجلالة.

أي 2 مليون جنيه يا صاحب الجلالة.

عجباً – يا صاحب الجلالة – هو نفس المبلغ الّذي عرضّته على عبد الحميد السراج.

نفس المبلغ …. حبسته عن إمام اليمن حتّى لا ينضم.

نفس المبلغ …. دفعته إلى السراج حتّى ينقلب.

عجباً – يا صاحب الجلالة – أي عجب.

وفي الرياض قشة يتعلق بها غريق بحر الأسى والألم.

وفي الرياض، “لجنة” – يا صاحب الجلالة – أمرت بتأليفها ولكنّها لم تتألف حتّى الآن!

وفي الرياض، “تحقيق” – يا صاحب الجلالة – أمرت بإجرائه لكنّه لم يجر حتّى الآن!

وفي الرياض “معميات ومقاصد” – يا صاحب الجلالة – وعدت بأن تظهرها وتنشرها ولكنّها لم تظهر ولم تنشر حتّى الآن! ومتّى….. يا صاحب الجلالة …. متّى؟

وإلى أين…. يا صاحب الجلالة …. إلى أين؟

أجب … أجب: يا حامي الحرمين… يا حارس الكعبة المقدّسة … يا صاحب الجلالة !! »٦٥.

المؤامرة الثانية: مؤامرة سعود – أم خالد وإجهاض الوحدة العربية

لم تتوقف المؤامرات الّتي تحاك ضد القومية العربية بأبعادها التحررية عند حدود مؤامرة مرتضى المراغي وإنّما إستأنفت في شروط مغايرة وأدوات مختلفة أحبكت خيوطها بشكل متّقن في البيت السعودي، لأنّ مؤامرات آل سعود منذ جدّهم الأوّل مردخاي لم تكن عملاً تكتيكياً أو مزاجياً، وإنّما هي منهجية سعودية ثابتة وإستراتيجية عامّة تستهدف المؤامرة كأداة من أدوات العمل السياسي ولأنّ الملك سعود لم يشذ عن هذه القاعدة السعودية الثابتة فكان لا بدّ من جولة تآمرية جديدة ترمي إلى الإطاحة بهاجس الوحدة السورية – المصرية الّتي ما انفكت تؤرق الملك سعود وتسلبه أوهامه وأحلامه.

وفي محاولتي تقصي تفاصيل مؤامرة جديدة من مؤامرات آل سعود على الرئيس عبد الناصر عثرت على رسالة دكتوراه أعدّها المفكّر السعودي المعارض الأستاذ فوزي أسعد نقيطي أماط فيها اللثام عن مؤامرة خطيرة إستهدفت نسف طائرة عبد الناصر في الجو وهو مغادراً سورية أثناء الإحتفال بالوحدة عام 1958م، وسميت هذه المؤامرة بإسم مؤامرة أم خالد نسبة إلى زوجة الملك سعود الّتي شكّلت مع والدها أسعد إبراهيم حلقة الإتصال مع المتآمرين.

ووفقاً لما ذكره الدكتور فوزي نقيطي فإنّ وقائع هذه المؤامرة تجلّت بالسيناريو التالي: « إتّصل بعض الأفراد السوريين بتكليف من يوسف ياسين (مستشار الملك سعود) بالنائب السوري عزيز عيّاد من أجل البحث عن عناصر في الجيش السوري للعمل على منع قيام الوحدة المصرية السورية وذلك بضرب طائرة عبد الناصر وإسقاطها بعد مغادرته دمشق إلى القاهرة.

ووصل عبد الناصر إلى دمشق يوم 24 فبراير وتوجّه من المطار إلى بيت شكري القوتلي وصحبه معه إلى قصر الضيافة الّذي أعد لإقامته، وبدأت جماهير سورية كلّها تزحف إلى القصر وتحيطه ببحر عارم من البشر وظهر جمال عبد الناصر على شرفة القصر يتحدّث لأوّل مرّة مع الشعب الّذي إنتخبه رئيساً له دون أن يلتقي به مباشرة وجهاً لوجه وتكرّر ظهوره على الشرفة وتكرّرت خطاباته للجماهير في ذلك اليوم أكثر من عشرين مرّة.

وفي نهاية يوم حافل بالمشاعر الجيّاشة، دخل جمال عبد الناصر إلى غرفة النوم المعدّة له ليلتقط أنفاسه، متصوراً أنّ أمامه ساعات يستريح فيها قبل أن يبدأ يوماً جديداً في دمشق، خصوصاً وأنّه قد عرف أنّ وفود الأقاليم السورية قد بدأت مسيرات شعبية عارمة تشق طريقها إلى دمشق، وتبعه إلى غرفة نومه المقدّم السوري عبد الحميد السرّاج، رئيس المكتب الثاني ليقول له أنّ لديه موضوعاً يريد أن يطلعه عليه، وسأله جمال عبد الناصر وهو يخلع ملابسه ويستلقي على الفراش: ألا تنتظر حتّى الصباح؟ فأجابه السرّاج: « فخامة الرئيس، أنا أعرف أنّك مرهق ولكنّي أريد توجيهك في الموضوع الّذي أريد عرضه عليك، لأنّه لا يقبل الإنتظار» وسأله عبد الناصر: « هل يضايقك أن أسمعك وأنا مستلقي على السرير؟ » وردّ السرّاج: « سيدي إنّني أريدك أن تستريح، ولم أكن لأشغلك بهذا الّذي سأقوله لولا خطورته ».

ثمّ راح السرّاج يروي تفاصيل ما لديه، وقال وهو يخرج مجموعة أوراق من جيب سترته الداخلي ويضعها على مائدة صغيرة بجوار السرير وقد أتى بمقعد جلس عليه قربها: إنّ الملك سعود له صهر إسمه ” أسعد إبراهيم “، وأسعد إبراهيم هذا إتصل بي عن طريق وسيط هو النائب عزيز عيّاد وعرض عليّ مبلغ عشرين مليون جنيه إسترليني إذا قمت بإنقلاب يحول دون قيام الوحدة بين مصر وسوريا قبل إعلان نتيجة الإستفتاء، وكان العرض أن يدفعوا الباقي بعد نجاح الإنقلاب لكي يساعد على إصلاح الأحوال…. ومعي هنا كل الوثائق والمستندات.

ونهض جمال عبد الناصر من فراشه، وأخذ مقعداً في مواجهة السرّاج وطلب إليه أن يبدأ القصة من أوّلها وأن يطلعه على وثائقها ومستنداتها، وراح يسمع ولنصف ساعة كان السرّاج يتكلم دون مقاطعة، ثمّ سلّم الرئيس جمال عبد الناصر الّذي كان يستمع مبهوتاً مجموعتين من الوثائق:

مجموعة لصور الشيكات وأذونات الدفع المتعلقة بها، ومجموعة من إشارات تحركات الطائرات الملكية السعودية الخاصة الّتي وضعت تحت تصرّف أسعد إبراهيم والّتي كانت تنتقل ذاهبة من دمشق إلى الرياض، عملية سحب الشيكات كنت أريد أن أتأكّد أنّ قيمتها سوف تنتقل إلى حوزتنا فعلاً وكنت في بيتي مساء ليلة أوّل أمس أفكر في الموضوع ثمّ تذكرت أنّ جاري في الدور الأسفل من البيت هو مدير البنك العربي في دمشق وهو البنك الّذي تمّت عن طريق فرعه في الرياض عملية سحب الشيكات على بنك ميدلاند في لندن ونزلت إليه وكانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل وأيقظته من النوم وقلت له أنّ لدي شيكات وأنا أخشى أن يتدخّل أحد لإيقاف دفع قيمتها ولذلك فأنا أريد إتمامها الآن…. وأخذته إلى فرع البنك العربي في دمشق ومعي بعض الضبّاط، وهكذا في أوّل ساعة من الصباح كانت عملية سحب المبلغ من بنك ميدلاند وإيداعه بإسمي في حساب سويسرا قد تمّت ».

وفي اليوم التالي خطب الرئيس عبد الناصر أمام مئات الآلاف من الجماهير المحتشدة في دمشق ولم يتردد في إعلان تفاصيل المؤامرة ودور الملك السعودي في التآمر على الوحدة العربية.

قال الرئيس عبد الناصر في خطابه:

« أيّها الأخوة المواطنون اليوم انتصر الحق على الباطل وانتصرتم على المؤامرات، إنّهم يحاولون بشتّى الوسائل أن يفرقوا بين الجيش والشعب وما الجيش إلاّ خادم للشعب وما الجيش إلاّ فرداً منكم ومن بينكم آلوا على أنفسهم وعاهدوا الوطن على أن يبذلوا دماءهم فداءً عنكم ودفاعاً عن أرضكم.

لقد أراد هؤلاء العملاء والخونة وأعوانهم حينما وضعت هذه الوحدة بين مصر وسورية موضع التنفيذ أن يجدوا أي منفذ إليكم ليقضوا على أهدافكم ولكنّهم فشلوا، اتّصلوا بالجيش وعرضوا عليه أن يدفعوا له ما يريد من مال حتّى يقضي على هذه الوحدة وفي الحال إتّصل هذا الشخص بالمشير عبد الحكيم عامر وأبلغه بالأمر إلى أن إجتمع بي…

وقرّرنا أن نسير معهم علشان ناخد هذا المبلغ اللي هم عرضوه، ونسيوا أنّ فيه ناس لا تشترى بالمال ونسيوا أنّ فيه حاجة إسمها شرف لا يمكن أن يقدّر بمال وافتكروا أنّ الشعوب سلع تنشرى وتنباع وسيطرت عليهم أحقادهم وبدأت مؤامراتهم… ».

وبعد خطاب الرئيس عبد الناصر عقد السرّاج مؤتمراً صحفياً قال فيه:

« بعد أن أعلن الإتفاق على إقامة الوحدة بين مصر وسوريا طلب النائب عزيز عيّاد أن يقابلني، وقابلته، وقال لي أنّ صهر الملك سعود وهو أسعد إبراهيم يريد أن يقابلني، وأحلته إلى ضابط الشعبة الثانية، لكي يستطلع ما عنده، وطلبت أنا معلومات عنه، وعرفت منه أنّه والد زوجة الملك سعود المعروفة ” بأم خالد ” وأنّه – أسعد – أصبح بعد ذلك من أصحاب الملايين، وأغرب ما أظهرته المعلومات الّتي جاءتنا عنه، أنّ الرجل قبل أن يتزوج الملك من ابنته كان متّهماً ومحكوماً عليه في قضية سرقة حمار ».

« ثمّ رأيته بعد ذلك وجلست معه لكي أعرف بنفسي ما عنده وراح يتكلّم في أمور عامّة، ثمّ خلص إلى أنّ الملك سعود متضايق من الوحدة وسمّاها ” الوحدة الوسخة ” وقال أنتم ضبّاط الجيش مشهورون بوطنيتكم وكيف تسلّمون أموركم إلى شخص عسكري وبكرة سوريا تزول من الوجود، وهذا ” إستعمار مصري ” وأنّ الملك سعود يقسم برحمة أبوه الملك عبد العزيز أنّ هذه الوحدة يجب ألاّ تتّم بشكل من الأشكال وأنّه على استعداد تام لوضع جميع الإمكانيات المادية والمعنوية لنجاح الحركة واعترافات دولية أيضاً، وحينما قلت له ونحن جاهزون أيضاً راح يعرض عشرون مليون جنيه إسترليني، يسلّم لنا منها إثنين مقدّماً والباقي بعد نجاح الإنقلاب، قبل إتمام الوحدة، ثمّ أضاف أنّ الملك ضمن لنا أنّ السفير الأميركي سوف يقدّم لنا اعترافه بنظامنا فور إعلان الإنقلاب وكذلك اعتراف كل الدول الصديقة للولايات المتّحدة.

وبعد يومين عاد أسعد إبراهيم وسلّمني شيكاً بمبلغ مليون جنيه إسترليني مسحوباً من البنك العربي المحدود في الرياض على بنك ميدلاند في لندن وكان مدفوعاً لحامله شيك رقم 85903/52، ثمّ عاد بعد ذلك بشيك آخر بمبلغ 200 ألف جنيه إسترليني برقم 85904/59 وسألت أسعد إبراهيم عن بقية المبلغ فقال هذه 2 مليون جنيه والباقي عندما يحدث شيء، ولم تكن الشيكات الّتي سلّمها ب 2 مليون جنيه وإنّما بمليون و900 ألف فقط، وكان عليّ أن أفهم أنّه اختصم لنفسه مائة ألف جنيه إسترليني عمولة وسارت العملية تحت إسم كلمة البداية.

وتحدّث النائب عزيز عيّاد فقال « إنّه سافر إلى الرياض يوم 11 فبراير الماضي، حيث إجتمع بالملك سعود، وفهم منه أنّه غاضب على الوضع في سوريا وعلى الوحدة بين مصر وسوريا وأنّه أبدى رغبته في أن تبقى سوريا دولة مستقلّة ذات سيادة وأبدى استعداده للمساهمة بكل ما يستطيع لتغيير الوضع الجديد وقال الملك: إنّني على استعداد لمد السراج بالمال إذا قبل أن يقوم بالحركة، أمّا إذا لم يقبل فهناك من الأشخاص من هم على استعداد للقيام بها وأضاف الملك أنّه يرى أن يكون السراج رئيساً للجمهورية وأن يخصص له راتباً شهرياً من الخزانة السعودية مدى الحياة »

وأكّد النائب عزيز عيّاد « أنّ أميركا طرف في المؤامرة وأنّ المال الّذي دفع هو مالها وأنّها كانت ستعترف بالإنقلاب في اليوم التالي »، وكذلك العراق والأردن وأنّه لاحظ على سعود بأنّ المسألة بالنسبة له « مسألة حياة أو موت » لأنّه اعتقد أنّ هذه الوحدة ستجعل السعودية في المؤخرة، وسألني إذا كان بالإمكان إرسال طائرة سورية تقوم بقصف طائرة عبد الناصر بعد خروجها من الحدود السورية، ثمّ يقال بعد ذلك، إنّها الطائرات المعتدية إسرائيلية أو غربية وتضيع القضية وممّا قاله سعود « إنّ هذا القتل إذا تم سأدفع 155 ألف جنيه إسترليني للطيّار »٦٦.

وهكذا إرتبط عهد الملك سعود بتاريخ المؤامرة على الرئيس جمال عبد الناصر وآماله في الوحدة العربية وتطلعاتها وقد كان يدرك هذا الملك الطاغوت العلاقة الوثيقة والعفوية بين الناصر والشعوب العربية في حين أنّ الملايين الّتي أزهقها آل سعود على وسائل الإعلام المأجورة بغية تلميع صورتهم لم تفلح في إضاءة عتمة ليلهم وحلكه أمام عيون هذه الشعوب الّتي فُطرت على كره آل سعود والحقد عليهم.

إنّ هذا الإسلام النفطي الّذي تبنّاه طغاة آل سعود وارتضاه الغرب والصهاينة لأنّهم رأوا فيه حصنهم المنيع لصد حركة المد الثوري العربية وآفاقها في التحرّر والوحدة هو نتيجة طبيعية للحالة الإنبطاحية والإستسلامية الّتي إختمرت في النفسية السعودية وليس هناك من مخرج يعين الأمّة العربية على النهوض ويدفعها إلى الخروج من عتمة كبوتها سوى تحرير الإسلام من أغلال هذه الدولة النفطية ولن يكون هذا التحرير إلاّ بفصل جغرافية النفط عن جغرافية الدّين، هذا هو الواجب الوطني والقومي الّذي يتحتم على أولئك الصادقين في إنتماءهم إلى إسلامهم وعروبتهم.

المؤامرة الثالثة: مؤامرة نسف المنصّة

هي المؤامرة الّتي هامت في فضاء آل سعود على أجنحة الإخوان المسلمين وتعد واحدة من عشرات المؤامرات الّتي حيكت على مخدع الإنتهازية الإخوانية في ليل البغاء السعودي، وقرّر الملك سعود بن عبد العزيز بالتواطىء مع جماعة الإخوان المسلمين نسف المنصّة الّتي كان مقرّراً أن يلقي الرئيس عبد الناصر منها خطابه في العيد العاشر للثورة عام 1962م.

وسوف نستعرض في حضرة هذه المؤامرة مقالاً للأستاذ محمّد حسنين هيكل في صحيفة الأهرام المصرية بتاريخ 1962/8/12 وحمل عنوان « عدوّه هو التاريخ » مع عنواناً فرعياً « 25 مليون ريال دفعها الملك سعود للّذين وعدوه بنسف المنصّة الّتي يخطب من فوقها جمال عبد الناصر ».

يقول الأستاذ هيكل في معرض فضحه لهذه المؤامرة السعودية: « هل إكتشف أنّهم خدعوه؟ لا

إذا كان جلالته قد إكتشف أخيراً، ما الّذي ينوي أن يفعله مع الّذين باعوا له الخديعة أو باعوه شخصياً للخديعة؟

هل ينوي أن يطالبهم بما أعطاه لهم؟ أم هو سوف يؤثر الصمت والسكوت مخافة الشماتة وخشية أن يصبح سخرية الأوّلين والآخرين؟

أو من يدري لعلّ جلالته لم يكتشف شيئاً حتّى الآن ولعلّه لم يعرف بعد حتّى هذه اللحظة أنّهم خدعوه …..

ربّما تصوّر أنّ ما حدث هو تأخّر في التوقيت لا أكثر ولا أقل وربّما مازال حتّى الآن في طريق عودته من رحلته النضالية الباسلة في أفخم الفنادق وأحلاها في إيطاليا والنمّسا…

ينتظر الإشارة ويسأل كل خمس دقائق في ضيق ونفاذ صبر- هل تمّ شيء؟ أغلب الظن أنّ الملك سعود إكتشف لكنّه إختار السكوت، لقد ألمح الرئيس عبد الناصر في خطابه بالإسكندرية يوم 26 يوليو إلى القصّة وإن لم يدخل في تفاصيلها وإن كان التلميح السريع كافياً لكي يفهم أي إنسان حتّى ولو كان في مثل ذكاء الملك سعود!

إنّ السر الّذي كان في أحلامه الحاقدة البلهاء لم يعد سراً بل إنّه لم يكن سراً حقيقياً في أي لحظة من اللحظات وإنّما كان خديعة مرّة أخرى، من يدري؟

القصّة لكي ندخل بعدها إلى الموضوع أنّ الملك سعود كان يريد أن يحدث إنقلاباً في مصر قبل 23 يوليو 1962م أو بعده على أكثر تقدير.

كان على إستعداد لأن يدفع ثمناً مهماً مهما بدا غالياً وإنّما أن يحدث شيء!

ذهب تجّار الوهم إلى جلالته وجلس الملك أمام خطتين وكأنّه في حلقة شراء جواري… يستعرض ويختار.

الخطّة الأوّلى كانت تقتضي بأن تؤلّف في جنيف يوم 23 يوليو حكومة مصرية في المنفى تصل ما أسماه تجّار الوهم إئتلاف الأحزب السياسية وكان المفروض أن يدخل هذه الحكومة الأستاذ أحمد أبو الفتح ممثلاً لحزب الوفد والسيّد سمير رمضان ممثلاً للإخوان المسلمين والسيّد مرتضى المراغي ممثلاً للمستقلّين.

والخطّة الثانية كانت تقضي بأن تجري عملية عنيفة وجريئة – هكذا قالوا للملك – لنسف المنصّة الّتي سوف يخطب من فوقها الرئيس جمال عبد الناصر في ميدان الجمهورية ليلة 23 يوليو عام 1962م ومن ثمّ ينتهي كل شيء بضربة واحدة، فإنّ المنصّة سيكون عليها إلى جانب الرئيس كل نوّابه ووزرائه!

ومع أنّ الخطّة الثانية هي الّتي دخلت قلب الملك لأوّل وهلة فإنّ جلالته على ما يبدو أراد أن يتظاهر بالعزوف عن الحلول الدموية؟ فسأل الملك الأستاذ أحمد أبو الفتح وكان يناقشه بحضور السيّد مرتضى المراغي: ما الّذي يمكن أن يؤدي إليه تأليف حكومة مصرية في المنفى.

جاوب أبو الفتح: إنّ مثل هذه الحكومة تستطيع جمع المعارضة في مصر وتنظيمها والمعلومات لدينا أنّ السخط الشعبي في مصر ضد الحكومة بلغ مداه لدرجة أنّ عبد الناصر لا يستطيع الخروج إلى الشوارع ومقابلة الجماهير والإذاعات الّتي تنقل صوراً صوتية لإستقبالات عبد الناصر هي تسجيلات قديمة وكذلك الصور الّتي تنشرها الصحف المصرية!

فقال الملك: زين …. لكن ما الّذي تفعله هذه الحكومة؟

فردّ أحمد أبو الفتح: إذا إعترفت بها السعودية والأردن وسوريا والعراق وساعدتها في الجامعة العربية وفي الأمم المتّحدة فإنّ ذلك يثير ضجة كبيرة.

وأبدى الملك سعود ملاحظة ذكية لعلّ دافعه كان رغبته في استبعاد هذه الخطّة من أساسها …. وقال:

لكن ما الّذي يهمّه هو من قيام حكومة واعترافنا بها، هذا رجل لا يهمّه شيء ولا تخيفه الجامعة العربية ولا الأمم المتّحدة.

فقال أحد أبو الفتح: إنّ هذه الحكومة تستطيع إغراق مصر بالمنشورات والإذاعات والتحضير للقيام بإنقلاب كبير.

قال الملك: هذا الكلام سوف يأخذ وقتاً طويلاً… يستطيع عبد الناصر خلاله أن يفاجئنا بشيء.

وسكت تجّار الوهم …. وسكت المشتري، ثمّ قال أحد رجال الحاشية موجهاً حديثه إلى الملك: طال عمرك الخطّة الثانية أنجح وسعيد رمضان يقول أنّ لديه شبكات مستعدة من رجال الإخوان المسلمين في مصر وهم يقدرون على العمل.

واستقبل الملك في اليوم التالي سعيد رمضان يسمع منه ما لديه.

وقال سعيد رمضان أنّ الأمر ممكن ولكن نظراً لضيق الوقت فإنّ التكاليف قد تكون كبيرة.

قال الملك: كم…. مثلاً؟

قال سعيد رمضان: خمسون مليون ريال.

قال الملك بنفس طريقة المساومة في أسواق الرقيق: خمسة وعشرون مليون تكفي.

ثمّ إلتفت إلى ناظر الخاصة الملكية يأمره بتحويل المبلغ وعاد إلى سعيد رمضان يقول له:

زين على خيرة الله …. لم يبقى غير المنفذ.

قال سعيد رمضان: أمركم … ولو أنّ هذا المبلغ هو نصف ما طلبناه لكننا بعد النجاح نأخذ الباقي.

قال الملك على الفور : وأكثر منه …. المهم هو النجاح والتنفيذ، لقد شبعت حكي ولا يمكن أن يوقف عبد الناصر عند حدّه.

قال سعيد رمضان: هل تصرّون جلالتكم على أن يكون التنفيذ يوم 23 يوليو بالذات؟

قال الملك: ماذا تعني؟

قال سعيد رمضان:إنّ المسألة كبيرة وليست هيّنة وأنا أريد أن أترك بعض الحرية لرجالنا في مصر لكي يتصرّفوا وفق الظروف.

وبدا أنّ الملك لم يفهم المقصود بعد واستطرد سعيد رمضان يقول: أنّ هناك ثلاث مناسبات عامّة خلال إحتفالات 23 يوليو يقف فيها عبد الناصر على منصّة ومعه نوابه والوزراء.

ليلة 23 يوليو في ميدان الجمهورية، وصباح 23 يوليو في العرض العسكري ومساء 26 يوليو في أستاد الإسكندرية.

ومضى سعيد رمضان يقول: بدل أن نقيّد رجالنا ونلزمهم بنسف المنصّة في ميدان الجمهورية مثلاً، يمكن أن نترك لهم الخيار في نسف أي منصّة من المنصّات، وذلك سوف يعطيهم حرية في التدبير تكفل النجاح المحقّق.

والمهم أن يكون عبد الناصر فوق المنصّة لحظة نسفها.

قال الملك وكأنّه غريق يمسك بقشّة: نعم….هذا هو المهم… المهم أن يكون هو فوقها عند نسفها.

وساد الصمت لحظة وبدا أنّ الملك غارق في تصوّرات اليقظة ثمّ بدا أن استفاق لنفسه وأراد أن يغطي إندفاعه إلى قبول خطّة دموية فقال وهو يهز رأسه : والله ما أردت له هذا المصير لكنّه هو الّذي جلبه لنفسه بسياسته.

وقال سعيد رمضان وهو يهم واقفاً:

نريد دعوات جلالتكم المباركة …. وتمتم الملك ببعض كلمات.

وخرج سعيد رمضان ومعه دعوات الملك … ومعه أهم منها وأبرك! خمسة وعشرون مليون ريال قيمتها ثلاثة ملايين جنيه إسترليني ».

ويتابع الأستاذ هيكل مستطرداً في مقاله: « وليس رواية هذه القصّة هدفي من هذا الحديث، وإنّما هدفي وأنا لا أقوله هنا للملك سعود لأنّ حاشيته سوف تخفي عنه ما أقول كي لا يتعكّر مزاجه ويتكدّر خاطره وإذا قالوا له فإنّي أشك كثيراً في قدرة الملك سعود على فهم معناه وهو أنّ الخلاص من جمال عبد الناصر لا يحل مشكلة الملك سعود ولا ينهي متاعبه.

إنّ مشكلة الملك سعود الحقيقية …. ليست هي شخص جمال عبد الناصر وإنّما هي حركة التاريخ الإنساني كلّه بصورة شاملة، إنّ هذا التاريخ الإنساني في ذاته هو مشكلة الملك سعود وهو عدوه الوحيد أيضاً. والخطر في التاريخ أنّ حركته لا تتوقف ولا تنتظر ولا تناور وإنّما هذه الحركة تؤدي دورها وتصنع تأثيرها بلا تعب ولا ملل كحركة أمواج البحر الخالدة الباقية على شواطىء الأرض.

ولسنا في حاجة حتّى إلى أي قسط من المعلومات لندرك أنّ حركة التاريخ الإنساني الثورية تصنع أثرها حتّى و إن لم يكن ظاهراً الآن داخل بلاد الملك سعود بل و داخل قصره.

إن الموج الثوري يضرب بقوة و عنف –دون جدال – دون شك – شواطىء البلد الذي يريد الملك سعود أن يعزله عن حركة التّاريخ الإنساني و ما الذي يعرفه الملك مثلاَ من أفكار الملايين من شعبه؟

بل ما هو سبيله إلى معرفة ما يدور في رؤوس رجال حرسه الخاصّ أنفسهم؟

إنّ تيّار التّاريخ موجود في أفكارهم جميعا وفي قلوبهم وفي رؤوسهم.

ثمّ لا أملك لنفسي إلاّ أن أتساءل: لو قرأ الملك سعود بمحض صدفة هذا الكلام وأدرك أن مشكلته ليست شخص جمال عبد الناصر وإنّما مشكلته هي التّاريخ الإنساني، فما الذي سوف يفعله؟ من سوء حظّه أنّ التّاريخ لا يقف على المنصّات في الإحتفالات و من ثمّ يمكن تدبير نسفها ومع ذلك أكاد أقول أنّ الملك لن يعدم تاجر وهو يبيع له محاولة خرافية لإغتيال التّاريخ ولقد يصدّق الملك بذكائه ويدفع هذه المرّة الملايين ليحلّ مشكلة مع التاريخ.

ويا صاحب الجلالة إن كنت تقرأ وتسمع ليس في إستطاعة أحد أن يغتال التاريخ،إنّ التاريخ الإنساني هو الحياة ذاتها والحياة لا يقتلها أحد لأنّ الحياة هي إرادة الله على الأرض.

وإذا كنت يا صاحب الجلالة تقرأ و تسمع فهل فهمت ؟

هل فهمت با صاحب الجلالة … يا عدوّ الحياة؟!»

إنتهى نصّ مقالة الأستاذ محمّد حسنين هيكل والّتي فضح فيها دروب الغلّ والمكيدة والخديعة السعوديّة والوقوع في دائرة الإنفلات الأخلاقي والإنحدار القيمي ،بحيث أصبح بالإمكان قياس جاهليّة الملك سعود بجاهليّة والده (كما يقال) الملك عبد العزيزآل سعود الّذين بلغوا ذروة التطابق والتماثل في سلم الدناءة السعوديّة، و رغم أنّه بالإمكان كتابة صفحات طويلة وعديدة عن بعض مظاهر المروءة والشهامة الّتي طبعت بعض خصال الجاهليّة البدويّة في الجزيرة العربيّة قبل حكم طغاة آل سعود إلّا أنّ الجاهليّة السعوديّة الجديدة هي أسوء بكثير من إنحطاط القبائل الّتي إقتتلت في سبيل عنزة وأحطّ بكثير من إنحطاط القبائل الّتي وأدت نساءها أو زنت بمحارمها، فآل سعود هم كالغيث الّذي لا ينقطع شرّه فمهما إختلفت وجوههم وارتدت أقنعة تحجب صورتهم الحقيقيّة، فالتاريخ يذكر أنّ جليد الأقنعة سيذوب يوماً ويعكس قشور تلك الوجوه الكريهة، وعلى هذا الأساس سيظلّ كل ملوك وأمراء هذه الأسرة مجرّد أقزام وضيعة وإن بلغوا بمالهم ونفطهم قمم أو قمامة بعض الجبال العربيّة المضلّلة.

كلّ هذه المؤامرات وغيرها الكثير من العناوين التآمريّة تكشف لنا حقيقة ما كان يجري في كواليس هذه الأسرة الطاغية من حرب إبادة شاملة ضدّ التاريخ والجغرافيا والتراث والنضال والمقاومة، فحينما نكتب عن سجل العداء الّذي طبع علاقة الناصر وفكره الثوري بأمراء وملوك آل سعود لم نقصد بتاتاً تأريخ طبيعة هذه العلاقة وكشف ملابساتها لأنّنا في هذا الكتاب لسنا في صدد الإسهاب في إحداثيات التآمر السعودي على مصر ونظامها القومي وإنّما قصدنا من هذا السرد التاريخي إماطة اللثام عن حقيقة تعاطي آل سعود مع أحد حركات التحرر الوطني العربية والّتي وضعت نصب أعينها تحرير الأرض من قبضة الإستعمار وأصفاد الصهيونية وتحرّر الإنسان من أغلال التخلّف والرجعية، ورغم أنّ التاريخ العربي مزوّر في معظمه وذاكرته متخمة بالوقائع المشوّهة الّتي كتبت بمداد المؤرخين المأجورين، إلاّ أننا على يقين بأنّ تلك الذاكرة ستنتفض على ذاتها يوماً وتلفظ من رحمها تلك الأجنّة المشوّهة وتنتصر لتلك الأصوات الخافتة الّتي همست وتهمس في أذن الحقيقة بأن لا بدّ من مصالحة بين التاريخ والذاكرة ولن تتم هذه المصالحة إلاّ بجلاء الغبار عن أرشيف العمليات السعودية الماكرة الّتي إستهدفت قادة المقاومة العربية على إمتداد محاورها، وقد أخذت على عاتقي مهمّة إجراء هذه المصالحة بين التاريخ وذاكرته في كتاب آخر يحمل عنوان الحقيقة المدويّة وسيصدر عقب إصدار هذا الكتاب بمدة قصيرة، وسيفي إن شاءالله بمهمّة كشف النقاب عن ملابسات العمليات السعودية القذرة الّتي أودت بحياة الرئيس ياسر عرفات والشيخ أحمد ياسين والدكتور فتحي الشقاقي، ويضيء على خفايا الدور السعودي الحاسم في مقتل معمّر القذافي وإعدام صدّام حسين ويجلي غبار المحاولات السعودية الّتي رمت إلى التخلّص من القائد الخالد حافظ الأسد ( في ثمانينات القرن الماضي )، ولن أعفي بمداد الوثائق الدامغة هذه المملكة من صفاء الحقيقة الّتي تؤكد بأنّ لها باع طويل في سوق الإغتيالات السياسية في لبنان إبتداءً من إغتيال رئيس الحركة الوطنية كمال جنبلاط عام 1976م لتوريط النظام السوري فيها وليس إنتهاءً بجريمة إغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري عام 2005 مروراً بمحاولات إغتيال رائد المقاومة اللبنانية مرشدها السيّد محمّد حسين فضل الله وعشرات المحاولات الّتي استهدفت إغتيال سماحة السيّد حسن نصرالله.


٦٤ – مجلة المصوّر بتاريخ 27.12.1957
٦٥ – محمّد حسنين هيكل (رحمه الله)، مقال في جريدة الأهرام، بتاريخ 12.3.1958.
٦٦ – مقال بعنوان مؤامرات مجهولة لإغتيال عبد الناصر للدكتور يحي الشاعر بتاريخ2014/5/8، مركز يافا للدراسات والأبحاث الإلكتروني.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق