رقطاء الرمال المتحركة: الملك فيصل: قلعة العروبة أم سجنها؟!

« الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود أوقف تصدير النفط في حرب تشرين/أكتوبر 1973م ومات شهيداً ثمناً لذلك الموقف ».

هذه هي الخديعة الكبرى الّتي روّجت لها الآلة الإعلامية السعودية وظلّت لعقود من الزمن عنواناً عريضاً على صفحات الإعلام السعودي والعربي المأجور، إنّها كذبة لا أساس لها، هذا المنافق – فيصل – لم يوقف تصدير النفط ولكنّه أوقف ما نسبته 5% فقط بإيعاز مباشر من الولايات المتّحدة الأميركية.

وإذا ساورك أيّها القارىء أدنى شك في هذه الحقيقة، فما عليك إلاّ أن تقرأ محضر لقاء وزير خارجية الولايات المتّحدة الأميركية هنري كيسنجر مع نظيره الفرنسي ميشيل جوبير في 11 نيسان من عام 1975 عندما قال جوبير للسيّد كيسنجر « وهل تريدني يا هنري أن أصدّق بأنّ نفراً من لابسي الجلابيب في الخليج إجتمعوا وقرّروا في ليلة ليلاء مع شاه إيران رفع سعر النفط؟ »

فأجابه كيسنجر مستغرقاً في صراحته المعهودة: « لا يهمّني ماذا تصدّق أولا تصدّق بل يجب على أوروبا أن تعرف بأنّ مشروع مارشال قد إنتهى ».

وما يقصده وزير خارجية أميركا من هذا الرد هو أنّ مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية كان مبنياً بالدرجة الأولى على النفط الرخيص ولكن عندما وقفت أوروبا على قدميها وأصبحت ذي ثقل إقتصادي مؤثر بدأت تؤرق الولايات المتّحدة الّتي إنتهزت فرصة حرب تشرين 1973م وأوعزت إلى بيادقها في العربية السعودية برفع سعر النفط الّذي يستهدف إعاقة النمو الأوروبي من جهة ويدر مليارات الدولارات على شركات النفط الأميركية من جهة ثانية.

هذه هي الحقيقة الّتي تجاهلها بعض الأعراب المتزلفين الذين تغرف محابرهم من المداد السعودي، هذه هي الدعاية المخادعة الّتي أريد منها أن تبيعنا أوهام المروءة الفيصلية في حفلة المجون السعودي، هذه هي الأكذوبة المضلّلة الّتي أنيط بها موسم إستثمار الرياء في رحى الصراع العربي – الإسرائيلي، فلو كان هذا الفيصل مهموماً بشجون الأمّة وآلامها وجاداً في محاربة الصهاينة ومشروعهم كما أشيع عنه آنذاك، فلماذا لم يرسل سلاحاً إلى الجيوش العربية؟

ولماذا لم يؤمم شركات النفط في السعودية؟

ولماذا لم يسحب أرصدته المالية الضخمة من البنوك الأميركية الّتي يسيطر عليها الصهاينة ويستثمرون هذه الأموال في إنشاء ترسانات عسكرية يحاربون بها العرب؟

ولكن جلّ الحقيقة أنّ الملك فيصل كان ملكياً أكثر من الملك، وكان يرعى مصالح الصهاينة أكثر من الصهاينة أنفسهم وهذا ما يبرّر ردّه الغاضب على تصريح الرئيس جمال عبد الناصر عندما أعلن بأنّه سيلقي بإسرائيل في البحر فجاوبه فيصل متذمّراً : « إنّنا واليهود أبناء عم ولن نرضى بقذفهم في البحر بل نريد التعايش معهم بسلام »٦٨.

وأمّا ما يستدلّ به بعض البلهاء من العرب بأنّ حادثة إغتيال الملك فيصل كانت ثمن مواقفه المؤيدة للعرب والمناهضة للصهاينة في حرب تشرين فهم لا يدركون – أو أدركوا وتعاموا – أنّ من قتل الملك فيصل هو إبن أخيه فيصل إبن مساعد إنتقاماً منه لمقتل أخيه في إحدى المظاهرات الّتي ناوءت إنشاء محطة تلفزيون رسمية في الرياض. وبما أنّ التآمر والتواطؤ السعودي قد بلغ مراتب ناطحة في صلفها ووقاحتها، وبما أنّ أجهزة الغدر وماكيناتها الإعلامية الرخيصة تملك القدرة العجيبة على التضليل وإخفاء حقائق الأحداث وكوامن الدوافع إليها وإلباسها صوراً شتّى متقنة الصنع من الزيف الدعائي المضلّل والّذي يهدف إلى تمويه المؤامرات وإظهارها أنّها مآثر وبطولات، وبما أنّ الملك فيصل ومن سلفه وخلفه من ملوك وأمراء سعوديين قد بلغوا مرحلة التفوّق بين الأنظمة العربية الرجعية في مناوراتهم الوقحة ومهاتراتهم الفجّة، لكل ذلك … وأكثر منه … نقول:
إنّ مؤامرة إنشاء الكيان الصهيوني وتدعيمه في الأرض الفلسطينية وما تبعها من حروب شنّها الصهاينة على الأقطار العربية ما كان لها أن تنفّذ بهذا الشكل المفضوح لو لم يكن الكيان السعودي متواطئاً وكفيلاً بتغطية هذا الإحتلال وهذه الحروب.

ولو كانت سياسة الهتك والعري السعودي مقتصرة على جانب واحد أو شخص واحد من العائلة المالكة في السعودية لما كانت النكبات والنكسات بهذه الشمولية وبهذا الإتّساع وهذا ما يؤكد بأنّ الصهيونية العالمية والإستعمار قد أنشأوا الكيان السعودي وأعدّوا ملوكه نفسياً وفكرياً وسلوكياً لممارسة هذه الجرائم وأمثالها. وليت الأمر وقف عن حد التواطؤ السعودي على تقسيم فلسطين أو عند حد تحريض الصهاينة ودعمهم في كل حروبهم على شعوب المنطقة ولكن وزيادة في التآمر الّذي برع فيه آل سعود وتمادوا في سلوك سبيله بكل صفاقة وقحة بدا الملك فيصل وخلفه فهد بروحه الّتي تنزّ بالحقد وتفيض بمعاني الهزيمة والإنبطاح يضغط على الأنظمة العربية المجاورة لفلسطين المحتلّة بأن تفتح نوافذها الدبلوماسية أمام الصهاينة تمهيداً لتطبيع العلاقات وإقامة السلام الشامل بشروط الصهاينة مع إسرائيل وكأنّ ضرباتهم المتعاقبة لم تكفي حتّى أضفوا على لائحة عارهم عنواناً جديداً يحاول من خلاله دعاة الإستسلام في السعودية من أصحاب الفكر الإنهزامي تثبيط عزائم الأمّة عن الإنطلاق إلى مجالات حيويتها وفاعليتها في ميادين الجهاد والمقاومة، وبلورة مفهوم جديد في ضمائر الشعوب وأنظمتها بأنّ السلام مع الصهاينة كفيل باسترداد المقدّسات والحقوق وبأنّ السلام هو الطريق الواجب والوحيد لحل أزماتنا وإنقاذ مستقبلنا ومصير أجيالنا وبدأوا بهذه المناورة الفجّة نشر مبادئهم الهدّامة ونظرياتهم الخاوية لتحطيم الإرادة العربية وشلّها واستئصال جذوة المقاومة وإطفائها حتّى تتأجّج روح الذل والإنهزام وتخبو روح المجابهة والصدام.


٦٨ – صحيفة الواشنطن بوست العدد الصادر بتاريخ 17 أيلول 1969م.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق