رقطاء الرمال المتحركة: طريق السادات إلى كامب ديفيد عبّدها آل سعود

يفور الوجدان العربي وتفيض ذاكرته بصور اللّذين إسترزقوا على حساب القضايا القومية وفي قلبها القضية الفلسطينية، وبينهم من باع واشترى باسمها وفاوض على التفريط بالحقوق سراً وعلانية تحت شعار الدفاع عنها، وما شهدته مصر بعد مقتل القائد الخالد جمال عبد الناصر من حروب عبثية ومفاوضات ما بعد تلك الحروب العبثية ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة من العلاقات التآمرية بين الكيانين الإسرائيلي الصهيوني والسعودي الوهّابي هدفها الإستراتيجي تصفية القضية الفلسطينية.

وقد إتّضح بدون أدنى شك أنّ حرب أكتوبر/تشرين عام 1973م أرادها وكيل الفقه السعودي في مصر أنور السادات حرباً من أجل توقيع معاهدة الإستسلام مع الصهاينة وعلى النقيض تماماً من غاية الرئيس حافظ الأسد الّذي أرادها حرباً تحريرية.

ولن أدخل في تفصيلات الحرب ومفاصلها العسكرية لأنّها أعقد بكثير ممّا تظن غالبيتنا، فإسرائيل تقول أنّها انتصرت بعد بداية صعبة للحرب والسادات يدفن رأسه في رمال رياءه المتحرّك ويدّعي أنّه حقّق الإنتصار التاريخي الّذي طالما حلم به العرب.

لكن أبسط قواعد المنطق تقول أنّ المنتصر لا يذهب إلى المهزوم ويعرض عليه السلام.

قد تكون بعض الأمور خارجة عن إرادة الحقيقة أو التاريخ الموضوعي وخاصّة أنّ الأنظمة السلطوية في بلادنا هي الّتي تكتب التاريخ بأحداثه وأشخاصه، لذا استطاعت هذه الكتابة السلطوية أن تٌدخل إلى تاريخنا الملتبس بعض الأساطير الّتي تكسبها مذاقاً خاصاً والّتي من أهمّها ” أسطورة البطل أنور السادات ” و ” أسطورة النصر التاريخي في أكتوبر “.

سنتغاضى عن هذه الفسيفساء اللفظية، وهذا اللغو المترف ونركن إلى جملة من التساؤلات المنطقية الّتي تندرج في إطار الحق الإنساني في التساؤل وإن انطوى هذا التساؤل على بعض الهدم لأساطير الفخر الوطني المصري ومنجزات قيادة مصر الحكيمة بشخصها ونظامها،لماذا ذهب الأسطورة أنور السادات إلى القدس المحتلّة وعرض على الصهاينة أن يقبلوا السلام؟

ولنفترض أنّه كانت تعتريه رغبة جامحة في تحقيق السلام بعد كل تلك الحروب.

إذاً لماذا قبل بمعاهدة سلام فيها من شروط الإجحاف ما لا يليق بالجانب المنتصر؟

وحفاظاً على الأمانة التاريخية تظل الإجابة الحقيقية على تلك التساؤلات هي فرض عين على كل من يحرص على أن لا يدخل التاريخ من لا يستحق.

لم يكن في خلد الرئيس السادات ولا في مخيلته أنّه سيشارك يوماً في حرب تحريرية ضد إسرائيل، لكن الدور الّذي رسمته له الإستخبارات السعودية بقيادة كمال أدهم ( صهر الملك فيصل ) كان يقتضي مشاغبة إسرائيل من أجل التحريك وليس التحرير ( أي تحريك المفاوضات )، كان ذلك صيف العام 1955م عندما إلتقى أنور السادات بصفته أمين عام المؤتمر الإسلامي بممثل السعودية في المؤتمر السيّد كمال أدهم ومن رحم هذا التنادم تمخضت أخطر مؤامرة جمعت أعتى عبيد الرجعية العربية مع أكثر خلق الله إستعداداً لركب صهوة هذه الرجعية لأنّها تضمن له ريادة أكبر دولة عربية بأبعادها الديمغرافية والتاريخية.

بدأت فكرة تجنيد أنور السادات من قبل الإستخبارات السعودية على أساس فكرة العميل النائم أي الّذي لا دور له لمدة معينة، وعندما يحين الحين يتم تفصيل هذا الدور ليصبح حاسماً عند مفترق الضرورة السعودية، فتمثّل دوره الأوّل بتأجيج نار الصراع السعودي المصري في اليمن كلّما لاحت فرصة، حاول فيها عبد الناصر الخروج من اليمن بشكل لائق يحفظ هيبته ويحمي نظامه لكن ليس لهدف إلاّ من أجل إثخان الجيش المصري بجروح استنزاف لا تنتهي كجزء لا يتجزأ من إستراتيجية آل سعود الرامية إلى إضعاف مصر تمهيداً لإنقضاض الصهاينة عليها.

ومن ثمّ أتت هزيمة حزيران عام 1967م وترنح الخصم اللدود للرجعية العربية وأزيح الضلع المحوري للعروبة عن كاهل مملكة آل سعود، ولإستكمال فصول هذه الهزيمة وما ترتب عليها من تداعيات وأهوال تعرّض جمال عبد الناصر لضغوط من التحالف العضوي الأميركي – السعودي من أجل تعيين السادات نائباً له بعدما تعثّرت كل المحاولات الإنقلابية والإغتيالات، فكان هذا التعيين هو سبيل السعودية لإحتواء ما تبقّى من نظام عبد الناصر، وللمصادفة توفي الرئيس جمال عبد الناصر بعد بضعة أشهر من تعيين السادات نائباً له.

عندها بدأ الدور المحوري للسيّد كمال أدهم في تفصيل أدوار العميل النائم بعد تولّيه سدة رئاسة الجمهورية في مصر وهكذا تحوّلت مصر في الحقبة الساداتية إلى مومس أميركي وبغي سعودي وتحوّلت من معسكر الرفض إلى معسكر الإعتدال بعدما جرّدها السادات من ثوبها القومي وهويتها التاريخية وانتمائها الجغرافي ليجعل منها أكبر قاعدة تجسس أميركية للهيمنة على المنطقة، وشرع السادات خدمةً لأغراض سعودية في سياسة إزالة آثار الحقبة الناصرية ومنجزاتها القومية على مستوى إدارة الصراع مع الإستعمار وأذنابه من رجعيين وصهاينة وتجلّت أولى إرهاصات هذا الإنقلاب السعودي – الساداتي بإجلاء ثمانية آلاف مستشار عسكري روسي إستقدمهم الرئيس عبد الناصر من أجل إعادة بناء وتدعيم الجيش المصري بعد نكسة حزيران 67، وهو ما عبّر عنه مراراً وتكراراً وزير خارجية الولايات المتّحدة الأميركية آنذاك هنري كيسنجر بأنّه هدية مجانية لأميركا وإسرائيل.

ورفد السادات سياسته الإنقلابية بحملة إعتقالات تعسفية إستهدفت كل الطاقم السياسي والأمني والعسكري المحسوب على الرئيس جمال عبد الناصر، بهدف إستكمال أعمال التطهير الكفيلة بوضع مصر على سكة التفاوض المباشر مع الصهاينة بغية الولوج في عملية إستسلام شاملة مع إسرائيل.

وعندما إكتملت عناصر الحملة التطهيرية بإزالة جميع العوائق الناصرية، بدأت الإستخبارات السعودية تنحو نحو ترتيب إتصالات مصرية مع إدارة الرئيس الأميركي نيكسون لبلوغ أهداف التطبيع المصري مع الصهاينة، وعندها إنتدبت الإدارة الأميركية وزير خارجيتها آنذاك وثعلب دبلوماسيتها هنري كيسنجر من أجل التصدي لمهمة إخراج مصر من كنف الصراع العربي – الإسرائيلي وإلحاقها بالركب العربي الرجعي، وريثما إمتلك كيسنجر زمام المبادرة وأطلقت له يد العنان بوصفه مبعوثاً سامياً لأميركا وإسرائيل إستدعى كمال أدهم للتشاور معه في كيفية إختلاق مخرجاً يفي بإخراج مصر من موقعها التقليدي، وبعد صولات وجولات من الحوارات الساخنة تفتأت عبقرية كمال أدهم على فكرة خبيثة عرضها على السيّد كيسنجر وهي إستثمار حالة المد القومي الكبير الّذي تقوده مصر بعبق الأفكار الناصرية في المنطقة العربية وحالة الغليان الملتهبة في الصدور العربية للإنتقام من إسرائيل بعد هزيمة حزيران، وانطوت هذه الفكرة على إخراج مسرحية حرب بين مصر وإسرائيل وعبّر عنها كمال أدهم بقوله « أنّ الفرصة سانحة أمامنا لإخراج مسرحية حرب تمتص النقمة العارمة لدى الشعوب العربية بعد الحصول على ضمانات من الجانبين المصري الإسرائيلي بتوقيع إتفاق سلام بينهما بعد الحرب مباشرة »، وعندها إسترسل كيسنجر بأفكاره الّتي عانقت أفكار كمال أدهم ورست على ضرورة « إخراج سيناريو يضمن خروج الطرفين من معمعة الحرب وتنتابهم الرغبة في السلام، ولا يمكن أن يتحقق هذا الهدف ما دامت إسرائيل تحتل جزءاً من الأراضي المصرية » فقاطعه كمال أدهم معقباً على كلامه بشظف القول: « إذاً فلتكن حرباً من أجل السلام نعيد بنتيجتها سيناء للمصريين مقابل إعتراف النظام المصري بشرعية إسرائيل مع استدارة كاملة نحو الغرب وهذه فكرة قد تنطلي على الشعب المصري وتطفىء غضبه». وكان لا بد حتّى يتحقق هذا الهدف من انتزاع موافقة إسرائيل على إعطاء مصر نصراً جزئياً تستعيد فيه سيناء المحتلّة، وبالفعل وافقت الحكومة الإسرائيلية برئاسة غولدا مائير على الطرح السعودي الأميركي، ودخل بعدها الطرفان المصري والإسرائيلي في مسلسل حرب كرتونية أطلق عليها السادات إسم ” شوية خناقة على المي “.

وترافقت الجهود الحربية مع حملة مموّلة من المملكة العربية السعودية إستطاعت تضليل الرأي العام المصري والعربي وإيهامه بأنّ الجيش المصري على أبواب إنتصار تاريخي ستكون له تداعياته الكبرى على مستقبل المنطقة العربية برمّتها وفي قلبها فلسطين.

( ولمن يستحسن الوقوف على نتائج حرب تشرين عام 1973م فما عليه إلاّ قراءة مقال للأستاذ أسعد أبو خليل في جريدة الأخبار، العدد الصادر بتاريخ 22 تموز 2015 ).

ولكن بعد نهاية الحرب ومعاينة النتائج الّتي أفضت إليها على المستويين المصري خصوصاً والعربي عموماً يتأكد بأنّها حارب وقعت لتسقط لغة الحرب، حرب من أجل السلم، حرب تشكّل خاتمة كل الحروب العربية مع الصهاينة، وإذا كان صحيحاً أنّ مصر إستعادت شبه جزيرة سيناء كاملة كجغرافيا، إلاّ أنّ السيادة المصرية على سيناء كانت بموجب الإتفاق الّذي عقب الحرب سيادة منقوصة بسبب إشتراط الإتفاق نشر قوّات دولية فيها واشتراط إسرائيل أن تكون هذه المنطقة منزوعة السلاح حتّى تشكّل منطقة عازلة وحزام أمني حول إسرائيل، ولعلّ أبرز مصاديق بدعة الإنتصار المزعوم الّذي تشدّق به السادات وأبواق الرجعية في السعودية هو ما آلت إليه هذه الحرب من نتائج مخزية تمثلت بزيارة السادات إلى القدس في 19 تشرين الثاني عام 1977م ونجم عنها محادثات كامب دافيد ( بدأت في 18 ايلول 1978) حيث تمّت الصفقة بين إسرائيل بقيادة بيغن ومصر بقيادة السادات، الصفقة الّتي توّجت بإتفاقية الصلح المنفرد في 26 آذار 1979 برعاية أميركية وبإشراف مباشر من الجانب السعودي بحيث كان له اليد الطولى في إبرامها وصياغتها وبذل الغالي والنفيس في سبيل تحويل مصر من دولة الريادة والقيادة والسيادة إلى سمسار السلام في خدمة أميركا والصهيونية والرجعية العربية، واستحالت مصر بهذه المعاهدة من قاعدة للنضال العربي ومهداً للقومية ومنبراً للصمود إلى الحارس الأمين والشرطي المطيع للكيان الصهيوني، كما أنّ لعنة كامب دافيد لم تقتصر على وضع سيناء رهينة في يد إسرائيل يمكنها أن تعيد إحتلالها متى تشاء أو فقدان مصر جانباً كبيراً من دورها الإقليمي وحضورها الدولي وإنّما تجاوزت هذا البعد الإستراتيجي في العلاقة مع إسرائيل لتمس صميم السياسة الداخلية في مصر وتأسيس نظام سياسي تحظر المشاركة فيه على أي تيار أو جماعة ترفض الإعتراف بشرعية الدولة اليهودية وحقّها في الحياة، وهنا يمكن أن ندرج رسالة مرشح الإخوان المسلمين محمّد مرسي بعد إنتخابه رئيساً عام 2013 إلى الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز وافتتاحها بعبارة ” صديقي العزيز” ضمن هذا السياق.

وحتّى تكتمل دائرة الخضوع المصري للإرادة الصهيونية أعادت معاهدة كامب دافيد صياغة الخارطة الإقتصادية والثقافية للدولة المصرية ضمن أطر المصالح الإسرائيلية ومشروعها الإستراتيجي.

كما أنّ مبعث هذه اللعنة لا يتعلق فقط بتداعيات كامب دافيد على الصعيد المصري الداخلي فحسب بل تجاوزتها لتطال بويلاتها كل البلاد العربية والإسلامية، لأنّ خروج مصر من معادلة الصراع بكل ثقلها ووزنها أدّى إلى فقدان المناعة القومية وطغيان كل النوازع القطرية الضيقة ومعها النوازع المذهبية والطائفية ولعلّ أخطرها الأفكار الوهّابية التكفيرية الّتي تحوّلت إلى ألغام متفجرة في العالم العربي والإسلامي تتهدّد وجود دوله ومجتمعاته، الأمر الّذي وفّر للصهاينة الفرصة الذهبية للإستفراد بالقضية الفلسطينية وتصفيتها وأطلقت العنان لنهجها العدواني في التوسّع والإستيطان وتهديد مقدّساته، كما أنّ هذه الإتفاقية حرّرت الصهاينة من حسابات الردع على الجبهة المصرية، ولم تعد إسرائيل مقيّدة بأغلال الهاجس المصري عند مبادرتها إلى الإعتداء على أية دولة عربية كما هي الحال مع الإعتداءات الصهيونية المتكررة على فلسطين وشعبها الأعزل إلاّ من كرامته وعنفوانه.

وأخيراً… وببركة المملكة العربية السعودية … كنّا قبل كامب دافيد نتحدّث عن مستقبل الوجود الصهيوني في فلسطين ثمّ أضحينا بعد هذه الهبة السعودية نتحدّث عن فتح معبر رفح على الحدود مع غزة أو عن خطر الإرهاب في سيناء، وشتّان!!.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق